انضم إلينا
اغلاق
سيرة ميسي الرقمية.. كيف بدأت رحلة الأسطورة؟

سيرة ميسي الرقمية.. كيف بدأت رحلة الأسطورة؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

نحن متأسفون جدا، غالبا أنت هنا لأنك تحب ميسّي، أو تكرهه، لا نملك وسيلة للتأكد، ونحن هنا لأننا سنستغل مشاعرك تجاهه، وسندفعك لقراءة عدد من التقارير الطويلة التي تحتاج إلى الكثير من التركيز، والتي تحتوي على أرقام وتعريفات ومصطلحات ستصيبك بالصداع، لكنه صداع حميد، تماما كالذي يصيبك به ميسي عادة كل أسبوع. لماذا ستقرؤها؟ لأن ما سَيَرِد فيها سيصبح حديث العالم خلال أيام وستقرؤه عاجلا أو آجلا، نحن فقط نمنحك الفرصة لتكون من الأوائل.


السبب خلف كل ذلك أن مجموعة من المحللين في "StatsBomb" قرروا منحنا في موقع "ميدان"، إلى جانب عدة مواقع صحفية عالمية، أفضل هدية ممكنة قبل انطلاق الدوريات، والذين رأوا أن مسيرة ميسي تحتاج إلى توثيق، ومن ثم أطلقوا مشروعا بعنوان "Messi Data Biography" أو "سيرة ميسي الرقمية".(1)
      


عادوا لكل مبارياته منذ أول لمسة رسمية في الليغا أمام ألباسيتي، وقرروا أن يمنحونا الفرصة لمشاهدتها بأعين اليوم، بإحصائيات كمّية ونوعية لم تكن متداولة آنذاك، لذا فإن كنت تعتقد أنك قد رأيت ميسي يلعب فلربما تغير رأيك خلال دقائق.
  

هذا المشروع ينقسم إلى 4 فترات رئيسية في حياة البولغا؛ الأولى والتي سنتعرض لها هذه المرة هي سنوات رايكارد وحقبة ما قبل غوارديولا، والفترات الثلاثة الباقية يمكن استنتاجها بالبديهة؛ سنوات بيب، ثم الانفجار الثاني مع إنريكي، وأخيرا حقبة الثلاثينيات من عمر البرغوث.
  

مقدمة طويلة لا بد منها

طبعا أول سؤال سيطرأ في ذهنك سيكون عن سبب الحاجة إلى كل ذلك، ميسي لاعب رائع وأسطوري ولا نحتاج إلى مئة جدول مزدحم بالأرقام لندرك ذلك. إن كان هذا شعورك فننصح بمغادرة الصفحة قبل أن تتعقد الأمور. هذه ليست خدعة لإغرائك بالاستمرار. هذا المشروع يستهدف الشغوفين بالتحليل و"StatsBomb" يقدم لهم إحصائيات تُضاهي ما يتم تقديمه للأندية المحترفة، لو طلب غوارديولا نفسه تحليلا مشابها غدا، فسيحصل على الدرجة ذاتها من التفاصيل التي ستحصل عليها الآن، في الواقع، "StatsBomb" يقدم درجة عالية من التفاصيل التي يمكن الحصول عليها عموما فيما يخص إحصائيات كرة القدم.

المُبهر في القصة أنها إحصائيات تُنشر لأول مرة على الإطلاق. طبعا هذا أمر غريب بحد ذاته كون الفكرة لم تخطر على بال أحدهم من قبل، ولكن المهم أنك ستطّلع على جزء من مسيرة ميسّي لم يشاهده أحد من قبل، أو بالأحرى لم يشاهده أحد منّا من قبل، نحن الجالسون في المدرجات وخلف الشاشات، حيث أقصى ما يمكن الحصول عليه هو إحصائيات التهديف والتمريرات الحاسمة والمراوغات والاعتراضات.

هذه الفرصة تستدعي التنويه بعدة أمور مهمة، أولها هو الكليشيه العابر للأزمان الصحيح دائما وأبدا؛ كرة القدم لا يمكن اختزالها في خانات وأرقام وإحصائيات، لا مع ميسي ولا غيره، وحتى نصل للعصر الذي توقع فيه أرسين فينغر أن تُستبدل الماكينات بالمدربين فستظل تلك العبارة صالحة للاستخدام. نحن نؤمن بذلك، ومحللو "StatsBomb" يؤمنون بذلك، وقطعا أنت أيضا تؤمن بذلك، وإلا لما كنت هنا الآن. (2)
  


الأرقام بلا سياق واضح هي أحد أسخف الأشياء في هذا العالم، ولتدرك مدى سخافتها عليك أن تتذكر وزير النقل الذي يقارن بين سعر تذكرة المترو في مصر وإنجلترا، أو وزير الاقتصاد الذي يخبرك بمعدلات نمو لا تؤثر على حياتك اليومية، أو وزير البترول الذي يطالبك بأن تبتاع الوقود بالسعر العالمي.

كل هذا حدث لأن أحدهم قرر أن يُخرج رقما ما من سياقه، وعندما يتكرر أمر مشابه في كرة القدم تكون النتائج مماثلة من حيث التضليل، وأفضل ما يمكن أن يحدث حينها هو أن تحصل على إحصائيات عديمة الفائدة لا تستحقها كرة القدم، بل ولا يستحق مروجوها أن يشاهدوا كرة القدم كما وصفهم مايكل موروتزي في غارديان منذ سنوات. (3)

ما فعله فريق "StatsBomb" هو محاولة جادة لتعريف السياق من خلال الأرقام عن طريق إحصائيات تقيس الجودة إلى جانب الكم، وهذا ما يميز هذا المشروع عن المحتوى التقليدي الذي تلقيه المواقع عادة في وجه المشجعين لإشعال المشاحنات وجلب التفاعل. هذه محاولة صادقة للتعرف على مسيرة ميسي بشكل تفصيلي، بلا تلميحات أو مقارنات. صحيح لن تغنيك عن المشاهدة طبعا، ولكنّ الكثيرين يؤمنون أن مسيرة ميسي تستحق ما هو أكثر من المشاهدة، ونحن منهم.

تذكّر الاسم

الموسم الأول والمباراة الأولى وهدف ألباسيتي، كلها مشاهد مألوفة يمكن تجاوزها، خاصة أن تطورها كان سريعا للغاية، رونالدينيو يصنع وميسي يسجل ثم يقفز على ظهره في اللقطة التي ستعيش للأبد. وقتها كان شغف البرازيلي لا يزال حيا. كانت الحياة وردية وكل شيء يعد بسنوات طويلة تحت قيادة غاوتشو، ولكن غاوتشو قرر إسعاد نفسه وإحباط الجميع، بما فيهم ميسي الذي ربما كان يتوقع أن يحمله على ظهره لفترة أطول.

   

هدف ألباسيتي أول أهداف ميسي الرسمية  (StatsBomb)







    

يحكي ميسي أنه كان محبطا للغاية عندما منعته الإصابة من المشاركة في نهائي دوري الأبطال في الموسم التالي 2006، لدرجة أنه لم يكن يرغب حتى في الاحتفال عقب تحقيق اللقب، ولكن كان رونالدينيو هو من منحه الكأس ليلتقط معها الصور، ولاحقا ندم الأرجنتيني أنه لم يستمتع بالنصر مثل الباقين. (4)

رونالدينيو في الملعب ورايكارد على الخط، هذه كانت الموجة الأولى من الثورة في برشلونة. ميسي يعتقد أن الفضل في تغيير هذا النادي يعود لغاوتشو أولا، هو من قادهم للفوز في الكلاسيكو بعد غياب، وهو من أعادهم للدوري ودوري الأبطال، جنبا إلى جنب مع كرة رايكارد المتمهّلة السهلة، وفي هذه الفترة لم ينل الأرجنتيني الكثير من دقائق اللعب إذا قارنّاه بباقي الأساسيين، ولكنه تمكّن من زيادة حصيلته إلى 912 دقيقة من 17 مباراة في الليغا خلال موسم 2005-2006 بعد 75 دقيقة فقط في موسم انطلاقته.

مشاركات ميسي خلال أول موسمين – المصدر StatsBomb


   

   

ليس هناك الكثير مما يمكن قوله عن أول موسمين، باستثناء أن الرجل فاق التوقعات من اللحظة الأولى، ليس فقط لأن مشاهدته أكدت ذلك، ولكن لأن قدرته على إنهاء الفرص كانت باهرة بالنسبة لجناح في عمره. أنت تعرف القالب المعتاد للأجنحة؛ الركض والمراوغة يستنزفان جهد الأغلبية منهم، وهذا يجعل احتمالات إهدار الفرص أعلى من المرابطين داخل المنطقة بانتظار العرضية أو البينية.

فقط ميسي كان مختلفا. أغلب الأجنحة تشعر براحة أكبر بالقرب من الخط وكأنهم في بيئتهم الطبيعية، ولكنه كان يُظهِر الأريحية نفسها التي يظهرها لاعب بحجم رونالدينيو عندما يتوغل للعمق، واتقاد الذهن والتركيز نفسه أمام الفرص السانحة للتسجيل والثقة في التعامل مع الكرة، لدرجة أنه سجل أكثر مما توقعته خوارزميات الأهداف المتوقعة أو "Expected Goals – Xg" منذ لحظته الأولى في الملعب.

 الأهداف المتوقعة لميسي في أول موسمين وتقييم الفرص التي أتيحت له، لون العلامة يعبر عن مدى سهولة الفرصة (statsbomb)





         

   

هذه واحدة من الإحصائيات الحصرية في هذا المشروع، ببساطة لأنها حديثة العهد ولم تكن متاحة آنذاك. الأهداف المتوقعة (Expected Goals) أو (Xg) اختصارا هي خوارزمية تقيس قابلية الفرص للتحول إلى أهداف عن طريق عدة معطيات مثل وضعية جسم اللاعب وجودة التمريرة التي تسبق الفرصة وقرب المدافعين ودرجة الرقابة إلخ، وفي هذين الموسمين أظهر ميسي قدرة استثنائية على توجيه الكرة من الزوايا الصعبة والفرص عسيرة التسجيل، وكأنه هداف ناضج مخضرم، فقط هو أسرع وأمهر. (5)

حتى هذه اللحظة لم يكن ميسي قد أصبح ميسي بعد، ليس أكثر من موهبة ضخمة يتوقع لها الجميع النجاح، بل إن أغلب أقرانه في هذا التصنيف آنذاك مثل روبينيو ورونالدو وروني وروبن كانوا يفوقونه خبرة وإنجازا، ولكن جناحات الفراشة كانت على وشك الحركة في آخر مكان تتوقعه.

انسَ الاسم

فولدشتاديون، فرانكفورت، ألمانيا، مونديال 2006. زيدان يقدم عرضا أشبه بالسيمفونية أمام ما كان يُفترض أن يكون النسخة الأكثر فتكا من البرازيل، وبإسهامات رائعة من هنري وريبيري ومالودا ينجح في إرسالهم إلى منازلهم مبكرا.
  

قبل البطولة، أطلقت نايكي راعي السيليساو حملة بعنوان "Joga Bonito" أو اللعبة الجميلة، كانت امتدادا لأخرى باسم مشابه في برشلونة حملت اسم وصورة رونالدينيو. هذه الحملة تضمنت أسماء الرباعي الهجومي البرازيلي؛ أدريانو ورونالدو وكاكا وطبعا غاوتشو، ولكنهم اكتفوا مجتمعين بستة أهداف في خمس مباريات وأداء مخيب للغاية أمام فرنسا زيزو. (6)

حقيقة نحن لا نعلم أيهما بدأ أولا، انحدار رونالدينيو من الاحتراف للهواية، أم الفشل في هذا المونديال بعد موسم عظيم في كتالونيا. لا نعلم أيهما أطلق شرارة الآخر. المهم أن حملة الـ "Joga Bonito" صارت مثار سخرية عالمية، وليلة عودة المنتخب من رحلة المونديال قام بعض البرازيليين الغاضبين بتحطيم تمثال رونالدينيو الذي شُيد بعد فوزه بجائزة أفضل لاعب في العالم عام 2004.
  

بمجرد عودته إلى برشلونة، اصطحب رونالدينيو زميله أدريانو لنسيان الأحزان بالطريقة الوحيدة التي يعرفها لنسيان الأحزان. السهرة استمرت حتى الصباح وبعض الصحفيين تمكّنوا من التقاط الصور ليرتفع الغضب في البرازيل إلى مستويات غير مسبوقة. اللعبة الجميلة لم تعد أكبر المشكلات الآن، نحن أمام لاعبين لا يشعرون بالذنب أصلا. (6)

في البطولة نفسها، وعلى ملعب آخر، كانت الأرجنتين تتلقى إحباطا جديدا معتادا على يد الألمان، إحدى أكثر نسخ الألمان تواضعا للدقة. وبعد مباراة تسيّدتها طولا وعرضا بقيادة مايسترو آخر هو ريكيلمي، وبعد أداء قد يكون الأروع في تاريخ الألبي سيليستي في أي بطولة رسمية، ولكن فقط تغيير واحد خاطئ من بيكرمان نسف كل شيء، وشاهد ميسي منتخب بلاده يخرج مجددا على يد المانشافت دون حتى أن يُمنح الفرصة للمشاركة.
  

كل هذا الإحباط عاد إلى برشلونة وتسرب إلى غرفة الملابس والتدريبات والمباريات. نظريا، حقق رونالدينيو أعلى حصيلة تهديفية له في الليغا خلال موسم 2006-2007، بل وأعلى حصيلة تهديفية له في أي دوري عموما، ولكن مساهماته الإجمالية في قيادة الفريق كانت تتراجع بشدة. هذا مثال آخر على نزع الأرقام من سياقها، أي تحليل إحصائي دون مشاهدة سيخبرك أن هذا قد يكون أعظم أو ثاني أعظم مواسم غاوتشو الاحترافية، ولكن في الواقع كان رونالدينيو قد بدأ يسأم حياة الالتزام والمواعيد المحددة للنوم والاستيقاظ. القليل من كرة القدم، المزيد من النسيان.
  

بنهاية الموسم وخسارة الدوري أمام إسبانيول كانت الإهانة أكبر مما يمكن تقبلها للابورتا ورفاقه في مجلس الإدارة، خاصة بعد تعادل ملحمي في الكلاسيكو. رايكارد علم أنهم ينوون استبداله ولكنهم لم يفعلوا لسبب ما، والثورة التي بدأت به على الخط وبرونالدينيو في الملعب كانت في طريقها للنهاية، لتمهد الأجواء لموسم كارثي لم يكن ليخطر على بال أكبر المتشائمين.
  

في تحليل هذه الفترة يصف "Tifo Football" رايكارد بأنه قد تحوّل إلى ميت يمشي على قدمين، لا رغبة ولا شغف ولا طموح. فقد ثقته في نجمه الأول رونالدينيو بعد أن كافأ تساهله معه في الموسم السابق بالمزيد من السهرات الصباحية، لدرجة أنه توقف عن اختياره في التشكيل ولم يستجب. هناك العديد من اللاعبين الذين يتناولون النشويات واللحوم والخمور ويسهرون حتى الصباح خلال الإجازات، ولكن رونالدينيو كان يفعلها ليلة المباراة. (6)
  

أصلا كان الأمر قد بدأ يتضح منذ كلاسيكو 3-3 الشهير. كان أثر ميسي على المباراة أكبر بكثير من رونالدينيو والجميع بدأ يتوقع أن يحل محله في الموسم التالي ولا يمكنك أن تلومهم. "في التاسعة عشرة من عمره ويسجل ثلاثية في ريال مدريد.. ليونيل ميسي تذكروا الاسم" كما يقول المعلق الإنجليزي الذي تحوّلت عبارته إلى أيقونة لاحقا.
    

   

وقتها كتب سِد لو في غارديان عن اللاعب رقم 473 الذي يلقب بمارادونا الجديد بعد الحمار الصغير أورتيغا والأرنب سافيولا والمهرج أيمار، في إشارة لهوس الأرجنتين بالعثور على دييغو آخر، ولكن هذا الرجل كان مختلفا فعلا. (7)

الحقيقة أن هذا لم يكن أكثر من انطباع جماهيري معتاد، يطلقه الجميع على بعض اللاعبين حينما يتوهّجون بشدة في مباريات مثل الكلاسيكو. طبعا تسجيل ثلاثية في الغريم، منها هدف والفريق منقوص، هو إنجاز خرافي للاعب لم يبلغ العشرين من عمره بعد، خاصة إنها كانت الثلاثية الأولى في الكلاسيكو منذ 12 عاما، ولكن ميسي كان مختلفا عمن سبقوه لأسباب أخرى أهم، أسباب كانت قد لاحت بوادرها ولكن لم يكن تطورها قد اكتمل بعد. صحيح أنه سجل 14 هدفا في الليغا، وهي حصيلة رائعة لجناح في عمره، ولكن هذه الأهداف لم تكن سوى قمة الجبل الجليدي.
  

قبل أن نكمل علينا أن نشرح لك كيف كان رايكارد ينصب الفريق، وهي طريقة شبيهة بما طبّقه غوارديولا لاحقا في العديد من المباريات كون المصدر الأصلي لكل هذه الأفكار شخصا واحدا؛ خط الدفاع مُجهز من البداية ليتحوّل إلى ثلاثي صريح بوجود أوليغير (قلب دفاع في الأصل) على اليمين، وهذا يبدأ سلسلة من التحركات المتتالية يترتب عليها مزيد من الحرية لسيلفينيو على اليسار، وكل هذا لأجل هدف رئيس هو تحرير رونالدينيو من الخط الذي يشغله سيلفينيو بصعوده، وبالتبعية يتحوّل غاوتشو للعمق خلف ثنائية إيتو وميسي اللذين يتحركان قطريا لتشتيت دفاع الخصم. هذه المنظومة هي ما منح ديكو أدوارا مضاعفة في موسم 2006-2007 ومنها بدأت رحلة تهميش تشافي التي وصلت لذروتها قبل قدوم بيب مباشرة.
  

رونالدينيو كـ10 وإيتو وميسي في أدوار أقرب للمهاجمين، هذه هي منظومة 2006-2007 التي منحت ميسي فرصة للتحرك أمام الكرة وتلقي البينيات بينما يبقى غاوتشو خلفها ويرسل هذه البينيات. في الواقع، هدف البرغوث الثالث الشهير في كلاسيكو 3-3 هو تجسيد عملي لهذا النمط من التحركات؛ البرازيلي يتحرك قطريا تجاه العمق ثم يمرر لغوديانسين الذي يتمركز على الجهة المقابلة من منطقة الجزاء، وفي منتصف الطريق يقطع ميسي قطريا بدوره ليعترض البينية منطلقا للجهة العكسية، ثم يراوغ هيليغويرا ويسدد في أقصى المرمى.

    

هدف ميسي الثالث في كلاسيكو مارس/آذار 2007 (statsbomb)


   

بعد القطيعة بين رايكارد ورونالدينيو في الموسم التالي بدأ إنييستا يقتحم التشكيل الأساسي في المركز نفسه، وبينما كان يتأقلم على أدواره الجديدة قرر ميسي أن الوقت قد حان لتحمّل المسؤولية، في أصعب الفترات، ومع مدرب ينتظر الإقالة، وفريق يفوز بنصف مبارياته في الليغا فقط ويخسر بالأربعة في الكلاسيكو ويتأهل لدوري الأبطال بالكاد كثالث خلف ريال مدريد وفياريال بيلّيغريني.
  

ما سنقصه الآن، أو ما ستقصه إحصائيات "StatsBomb" بالأحرى، قد يمنحك زاوية جديدة كليا للنظر إلى هذا الموسم. الموسم الذي سبق تولي غوارديولا ولا يحب أحد أن يتذكره.
  

أصدقاء السوء

في كتابه "برشلونة: صناعة أعظم فريق في العالم"، يحكي غراهام هنتر، أحد الصحفيين المقربين من الإدارة آنذاك، أنه قبيل مجيء بيب كان رونالدينيو قد نجح في جذب ديكو لنمط الحياة نفسه، وأن الثنائي كانا أقرب أصدقاء ميسي في غرفة الملابس، وبعد فترة من الإصابات المتتالية اكتشفوا أن نوعية الطعام الذي دأب عليه الثنائي البرازيلي قد تسرب لرفيقهما الأرجنتيني؛ اللحوم الحمراء والنشويات بكميات ضخمة. (8)
  

الخطوة التالية كانت أن يتسرب له ما تبقى من نمط حياة البرازيليين، الثنائي كان يعامله كأنه جزء من عائلتهما ولم تكن إلا مسألة وقت حتى يحدث ذلك، وهنا كان على تشيكي برغستين وفِرّان سوريانو أن يوقفا الأمر عند حده؛ رونالدينيو وديكو عليهم الرحيل لأن الفريق لن يتحمل خسارة ثلاثة لاعبين كبار دفعة واحدة، لن يتحمل أن يخسر مستقبله بعد أن خسر حاضره، خاصة أن ديكو الذي كان أحد نجوم برشلونة في 2006-2007 قد أصابته متلازمة غاوتشو رفيق سهراته نفسها؛ أصبح أقل إنتاجا وأثقل وزنا وأكثر تعرضا للإصابات وأضعف قدرة على التعافي.

للمرة الثانية في 6 سنوات فقط أنقذ برشلونة ميسي من النسيان، واستثمر أموالا ضخمة في جلب المعدين البدنيين وأخصائيي التغذية ورعاية صحته الجسدية والنفسية، وفي الموسم نفسه كافأهم ميسي بتغيير أدواره كليا لسد العجز في الصفوف بعد انتحار ديكو ورونالدينيو كرويا، وخسارة الفريق لأهم صُنّاع لعبه في حقبة رايكارد. (8)

هذا كله يظهره عدد من الإحصائيات الحصرية التي يقدمها مشروع سيرة ميسي. طبعا يمكنك ملاحظة الأمر من الحقيقة الرقمية الساطعة التي تقول إنه نجح في صناعة 12 هدفا في الليغا خلال موسم 2007-2008 مقابل 2 فقط في الموسم السابق، ولكن الإحصائيات التفصيلية تؤكد أن هذا الرقم لم يكن عبثيا، وأننا لم نكن نشاهد جناحا تقليديا يعتمد على العرضيات (حتى الأرضي منها) لوضع المهاجمين أمام المرمى، بل صانع لعب حقيقي ينتظر فرصة للانفجار، صانع لعب يكسر النمط المعتاد للاعب الكسول قليل الجهد بآخر سريع مفرط الحركة وطلب الكرة، يبحث دائما عن طريقة لنقل الفريق بضعة أمتار للأمام.
  

أولى هذه الإحصائيات التفصيلية هو معدل الأهداف المتوقعة من الفرص التي يصنعها ميسي من لعب مفتوح في المباراة الواحدة (Open Play Xg Assisted Per 90 Mins). اسمها وحده قد يصيبك بالصداع ولكنها بسيطة في مضمونها؛ ميسي يمرر لزملائه، وبعض هذه التمريرات تصنع فرصا للتسجيل، والإحصائية دورها قياس عدد الأهداف التي يمكن تسجيلها من هذه الفرص خلال 90 دقيقة بناء على جودتها، وبغض النظر عن كونها سُجلت فعلا أم لا.

    

       


    

   


  

يمكنك هنا أن تلاحظ التطور التدريجي في هذه الإحصائية من 2005-2006 حتى 2007-2008. الحقيقة أن تطور ميسي الذي شهدناه لاحقا لصانع لعب أسطوري إلى جانب قدراته التهديفية الخارقة كان قد بدأ قبل مجيء بيب، وبشكل فطري تماما نابع من أسلوب لعبه. آلان شيرر كان يقول إنه دأب على اللعب في وسط الملعب في مراحل الناشئين لأنه كان يجد وظيفة المهاجم مملة للغاية كونه لا يشترك في اللعب بالشكل الكافي، وهناك العديد من علامات خط الوسط في تاريخ اللعبة بدأوا مسيرتهم كمهاجمين، أبرزهم بيرلو وسكولز على سبيل المثال، وما فعله ميسي من 2005 إلى 2008 يؤكد هذه النظرية بدرجة ما. (9) (10)
  

في الواقع، ما كشفته لنا هذه الإحصائيات يؤكد أن ما قام به ميسي لاحقا مع إنريكي وفالفيردي لم يكن "تطورا" كما أسميناه. لقد كان "متطورا" بالفعل من قبلها بزمن، واستجابته للمتغيرات كتغيّر نوعية اللاعبين في الوسط حينها لم يكن إلا تكرارا لما فعله في بداية مسيرته عندما تراجع الفريق ككل. التاريخ كان يعيد نفسه ولكننا لم ننتبه في المرة الأولى لأنها تزامنت مع موسم بالغ السوء، وعندما أتى غوارديولا وبدأت الأمور تتغير كان من الصعب ألا ينسب له الفضل في كل شيء، حتى رغم نفيه هو الشخصي المتكرر. الجمهور لم يقدر عبقرية ميسي المبكرة بالشكل الكافي إلا عندما دعمتها إبداعات تشافي وإنييستا وستة ألقاب في موسم واحد، فقط لأن الأهداف لم تصاحبها في البداية.
  

صداع

الصورة تكتمل بالنظر لباقي الإحصائيات؛ بين 2007 و2008 ارتفعت نسبة التمريرات البينية لما يفوق الضعف من 0.47 إلى 1.33 في المباراة الواحدة، وعدد التمريرات الأمامية في الثلث الأخير من 19 إلى 21، وعدد الكرات الطولية من 1.16 إلى 1.46، وعدد التوغلات العميقة من وسط الملعب للثلث الأخير من 6.94 إلى 9.15! بالإضافة إلى زيادة عدد التمريرات من خارج الصندوق لداخله من 1.64 إلى 2.58، مع التنويه بأن العرضيات لم تتجاوز 8% من الفرص التي صنعها ميسي من خارج الصندوق! وبالتبعية زادت عدد الأخطاء المرتكبة ضده من 3.54 إلى 4.64.
  

كل هذا كان يتم مع معدل مراوغات يصفه محللو "StatsBomb" بأنه استثنائي وغير مسبوق، نحن نتحدث عن لاعب كان يكمل 7.4 مراوغة ناجحة في المباراة الواحدة طيلة المواسم الثلاث الأولى، وخلال هذه الفترة نجح في كسر الرقم القياسي المسجل باسم رونالدينيو (9 مراوغات) عندما تمكّن، في مناسبتين، من المرور من لاعبي الخصم 11 و18 مرة! وفي الموسم الأخير 2007-2008 ارتفع المعدل لـ 8.4 مراوغة في المباراة الواحدة! لكي تدرك حجم هذا الرقم فعليك أن تعلم أنه لا يوجد لاعب واحد في الدوريات الخمس الكبرى قد نجح في تجاوز معدل 6.3 مراوغة في المباراة خلال الموسمين الأخيرين.
  

المثير أيضا خلال هذه الفترة هو مردود ميسي الدفاعي الرائع والمنتظم، والذي مال ناحية تدخلات أقل بنهاية فترة رايكارد، ولكنها أكثر ذكاء وفاعلية، حيث تراجع معدل الالتحامات (Tackles) من 1.64 إلى 1.2 ولكن في الوقت ذاته تضاعف معدل الاعتراضات (Interceptions) من 0.35 إلى 0.69، وبالطبع تسبّبت أدواره الجديدة خلال فوضى 2008 في بُعده عن المرمى وأهداف متوقعة أقل من تسديداته كونها اتخذت من مسافات بعيدة وفي ملابسات صعبة.

          

أفعال ميسي الدفاعية وطريقة تطورها عبر المواسم الثلاث الأخيرة لرايكارد  (statsbomb)

     

    


     

لاحظ الفرق بين الفرص التي أتيحت لميسي في موسم 2006-2007 وبين تلك التي أتيحت له في 2007-2008، لون العلامة يدل على جودة الفرصة  (statsbomb)

   

        

هذا التحول الضخم، والذي قام به ميسي بشكل تلقائي وعفوي تماما استجابة للمستجدات خلال موسم كارثي، كان وما زال معبرا عن واحدة من أكثر مزاياه أهمية وتجاهلا من قِبل الإعلام في الوقت ذاته؛ قوته، لا بمعناها المجرد وحسب، ولكن قوته على المستوى الشخصي من جهة، وقوته البدنية من حيث التحمل من جهة أخرى، والتي لم ينتبه لها الكثيرون لحين صدور فيلم "الرجل الكلب" الشهير. (11)
  

خلال هذا الموسم، وعكس كل المعطيات والظروف، أثبت ميسي أنه قادر على أن يكون نجم برشلونة فعلا، وأن النجومية في أوقات كتلك لا تُقاس بالأهداف فقط. الأسطورة تقول إن اللاعبين العظام يقدمون أفضل عروضهم تحت الضغط، وفي أغلب الأوقات يختصر الجمهور "أفضل عروضهم" في التسجيل. هذه المعضلة أضرت بميسي كثيرا خلال مسيرته، وهذا ما يجعل شهادة سكولز عن مواجهته في 2008 مهمة للغاية.
  

مرّ من هنا

في الطريق إلى الثلاثية الثالثة حل برشلونة ضيفا على مانشستر سيتي في المباراة التي عُرّفت لاحقا بتصريح كومباني الشهير عن كون مباراة ستوك أكثر أهمية من مواجهة برشلونة، وقبلها بأسبوع قرر سكولز أن يمنح غريم المدينة بعض النصائح حول مواجهة أفضل لاعب في العالم، على الأقل من وجهة نظره. (12)
  

البداية مع مواجهة 2008، وطبقا لسكولز الذي كان اسمه يُخلد في لاماسيا كأحد أباطرة التمرير في العالم، فإن فيرغسون كان قد قام بتدريبهم لأسبوع كامل على ما سيفعلونه أمام برشلونة، كيف سيتحركون وأين سيتمركزون عند كل لحظة وكل موقف وكيف تتغير مواقعهم طبقا للمستحوذ على الكرة من الكتلان. أعلى درجة من التركيز شاهدها سكولز خلال 20 موسما كمحترف مع مانشستر يونايتد.
  

في هذا الموسم، 2007-2008، كان ميسي مشكلة كبرى بالنسبة لفيرغسون، ولكنه لم يرد أن يزرع الخوف في فريقه، لذا قرر أنه لن يعين من يراقبه وسيطلب من اللاعبين أن يتابعه اللاعب الأقرب. فيرغسون كان يركز على كيفية استغلال ثغرات برشلونة أكثر من سد ثغرات فريقه، وبعد أن سجل سكولز نفسه أحد أروع أهدافه على الإطلاق في لقاء العودة، وقعت اللقطة التي افتتح بها مقاله؛ ميسي واجهه في موقف 1 على 1، ورغم أنه كان يعلم ما سيفعله بالضبط فإنه نجح في مغافلته والمرور منه. هذه ليست المشكلة، المشكلة أن اللعبة كانت في منطقة جزاء يونايتد، والمشكلة الأكبر أن سكولز عرقله، وبعدها قام متوقعا صافرة الحكم لتعلن ركلة الجزاء التي سترسل برشلونة للنهائي بدلا من يونايتد.
  

"لن أنسى هذه اللحظة أبدا. لقد مرّ مني، مددت ساقي ووقع والنتيجة 1-0 لنا. عرقلته في منطقتنا وركلة الجزاء هذه كانت لترسلهم للنهائي مباشرة لأن المباراة في أولد ترافورد، ولكن لحسن حظي لم يرها الحكم". (12)

يقول سكولز إنه رغم كل الضجيج والصيت والتفضيل الذي يحظى به ميسي فإن هناك بضعة أمور لا يحصل فيها ميسي على التقدير الكافي. بالمناسبة هذه العبارة تحديدا استخدمها شون إنغل في مقال آخر بالغارديان يؤكد فيه أن ميسي لن يحصل على التقدير الكافي إلا بعد اعتزاله ويضرب مثالا بالبيتلز. (13)

المهم أن سكولز قال إنه من ضمن هذه الأمور أشياء لا تدركها إلا عندما تواجهه في الملعب؛ أولها أنه لا يتحدث مطلقا، سكولز لم يسمعه يقول كلمة واحدة طيلة المباراة حتى عندما عرقله في منطقة الجزاء. ميسي كان يُلقّب بـ "الصامت" (El Mudo) أثناء لعبه في فريق برشلونة الثاني. ثانيها هو أنه قوي بشكل غير متوقع. للدقة، كانت العبارة التي استخدمها سكولز هي أنه "قوي جدا بالنسبة لرجل في حجمه، ولا يمكن إيقاعه بسهولة أبدا، ولا يظهر إحباطه وغضبه لزملائه نهائيا".
  

الجزء الأول ينتهي هنا، والتقرير القادم سيحمل الحديث عن حقبة غوارديولا، أو ما أسماه سكولز بـ"انتقام ميسي".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار