انضم إلينا
اغلاق
هدف كومباني الصاروخي.. هل كرة القدم عبثية؟

هدف كومباني الصاروخي.. هل كرة القدم عبثية؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

غوارديولا يملك 4 خيارات في قلب الدفاع؛ أوتامندي وستونز وكومباني ولابورت، يصبحون 6 إذا أضفت مانغالا وفيليب ساندلر الذين لا يشاركان تقريبًا، ولكن دعنا نعود للأربعة الأوائل؛ كم مشجع أو حتى مختص في كرة القدم كان ليستطيع توقع مشاركة كومباني أساسيًا؟

  

لتتعرف على الاحتمالات عليك أن تتحدث مع "مهاويس الفانتازي"، سيخبرونك عن معاناتهم الملحمية مع سيتي بيب وصعوبة توقع خط الدفاع الذي سيبدأ المباراة؛ أوتامندي يلعب كأساسي طيلة الموسم الماضي تقريبًا ثم يتم استبداله بستونز في بداية الموسم الحالي لسبب لم نعلمه حتى الآن، ثم يعود أوتامندي لفترة قبل أن يتم إقصاء ستونز نفسه بعد مباراة كريستال بالاس التي لعب خلالها في محور الارتكاز وارتكب خطأً تسبب في هدف مباشر، وعلى الرغم من إصرار بيب على تقديمه لمباراة جيدة وإعفائه من مسؤولية الهزيمة.

  

أصلًا، وعلى عكس أغلب مدافعي العالم، هناك علاقة طردية بين تقدم سن كومباني وميله للاندفاع والتهور، وإشراكه في مباراة مثل ليستر، مُتوقع فيها أن يلعب رودجرز على المرتدات ولا شيء غيرها، هو مخاطرة ضخمة في حد ذاتها، وبالفعل نال الرجل بطاقة صفراء في إحدى هذه التدخلات على جيمس ماديسون، ورغم كل ما يقودنا إليه المنطق فإن كومباني قد شارك.

    

  

العذاب سرمدي

دعنا إذن نحاول حساب الاحتمالات رياضيًا؛ مانشستر سيتي لعب 59 مباراة حتى هذه اللحظة في كل المسابقات، غاب كومباني عن 22 منها بسبب الإصابة، أي أن احتمالية تواجده في القائمة لا تزيد عن 63% بأي حال من الأحوال، ثم ضع في الاعتبار أن هناك مركزين متاحين لقلب الدفاع وأحدهما محجوز للابورت بالفعل فتنخفض هذه النسبة للنصف 32% تقريبًا، وبعد ذلك ستضطر لتوزيع هذه النسبة على لاعبين آخرين بالإضافة للبلجيكي هما ستونز وأوتامندي، مع حساب احتمالية أعلى بقليل لمشاركة أي منهما على حسابه بسبب أن هذا هو ما حدث فعليًا منذ بداية الموسم للآن.  (1) (2) (3) (4) (5)

   

ثم تضيف للحسبة احتمالية أن يهاجر والدي كومباني من الكونغو إلى بلجيكا أصلًا، أو أن ينفصلا وهو في الرابعة عشر من عمره، أو أن يُفصل والده من عمله ويُفصل كومباني من مدرسته بالتبعية لعجزه عن سداد النفقات، وبالتالي أن يقرر أنه لا يملك مخرجًا من البؤس سوى كرة القدم، ويصمم على التحول للاعب محترف، وهكذا وصولًا للحظة التي يلعب فيها مباراة ليستر ويقرر أن يسدد رغم مطالبة كل زملائه، ومدربه نفسه، بألا يفعل، وأن تكون هذه هي تسديدته الأولى على المرمى من خارج منطقة الجزاء منذ 2013، ناهيك عن دخولها للمرمى فعلًا. لابد وأن احتمالية تسجيل هذا الهدف قد وصلت الآن إلى سالب 1386021 مثلًا. (6) (7)

   

  

نحن لا نتحدث فقط عن مجهود فردي رائع للاعب لا يُتوقع منه أبدًا أن يأتي بلقطة كتلك، بل المفارقة هنا أننا حتى لو تغاضينا عن كل الاحتمالات السابقة، وافترضنا أن تاريخ الكون قد بدأ عندما قرر كومباني أنه سيسدد الكرة على المرمى مباشرة، فإن هذا القرار بحد ذاته هو كفر صريح بمنطق اللعبة، وخطط مدربه، ومطالبات زملائه العقلانية بالتمرير بدلًا من التسديد، هو كفر صريح بالإحصائيات والتحليلات الرقمية وتوقعات محللي الأداء التي بُني عليها كل ما سبق، ولا تفسير له سوى مزاح كومباني عقب المباراة قائلًا إنه لم يفز بكل هذه الألقاب مع السيتي ليخبره الآخرون بما يجب عليه فعله. (8)

   

لا بأس، ولكن ماذا لو أخبرناك أن هناك خوارزمية إحصائية تسمى الأهداف المتوقعة Expected Goals تستطيع حساب جودة الفرص المتاحة لكل فريق وقابليتها للتحول إلى أهداف من عدمها بناءً على معايير مختلفة منها دقة التمريرة التي صنعت الفرصة وقدرة اللاعب على استلامها بشكل صحيح والمسافة بينه وبين أقرب مدافع إلخ، وأن هذه الإحصائية تقول إنه كان من المتوقع أن يسجل السيتي ضعف أهداف ليستر بالضبط، وأن النتيجة المنطقية لهذه المواجهة هي مانشستر سيتي 1.09 – 0.54 ليستر سيتي؟ (9)

   

تاريخ وجغرافيا

مشكلة المنطق الذي يعبر التاريخ والجغرافيا أنه لا يتمكن أبدًا من حساب ما يطلق عليه الـ  Lurking Factor أو العامل الخفي، (10) والعامل الخفي هنا هو أحد أقوى غرائز البشر على الإطلاق؛ القدرة على التأقلم مع المستجدات. هذا هو العامل الذي يظهر أثره عادة في أفلام السفر عبر الزمن، عندما يعود البطل إلى ذاته في وقت مبكر من حياته فيغير تفصيلة صغيرة للغاية لا تبدو مهمة، وعندما يعود للحاضر يكتشف أنه قد تحول من موظف مرموق في مؤسسة كبيرة إلى لاعب كريكيت سابق يدمن المخدرات مثلًا، أو تحول إلى إمرأة، أو ممثل مساعد في مسلسل محمد رمضان الجديد، أو ربما محمد رمضان نفسه.

   

  

هل يعني ذلك أن السيتي كان سيصل لنقطة مختلفة لو لم يهاجر والديّ كومباني من الكونغو؟ قطعًا، لا شك في ذلك. أي نقطة تلك؟ وما مدى اختلافها عن الواقع الحالي؟ هل كانت ستمنح ليفربول اللقب مثلًا؟ لا أحد يعلم، ولا أحد بإمكانه أن يتخيل حتى، لا شك في ذلك أيضًا. إن كنت مؤمنًا بقوة إلهية تدير الكون فإن عجزك عن توقع مسار الأحداث قد يكون أحد أهم الدلائل على وجودها.

   

دعنا من كل ذلك، ولنذهب إلى تفصيلة تحكيمية مهمة سنتحمل لعناتك مقابل أن نسردها؛ في مطلع الموسم بدا واضحًا أن استفادة الريدز من الأخطاء التحكيمية كانت أكبر من السيتي، ثم بدا وكأن الكفة قد تعادلت عند المنتصف، ثم مالت بعض الشيء جهة المواطنين، ثم في المباريات الأخيرة بدا وكأن الأخطاء لم تفعل شيئًا سوى تأخير خسارة الريدز للقب؛ سيتي حُرم من ركلة جزاء واضحة أمام بيرنلي وأخرى أمام ليستر، في ذات الوقت الذي تجنب ليفربول طرد أرنولد أمام نيوكاسل بعد استخدامه ذراعه في إبعاد الكرة عن مرماه، ثم سجل الريدز هدف الفوز من مخالفة لم تكن مخالفة. (11) (12) (13)

    

  

بالطبع لا يمكننا التأكد بالضبط أيهما كان أكثر استفادة على مدار المسابقة كلها، ليس فقط لأنه أمر صعب حسابيًا، بل لأننا سنضطر لتجاهل الـ  Lurking Factor مرة أخرى، ولن نعلم أبدًا أن كانت باقي الأخطاء ستقع إذا أزلنا أولها أم ستنقلب الآية، ولكن لنفترض جدلًا أن ما سردناه قد وقع كما سردناه وسنجد أنفسنا أمام Lurking Factor آخر مهم هو رد فعل الجمهور على منصات التواصل الاجتماعي.

   

لنفترض أن مانشستر سيتي، أو أي فريق آخر ينافس ليفربول عند هذه المرحلة، كان يستحق ركلة جزاء بالأمس، ولنحاول تخيل ردود الأفعال في حال فاز سيتي كما حدث فعلًا، وفي حال تعادل ومنح ليفربول اللقب. طبعًا هناك فارق ضخم بين أطنان الـ"معلش" التي كان سينالها كل من سيحاول الإشارة لهذه الحقيقة، وبين مساحات التسامح والقبول التي ستنالها هذه الحقيقة بسبب نتيجة المباراة الفعلية، رغم أن النتيجة لا ينبغي أن تكون مؤثرة عند النظر للقطة كتلك.

   

الآن يمكننا منحك بعض الأجوبة بدلًا من إثارة المزيد من حيرتك بالأسئلة المتتالية؛ هل كان من الممكن أن يخسر ليفربول أو سيتي اللقب بسبب خطأ تحكيمي؟ قطعًا. حتى في وجود الـ VAR؟ نعم أيضًا. هل مقولة "الحظ يقف مع المجتهدين" التي يصمم معلقو المباريات على تكرارها تعني أي شيء؟ إطلاقًا، أصلًا أن تعتبر فوز أحد الفريقين باللقب هو انتصار للاجتهاد لهو ظلم غير عادي، يمكنك أن تقول إن كرة السيتي كانت أفضل أو أكثر إمتاعًا، يمكنك أن تقول إن غوارديولا يمتلك لاعبين أفضل وأكثر إبداعًا، أن بيب مدرب أفضل من كلوب أو العكس، ولكن أن تبرر فوز أحدهما بالإجتهاد لهو محض هراء، هراء من الذي يتكرر عادة عندما نرغب في تفسير لقطة كلقطة كومباني.

   

  

ماذا تعلم عن المنطق؟

هذه خدعة النتائج، أو خدعة الواقع إن استخدمنا منطق ثانوس وأحجاره الأبدية، الواقع الذي يمكنه أن يتغير عند أي لحظة وينقسم لعدة مسارات كلها تحمل نسخًا منك ومن سيتي بيب وليفربول كلوب وكومباني، وفي كل هذه النسخ سنقسم أنك ستتأقلم وستتقبله أيًا كانت المتغيرات، وفي سباق كالسباق الحاصل بين الفريقين يمكننا أن نقسم أن أيهما كان سيستحق اللقب لو فاز به. لماذا؟ لأننا دائمًا ما ننسى ماهية الخدعة؛ أن هذه النتائج ليست أفضل طريقة فعلًا للتعبير عما حدث، وحتى لو استطاعت خوارزمية إحصائية مكونة من عدة معايير معقدة أن تتوقعها.

   

منطقيًا، أي مباراة كرة قدم يقف خلفها نادي وموظفين وإداريين ومنشآت ولاعبين ومدرب وطاقم مساعد وجماهير ومحللي أداء وعمال صيانة العشب وأسر كل هؤلاء بظروفها المتشابكة وأجهزة كمبيوتر وظروف جوية وعالم كامل يستحيل حصره ودرجة تأثيره على النتيجة. منطقيًا لا يمكنك اختصار كل ذلك في رقمين يعبران عن نتيجة اللقاء، ولكن واقعيًا، هذه هي الطريقة الوحيدة التي نملكها لكي تكون هناك لعبة من الأساس، بالضبط مثل كون القانون العادل هو الطريقة الوحيدة الصالحة لإدارة المجتمعات البشرية. هذا لا يعني أنه لا يحوي ثغرات يهرب منها تجار المخدرات واللصوص كل يوم، ولكن الكثير من البدائل الأخرى ستعني الفوضى ببساطة.

   

منذ عامين تقريبًا، اجتمع كبار محرري الغارديان لكتابة تقرير بعنوان "لماذا نشاهد كرة القدم؟"؛ الدوريات مملة وفي أغلب المواسم يمكنك توقع الفائز بعد مرور شهر أو اثنين من عمر المسابقة، ببساطة لأن الأفضل غالبًا ما يفوز، وبنسبة أقرب إلى الاكتساح، ورغم ذلك فإن عقود البث في تزايد مستمر، وأعداد المشاهدين في تزايد مستمر حتى بحساب معدلات الزيادة السكانية، وللأسف انتهى التقرير قبل أن يتمكن أي منهم من الإجابة على السؤال بشكل قاطع. (14)

    

  

هل كرة القدم عبثية؟ هي تحمل الكثير من العبثية طبعًا. السؤال في العنوان لم يكن استنكارًا. إذن لماذا نشاهدها؟ لأننا مهما رددنا العبارات عن التاريخ الذي لا يتذكر إلا النتائج، ومهما استخدمنا هذه النتائج في إثارة غيظ بعضنا البعض، ومهما تملكنا الغرور الطفولي الساذج بأن احتمالات وقوفها في صفنا ستكون دائمًا أكبر من احتمالات وقوع العكس، فإننا نشاهد كرة القدم لأننا ندرك عبثية جزء لا بأس به من أحداثها، لأننا نأمل في التقاط تلك المساحة المتواجدة بين ما هو منطق وما هو واقع، لأننا، على عكس ما ندّعي طوال الوقت، نبحث عن البديل الآخر، عن الفوضى.

   

هي الفوضى التي لم يتوقعها أحد عندما أخطأ ستيرلينغ المرمى وهو على بعد مترين، أو عندما أهدر إيهيناتشو فرصة لا تقل سهولة، أو عندما تسرع فودين بمقدار أجزاء من الثانية قبل أن يسدد أعلى مرمى شمايكل من انفراد صريح، أو طبعًا الفوضى التي توقعها جميع لاعبي السيتي ومدربهم عندما كان كومباني يتأهب للتسديد.

    

احتمالات الفوضى لا تلغي احتمالات المنطق. في النهاية كان بإمكان السيتي أن يسجل من فرصة فودين أو ستيرلينغ أو ركلة الجزاء غير المحتسبة ويجري كل شيء بشكل واقعي دون أن نضطر للدخول في هذه المتاهات، ولكنها مناسبة جيدة لكي تدرك أن كرة القدم ستفاجئك بعبثيتها كلما حاولت إخضاعها للمنطق، وستصدمك بمنطقها كلما اعتمدت على عبثيتها، وأحيانًا تقع الأولى مع الثانية أو العكس، وفي كثير من الأحيان يبدو وكأن كل الهوس بالتفاصيل والإعداد البدني القاسي والأنظمة الغذائية الصارمة والخطط المحكمة والتحركات المدروسة لا تفعل شيئًا سوى تمهيد المسرح للقطة فوضوية قد تكافىء كل ما سبق أو تسلبه كل شيء، وإن كان هناك شيئ يمكننا أن نطالبك به، فهو أن تتذكر كل ذلك عندما يفوز أي منهما باللقب رسميًا.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار