انضم إلينا
اغلاق
صلاح المتكبر.. هل يحق للنجوم طلب الخصوصية؟

صلاح المتكبر.. هل يحق للنجوم طلب الخصوصية؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

النجم المشهور الذي انطلق من أصول شعبية متواضعة نحو العالمية. هذه قصة مألوفة للغاية وأحد تقاليدها الراسخة هي اللحظة التي يتنكر فيها لأهل بلدته ويجحد فضلهم عليه. لماذا؟ لأننا شاهدنا العديد من المسلسلات والأفلام التي تقوم على الحبكة نفسها، ومن المستحيل أن يكون كل هؤلاء المؤلفين والمخرجين حمقى طبعا، لذا إن كنت متحفزا الآن فنحن نتفهم ذلك. في الواقع سنتفهم الأمر حتى لو كنت قد اتخذت صف الجماهير دون أن تعلم ماهية الموضوع بالضبط. هذا درس آخر تعلمناه من الدراما؛ الجماهير محقة دائما.

  

آسفين يا صلاح

يفترض أن يكون الأمر بسيطا؛ صلاح شارك أساسيا مع ليفربول وفاز بدوري الأبطال بعد أن سجل من ركلة جزاء، ثم عاد إلى بلدته نجريج ليحتفل مع عائلته بالعيد، وبعدها استيقظ فجرا ليجد حشدا من الصحفيين وأهل القرية يحيط بمنزله لدرجة أنه لم يستطع الخروج لأداء الصلاة بالمسجد على حد قوله.

  

  

كل هذا يبدو متوقعا. نحن نتحدث عن أول لاعب مصري يحظى بشرف تحقيق هذه البطولة، وهذا أول جزء من المشكلة. لو كان لمصر كمٌّ من المحترفين يتناسب مع عدد سكانها لربما كان الضغط أقل وطأة على صلاح. لو لم يكن هو الأول على الإطلاق لربما حظي بقدر أكبر من الخصوصية التي يطلبها. السؤال الذي يكرره الجميع هنا؛ لماذا يرفض عيوب الوضع رغم أنه استفاد من مميزاته؟ ألم ينل صلاح أطنانا من الإشادات للسبب نفسه؛ كونه أول لاعب مصري يصل لهذه المكانة؟

  

طبعا كان بإمكاننا أن نخبرك أن صلاح لم يختر أيًّا من ذلك، وأن كل ما فعله هو الاجتهاد في عمله والتحلي بطموح وجدية استثنائية بين أقرانه، وأنه في الواقع لا يدفع ثمن الشهرة كما يردد الجميع، بل يدفع ثمن تطرف الجماهير التي تصوّت له بلا عقل حتى لو لم يكن يستحق الجائزة، وتُغرق حساب ساديو ماني بالسباب العنصري لأنه لا يمرر له، وتصف ميلنر بأسوأ النعوت لأنه لم يمنحه ركلة الجزاء، ثم تتوقع أن يكافئها بأن يخرج كلما ذهبوا إلى بيته، وبأن يلتقط الصور كلما طلبوا منه، وبأن يقضي عطلته في الاستماع لمطالب أهل قريته، والحقيقة أن كلها أمور شاقة لن يتحملها أيٌّ منهم ليوم واحد، ولكن الجماهير تنساق -كالعادة- خلف الاعتقاد الشائع بأن المال قادر على حل جميع المشكلات. (1) (2) (3)

  

كل ما سبق كان ليبدو ردا منطقيا مقنعا لو لم نكن نتحدث عن صلاح تحديدا، ببساطة لأن الرجل أجاد استغلال هذا الدعم غير المشروط حتى لو لم يطلبه في المقام الأول، وكان هو أول حل يطرأ في ذهنه خلال أزماته المتتالية مع اتحاد الكرة المصري، وفي بعض الأحيان كان لا يحتاج حتى إلى شرح الموضوع حتى يناله. صلاح فعلا ليس المثال الأفضل هنا، لأنه على الرغم من كونه محقا في انتقاد العقلية المصرية كما حدث في مؤتمر البنك الشهير، وعلى الرغم من أن تصرفات بعض الصحفيين لا تمت للاحترافية بصلة فعلا، وعلى الرغم من كون ما حدث هو اقتحام لخصوصيته كما قال، فإنه بدا متواطئا مع كل ذلك فيما سبق. (4) (5)

     

    

اقتلوا المشاهير

لو أردنا تحري الأمانة فهناك احتمال لا بأس به أن صلاحا قد أُجبر على التواطؤ مع كل ذلك. الجميع يعلم كيف تجري الأمور في وطننا العربي، ولا نحتاج إلى تخيل ما كان سيحدث لو قرر صلاح مقاضاة اتحاد الكرة المصري دوليا مثلا بدلا من اللجوء لقوة منصات التواصل الاجتماعي، أو لو كان قد رفض زيارة قاديروف في روسيا وقرر قيادة اللاعبين للعصيان. للوهلة الأولى يبدو صلاح أقوى من كل ذلك حاليا. في الواقع لو كان هناك مصري يستطيع الانتصار على أي مؤسسة بيروقراطية كاتحاد الكرة فهو صلاح، ولكن من التعقل الافتراض بأن الأمور قد تكون أعقد مما تبدو عليه. (6) (7)

  

ولكن التسليم بكل ذلك يجبرنا على الاعتراف بحقيقة أخرى مهمة نعلمها بالبديهة؛ أن كل ما يحدث لصلاح هو نتيجة حتمية لتألّقه وتفوقه على أي نموذج آخر شهدته الكرة المصرية منذ نشأتها، نتيجة كانت ستقع سواء تمت الأمور كما تمت أو بأي شكل آخر، وحتى لو لم يُجر صلاح أي مؤتمرات صحفية ولو لم يمتلك أي حساب نشط على منصات التواصل.

  

هذا كله يقودنا للتساؤل؛ هل طريقتنا في التعامل مع النجوم عادلة أصلا؟ هل يمكننا تعريف مصطلح "ضريبة الشهرة" ورسم حدوده؟ هل نعلم أين يقع الخط الفاصل بين واجب النجم المعنوي نحو جمهوره وبين الاعتداء على حياته الخاصة؟ وهل هناك توازن حقيقي في تعامل الناس مع النجوم في أوقات النجاح والإخفاق؟

    

    

الإجابة عن كل ما سبق ستكون بالنفي غالبا. نحن نحوّل المشاهير إلى آلهة بالمعنى الحرفي، ثم نتوقع منهم ما لا طاقة لهم به، ثم نعاقبهم بقسوة عندما يخيّبون آمالنا، والحقيقة أننا لا نعلم بالضبط كُنه ضريبة الشهرة. لو كان عدد المتجمهرين حول منزل صلاح مئة لقلنا إنها ضريبة الشهرة، ولو كانوا ألفا لقلنا إنها ضريبة الشهرة، ولو كان بعضهم قد وصل إلى باب شقته وأخذ يطرق حتى يخرج له صلاح لقلنا إنها ضريبة الشهرة أيضا. وبغض النظر عن صلاح فإن هذا يحدث مع كل لاعبي الكرة تقريبا، هذا الخط يستمر إلى ما لا نهاية تقريبا ولا يمكن إيقافه؛ السّباب الدائم والتوقع بأنهم سيُجيدون في كل مباراة وتتبع أبسط الأخطاء والسقطات. كل هذا ضريبة الشهرة، وهذا المنطق يأكل نفسه بنفسه، وكأن النجم لا بد أن يُعاقب لأنه نجم.

  

حتى تحترق النجوم

منذ عدة أعوام تعاقدت غارديان مع أحد لاعبي البريميرليغ السابقين لكتابة عدة كتب وحلقات منفصلة بعنوان "اللاعب السرّي" (The Secret Footballer). قيل إن هذا اللاعب كان ينشط حتى 2011، وبالطبع رفض إعلان اسمه، لأن فكرة الكتب تقوم على نشر التفاصيل الخفية للعبة من خلف الكواليس وما يحدث داخل غرف خلع الملابس، وبالطبع كان هناك قسم ضخم عن علاقة اللاعبين بالجماهير. (8) (9)

  

في واحدة من حكاياته يروي واقعة حدثت مع مارك فيدوكا مهاجم ميدلزبره السابق، والذي كان يتقاضى أعلى راتب في النادي، وفي إحدى تلك الفترات التي انخفض فيها مستواه تم تبديله أمام أستون فيلا والفريق مهزوم، وعندما جلس على الدكة تعرض لأقذر أنواع السباب من الجماهير التي تحيط به من جميع الجهات، فما كان منه إلا أن بدأ في غناء مقطوعة مونتي بايثون الشهيرة "انظر إلى الجانب المشرق دائما" وهو يصفّر. طبعا هذا استفز الجماهير للمزيد من الإهانات. (10)

  

بعد المباراة خرج فيدوكا نحو سيارته المركونة بجانب المدرج الرئيسي ليجد تجمهرا من مشجعي النادي يحاولون استكمال وصلة السباب، أحدهم صرخ قائلا إنه هو من يدفع راتبه وإن أمواله هي ما ابتاع له سيارته الفخمة، فتوجه له الأسترالي قائلا: "أنت من تدفع راتبي؟ تهانينا.. لا بد أنك وغد ثري".

     

    

هذه الواقعة، إلى جانب الكثير مما ذُكر في هذا الكتاب، توضح العلاقة الحقيقية القائمة بين اللاعبين وجماهيرهم، الدائرة المفرغة التي تضعهم فيها الجموع، فكرة أن كل هذه الإهانات قد تم دفع ثمنها سابقا من دخلهم، وأن هذه المبالغ لا تمنحهم الحق في مشاهدة المباريات والتشجيع وحسب، بل أيضا الحق في ابتزاز اللاعبين أخلاقيا وعاطفيا والتحكم في حياتهم واختياراتهم الشخصية، وعلى المتضرر أن يتحمل هذه التكاليف أو يعتزل لعب الكرة.

  

لا تقرأ الصحف

النتيجة؛ لاعبو الكرة، فعليا، لا يأبهون كثيرا بما تظنه الجماهير، ويؤمنون إيمانا عميقا أنهم سيلقون المصير نفسه بطريقة أو بأخرى، أو ما وصفه الكتاب بـ "Players are damned if they do and damned if they don’t". أصلا مؤلف الكتاب ذاته كان يحكي أنه لا يقرأ الصحف إلا إذا أجاد فقط، لأن هذا يرفع ثقته بنفسه، وكان ينصح اللاعبين الشباب في بداية طريقهم بالأمر نفسه، لأنه رأى الكثير منهم يتحطم نفسيا ومعنويا بسبب تعليقات الجماهير السلبية على منصات التواصل الاجتماعي. (11)

  

هذه نقطة أخرى في غاية الأهمية؛ نحن لا نهتم كثيرا لأثر التعليقات التي نتركها على صفحات المشاهير رغم أن هناك عددا لا بأس به من الدراسات المعتبرة يؤكد أنها قد تتسبب في قائمة طويلة من الأمراض النفسية، هذا إلى جانب قدرتها على توجيه الجموع لا شعوريا وتغيير وجهة نظرهم إن كان عددها كافيا، بل إن هناك بعض المؤسسات العلمية التي قامت بحجب التعليقات على منشوراتها لأنها رأت أن التعليقات السلبية العشوائية مجهولة المصدر تمنع الجمهور من تلقي المعلومة أصلا ومن ثم تحليلها وتكوين رأيه الخاص. (12) (13)

    

    

إحدى الحجج ذات الوجاهة التي استخدمها المؤلف هي أن أغلب مشجعي الكرة لا يفهمونها فعليا، ولا يضيعون وقتهم في التفكير قبل الحكم على هذا اللاعب أو ذاك. هناك نظرية شهيرة لديفيد دانينغ وجاستن كروغر، الثنائي الحاصل على جائزة نوبل في علم النفس، تقول إن المهارات التي تحتاج إليها لإدراك مدى كفاءتك في نشاط ما هي المهارات ذاتها التي تحتاج إليها لإجادة هذا النشاط بالدرجة نفسها. أي إنك لن تدرك مدى عجزك عن فهم اللعبة ما دمت تعجز عن فهم اللعبة، ولن تفهم صعوبة التعامل مع الجماهير إن لم تتعامل مع الجماهير، والعكس بالعكس. (14)

  

هذا هو ما يؤكده مؤلف آخر هو ريك جيكوسكي في كتابه "مشجع خلف كواليس البريميرليغ" (Staying Up: A Fan Behind The Scenes In Th Premiership). ببساطة، لاعبو الكرة يؤمنون أن النسبة الأعظم من المشجعين حمقى لا أكثر، يحمّلون الأمور أكثر من طاقتها ويعتبرون اللعبة مسألة حياة أو موت، وهذا يجعلهم مثيرين للشفقة أحيانا كما يقول جون سالاكو لاعب كريستال بالاس السابق وأحد محللي سكاي الحاليين. (15) (16) (17)

  

أرض محايدة

المشكلة الأولى أن نظرية دانينغ وكروغر ليست نهاية المطاف، ولا يمكن اعتبارها حُجة مطلقة لحرمان المشجعين من الإدلاء برأيهم في أمر شعبوي عام ككرة القدم، ببساطة لأنها تنطبق على الجميع لا الجماهير وحسب؛ أيضا المدرب/اللاعب/رئيس النادي السيئ لن يدرك مدى سوئه، ولو كان قادرا على هذه الدرجة من التمييز لما كان سيئا بالمقام الأول.

   

هناك أمل بأن يتفهم الناس أن صلاح، قد يكون مرهقا وراغبا في الراحة بعد موسم شاق، وأنه قد يرفض التصوير أو الخروج للجماهير لأنه يريد قضاء أطول وقت ممكن مع عائلته

رويترز
  

المشكلة الثانية أن نظرية ضريبة الشهرة المعتادة ليست أكثر من محاولة لتكريس الواقع الحاصل بالفعل، محاولة لإبقاء الوضع على ما هو عليه دون استعداد لنقده ومواجهته بمشكلاته وعيوبه، أي إن كل ما تقوم به الجماهير سيصبح معتادا مع الوقت، وسيسهل تفسيره بالعواطف سواء كان التجمهر عند منزل صلاح لإجباره على الخروج أو اعتباره نذلا متعاليا لأنه لم يفعل.

  

طبعا هناك استثناءات تثبت القاعدة، ولكن في العموم، الأمر أشبه بدائرة مفرغة؛ الجمهور ينفق أموالا مبالغا فيها ثم يعاقب اللاعبين لأنهم يتقاضون أموالا مبالغا فيها. هذه مأساة مرشحة للاستمرار إلى الأبد، والمشكلة أن الأمر لا يسترعي انتباهنا إلا عندما يتعرض أحدهم للعنصرية مثلا، وفي بعض الأحيان لا نهتم حتى حينها، لأن الحقيقة المؤسفة أن أغلبنا يعتبر كل ذلك من متطلبات الوظيفة.

  

هناك أرض محايدة يمكن للجميع الوقوف عليها طبعا، صحيح أنها لا تتوافق مع كل الغرور والتطرف الذي تنضح به المدرجات وغرف خلع الملابس، ولكنها موجودة وقابلة للتحقق ولو على نطاق بسيط. هناك أمل بأن يتفهم الناس أن صلاح -أو غيره-، قد يكون مرهقا وراغبا في الراحة بعد موسم شاق، وأنه قد يرفض التصوير أو الخروج للجماهير لأنه يريد قضاء أطول وقت ممكن مع عائلته قبل الانطلاق في موسم آخر بعيدا عنهم، وأن الأموال الطائلة قد تفشل في علاج الآلام النفسية التي تتركها التعليقات العنصرية على صفحة ساديو ماني، وأنه إن كانت المشكلة في الشهرة والأموال الطائلة والتأييد الأعمى الذي يناله صلاح وغيره، فإن هذا لا يستوجب معاملتهم بالتطرف نفسه في المقابل عندما يخطئون أو يخفقون، بل في الحقيقة يستوجب أن تراجع الجماهير نفسها قبل أن تمنح النجوم كل ذلك، وأن تدرك أنها لم ولن تكون محقة دائما.

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار