انضم إلينا
اغلاق
سيرة ميسي الرقمية.. سنوات الانفجار العظيم

سيرة ميسي الرقمية.. سنوات الانفجار العظيم

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

"نعم، الملاعب الآن أفضل بكثير، كذلك الحماية المتوفرة للاعبين من الالتحامات الخشنة، لا مقارنة بين هذا الوقت وزمني وزمن مارادونا، ولكن يمكنك قول العكس عن لياقة اللاعبين البدنية أيضا، المدافعون الآن أصبحوا كالعدّائين، أي مدافع يستطيع الركض بسرعة أكبر بكثير، وميسي يغافلهم، يراوغهم فيفقدون توازنهم ويسقطون. يفعل ذلك أسبوعيا وبكل سهولة ومع أفضل المدافعين الموجودين في العالم الآن.. بالنسبة لي هو أفضل لاعب كرة قدم على الإطلاق"

(غرايم سونيس، قائد فريق ليفربول الذهبي في الثمانينيات، في أعقاب نهائي دوري أبطال 2011) (1)


أهلا بكم، هذا هو الجزء الثاني من سيرة ميسي الرقمية لصانعيها "StatsBomb" والذين منحوا موقع ميدان بالإضافة لعدد من المواقع العالمية الأخرى هذه الإحصائيات حصريا ولأول مرة، وكما أسلفنا في الجزء الأول فسيكون هذا التقرير عن حقبة بيب الذهبية. (2)



إن زاد عن حدّه
هذه الفترة تضج بالعناوين، عناوين أكثر مما يمكن استيعابه، ربما حتى أهم أبطالها لا يدركون كم التفاصيل التي استخرجتها الصحافة من هذه السنوات الأربع. وهذه هي المشكلة الأولى في حقبة بيب؛ كونها مثالا واضحا على "الشيء إن زاد عن حدّه". ما حدث في هذه الأعوام كان أكثر مما يستطيع الخصوم احتماله، سواء على مستوى طراز كرة القدم ذاته أو على مستوى النتائج والألقاب، وبالطبع التغطية الإعلامية التي لم يحظَ بها أي فريق آخر في التاريخ، وكأن بيب وفريقه كانوا يخرجون ألسنتهم لكل من سبقوهم قبل اختراع الإحصائيات ومنصات التواصل الاجتماعي.

هذا ما يجعل الحديث عن هذه الفترة معضلة ضخمة، ببساطة لأن كل ما يمكن أن يُقال قد قيل أكثر من مرة، ومن كل الأطراف تقريبا، وتم تناوله في نحو 993743847 كتاب وسيرة ذاتية. هذا ما يجعل العثور على تفاصيل جديدة عسيرا للغاية.

رغم ذلك، كان من السهل جدا أن تُعجب ببرشلونة مع بيب، كان من السهل أن تنبهر بهذا العالم، وكان العكس بالسهولة ذاتها أيضا. حينما تصل جودة خصمك للدرجة التي يحرمك فيها من اللعب أساسا فإن كل شيء يصبح صعبا وتتجاوز الهزيمة مجرد مباراة كرة قدم، وإذا أضفت إلى ما سبق المباريات الإضافية التي تُلعب على منصات التواصل الاجتماعي عقب المباريات الفعلية يصبح الأمر أصعب، حيث تتضاعف ردود الأفعال على كل شيء لعدة مرات، والمبالغة وحدها تكون كفيلة بخلق تيارات معادية لأي شيء تقريبا.

برسا بيب لم يكن يمنح الخصوم مباراة عادية يفوز فيها فريق على آخر، بل يضعهم أمام اختيار إجباري بين طرفي العصا، إما أن يقعوا في غرامه ويستسلموا للسحر، وإما أن يكرهوه بجنون ويعلنوا الحرب. الخيارات كانت متطرفة لأن برسا بيب كان متطرفا، وميسي كان أحد أهم الأسباب خلف ذلك.

الآن في الطريق إلى الوهم

إحدى أهم المغالطات الدارجة عن هذه الحقبة هو الظن الشائع بأن ميسي تحوّل إلى مهاجم وهمي بمجرد وصول بيب، بينما في الواقع كان هذا أقرب لعملية تطور طويلة لم تكتمل كليا حتى بداية الموسم الثالث، ولكن بالطبع كان لها بوادرها في البدايات. (3)

في كتابه "Pep Confidential"، يحكي مارتي بيرارناو أن نواة الفكرة الأولى أتت لبيب قبل كلاسيكو 6-2 بيوم واحد فقط لا غير. عادة يقضي بيب اليوم الأخير قبل أي مباراة في مكتبه للإعداد للمواجهة، يحبس نفسه لساعات ويشاهد الفيديوهات التي أعدّها له مساعداه دومينيك تورّيس وكارليس بلانشار وينتظر تدفق الأفكار، فيما يصفه بـ "الوقت الذي يجعل لوظيفته معنى". (4)

برشلونة يتصدر جدول الدوري بفارق 7 نقاط، وريال مدريد لا يملك سوى تقديم أفضل مباريات الموسم لكي يحافظ على أمله في اللقب. المواجهة الأولى في ديسمبر/كانون الأول انتهت بهدفين نظيفين لإيتو وميسي، ولكنّ الوضع مختلف الآن لأننا أصبحنا في مايو/أيار والبعض يتحدث عن ثلاثية محتملة، الثلاثية الأولى في تاريخ برشلونة وأندية إسبانيا عموما.

يمر الوقت على بيب محاولا إيجاد معنى لوظيفته، يوقف الفيديو عدة مرات ويعيد تشغيله، ثم يقرر أن يهاتف ميسي في العاشرة مساء الجمعة 1 مايو/أيار 2009، وفي العاشرة والنصف يدق البرغوث باب مكتبه.

غوتي ودرينتي وغاغو ضغطوا على وسط ملعبه بلا هوادة في المباراة الأولى. لا بأس، ولكن في الوقت ذاته، يميل كانّافارّو وميتزلدر إلى التراجع أمام الثنائيات وتأمين مرمى كاسياس من أعمق نقطة، وهذا طبيعي للغاية كون الأول إيطاليًّا اعتاد الدفاع بهذه الطريقة وكون الثاني ألمانيًّا ثقيل الحركة لا يجيد سباقات السرعة في المساحات، فقط هذا ليس طبيعيا عندما يضغط لاعبو المحور بهذه الكثافة. هذا يترك الكثير من الفراغات بين الخطين، وميسي سيعلم الآن ما سيفعله في هذه الفراغات. (4)

شروق يوم العملية

في اليوم التالي وقبيل المواجهة بساعة واحدة كان بيب ينفرد بتشافي وإنييستا ويخبرهم بأن يمنحوا الكرة لميسي كلما هبط لوسط الملعب بين الخطوط الأفقية لدفاع ريال مدريد ووسطه، ثم أخبر ليو وإيتو أن عليهما تبديل أماكنهما عندما يمنحهما الإشارة أثناء المباراة؛ ميسي سيتسلل للعمق وإيتو سيخرج للطرف الأيمن بدلا منه، وفي الدقيقة العاشرة تم الأمر. ما حدث فعليا أن ريال مدريد سجل بعدها بثلاث دقائق فقط من رأسية لهيغوايين افتتحت النتيجة، ولكن بعدها بأربع دقائق أخرى كان هنري يعادل. خمّن من صنع الهدف؟

في الطريق لهدف برشلونة الأول في كلاسيكو 2 مايو/أيار 2009.

مواقع التواصل 
 

ميتزلدر يتذكر هذا اليوم بدقة؛ يحكي أنه عندما حدث الأمر، تبادل هو وكانّافارّو النظرات غير عالمين بالخطوة الصحيحة لمواجهة التعديل، هل يخرجان لمواجهته تاركين الفراغات خلف ظهرهما أم ينتظران قدومه في وضع أفضلية حيث يصعب تدارك المراوغة؟ ما حدث في هدف هنري أنهما ذهبا للحل الثالث؛ أي تقاسم الحلّين الأول والثاني فيما بينهما، أحدهما سيتأخر، وهو ميتزلدر، بينما يصعد كانّافارّو، ولكن دقة هنري الفائقة من زاوية ضيقة حسمت الأمر.

المفارقة أن المدافع الألماني خرج قبلها بيوم واحد ليؤكد أن الأسلوب الجمالي لا يفوز بالليغا، وبالطبع انتهت المباراة بعد أن سجل ميسي مرتين وصنع في أخرى، ولكن كان هناك مشكلة ضخمة لم ينتبه لها أحد في توابع الانتصار؛ دائرة برتقالية صغيرة عنيدة تحمل اسم إيتو وتُسبّب تكدسا في العمق، الدائرة الوحيدة التي شذّت عن الرسم التكتيكي الموضوع. (5)

 خريطة التحركات ومعدل التمرير بين اللاعبين في كلاسيكو 6-2 – المصدر StatsBomb




الأمر بسيط؛ الكاميروني كان يرى نفسه الأَولى بعرش النجومية بعد رحيل رونالدينيو، وطبعا هذا يتعارض بشدة مع إفساح المجال لميسي في العمق والخروج للطرف. إذا كنت قد شاهدت هنري وهو يتحدث عن المرة التي أخرجه فيها غوارديولا من الملعب بسبب مخالفته للتعليمات فأنت تعلم ما نتحدث هنا، فقط استبدل إيتو بهنري، وتخيل أنها لم تكن مرة وحيدة، بل موسم كامل من العناد فسّره إيتو لاحقا بعبارة واحدة: "ميسي سيكون أعظم لاعب في العالم خلال سنوات، ولكن الآن إيتو هو من يحقق الفوز لهذا الفريق". (6)

طبعا لم يمانع إيتو بعدها اللعب كظهير لـ180 دقيقة أمام برسا بيب مع إنتر مورينيو، ولكن إن كان هناك من يُلام على هذا التحول الغريب إلى جانب إيتو نفسه فهو غوارديولا، الرجل الذي لم يُحسن التعامل مع مهاجم أسطوري مثل الكاميروني من اللحظة الأولى، فيما يمكن اعتباره أولى خطاياه الاحترافية.

زلاتان لا يحبذ

انتهى الموسم كما تعلم، ولكن ثاني الخطايا أتت أسرع مما توقع الجميع. حتى اللحظة لم يكتشف أحد السر خلف هذا التعاقد؛ من المفهوم أن يسعى بيب لاستبدال إيتو بعد موسم من الحرب الضمنية غير المعلنة، ولكن من بين كل مهاجمي العالم كان زلاتان هو أسوأ خيار ممكن. تخيل إيتو ولكن بإحساس أعلى بالذات وكمٍّ أكبر من البهارات يضيفها وكيله مينو رايولا على أي حدث.

في الواقع، لو كان هناك مهاجم وهمي قد شهدته اللعبة قبل ميسي فالأرجح أنه سيكون زلاتان ومن قبله توتّي، صحيح أن السياق التكتيكي كان مختلفا ولكن على المستوى الفردي كان ما حدث متوَقّعا بشدة. أنت لا تفرض أسلوب لعبك على زلاتان، بل العكس هو ما يحدث غالبا. هذه كانت واحدة من مبالغات السويدي القليلة الصحيحة، والنتيجة أنها كلّفته حلم حياته، وكلّفت برشلونة نحو 50 مليون يورو ضاعت هباء، وأخّرت عملية المهاجم الوهمي لسنة إضافية. (7)

هذا الموسم 2009-2010 شهد أقل جودة للفرص التي صنعها ميسي حتى لحظتها. الفرص التي كان يصنعها من لعب مفتوح كانت تُنتج 0.2 هدف متوَقّع فقط في المباراة الواحدة، أي نحو 60% من معدلاته في المواسم السابقة، لأنه بالإضافة إلى تراجع ميسي نسبيا في هذا الموسم، والذي يعد أقل مواسمه في هذه الحقبة حتى على مستوى المنتخب، فإن زلاتان كان ينازعه بوضوح، وحينما لا يفعل فهو لا يتحرك كما ينبغي، والنتيجة؛ مهاجم أسطوري آخر باسم مختلف ولكن التكدس في العمق نفسه، عكس ما أراده غوارديولا بالضبط.

مساهمة كل لاعب في الحصيلة التهديفية للفريق موسم 2009-2010.






معضلة عويصة للغاية؛ الأجنحة التقليدية لا تصلح للمهمة لأنها تُفضّل البقاء خلف الكرة لا أمامها، تصنع وتراوغ بالأساس وتسجل أحيانا، وبيب يحتاج إليها أمام الكرة لتستغل تمريرات ميسي ورؤيته المتفردة. ما كان يحتاج إليه غوارديولا هو مهاجم رائع يستطيع القبول بالدور الثاني، ببساطة لأن أحدا لم يكن ليستطيع أداء الدور الأول بكفاءة ميسي نفسها. طبعا الدور الثاني في برسا بيب يعني أن تسجل مثل النجم الأول في أي فريق آخر، لكن حاول أن تقنع مهاجما كبيرا بتغيير مركزه لأن هناك من هو أفضل منه في الفريق ذاته.

هذا كله ما يمنح فيا مكانة خاصة للغاية في هذه الحقبة، ولولا إصابته البالغة في موسم بيب الأخير لربما استمر مع البرسا لعدة سنوات إضافية بعد رحيله، والحقيقة أن بيب لم ينضج كليا حتى بدأ بالاعتماد على فيا وبيدرو معا، حينها أدرك الحقيقة التي لم يتعلمها برشلونة حتى اللحظة؛ وهي أن الثلاثيات الهجومية المدججة بجنرالات الحرب مثل إيتو وهنري وميسي أو ميسي ونيمار وسواريز لا تعيش أبدا، تمنحك الفاعلية القصوى في موسم أو اثنين وبعدها يصبح انهيارها حتميا، لا بد من لحظة يتساءل فيها أحدهم عن ترتيبه بين الباقين، أو يحاول إثبات أحقيته بموقع أفضل.

الحرب تحتاج إلى الجنود بقدر حاجتها إلى الجنرالات، وبيدرو كان الجندي المثالي في هذه المنظومة، يصنع ويسجل ويتحرك بذكاء خارق لم ينتبه له أحد حتى اللحظة، وكان العنصر الحيوي لأي ثلاثية لأنه يجمع بين متناقضين؛ جهد كبير وسجل تهديفي رائع من جهة، وإنكار للذات وتفانٍ لأجل الفريق من جهة أخرى، وبوجوده كان كل شيء مثاليا وكان كل واحد من الثلاثي يعلم موقعه في سلسلة القيادة.

العين بالعين

ما حدث لاحقا مع قدوم مورينيو كان أسوأ فترة شهدها الكلاسيكو على المستويين الاحترافي والأخلاقي، ولا يوجد طريقة لتجميل الأمر؛ مورينيو كان أحد هؤلاء الذين كرهوا برشلونة بجنون وأعلنوا الحرب. الرجل الذي كان يستعد لتدريب البرسا والاستغناء عن تشافي وإنييستا في أول مواسمه ثم وجد نفسه يخسر السباق لصالح مدرب بلا خبرة على الإطلاق، والأدهى أن عبارته الشهيرة التي قالها للابورتا: "لقد ارتكبت لتوك أكبر خطأ في حياتك"، قد صارت مثار سخرية بعدها، لأن المدرب عديم الخبرة حقق أعظم موسم في تاريخ الأندية معتمدا على الثنائي ذاته الذي كان ينوي مورينيو التخلي عنه. (8)(9)

كم العنف الذي تلقاه ميسي -وباقي لاعبي برشلونة عموما- في الملعب آنذاك لا يُعبّر عنه سوى تصريح بيبي، أحد أهم رجال مورينيو في هذه الفترة، عن الراحة التي شعر بها عندما انتهت ولاية البرتغالي، لأنه جعل ريال مدريد "أكثر فريق مكروه في إسبانيا" بسبب طريقة لعبه وتصريحاته ومعاركه الإعلامية التي لا تنتهي وصولا للحظة الاعتداء المشين على فيانوفا، بل ووصف بيبي كيف تغيرت الأمور كثيرا مع قدوم أنشيلوتي، وتحدث عن "اختلاف نظرة الناس لهم" مع الإيطالي.(10)

كل هذا في الواقع كان نتيجة جانبية للحدث الأهم؛ انفجار البولغا لمستويات غير مسبوقة، وبعد موسمين من الأزمات بسبب تغيير مركزه أصبح كل شيء مُعدًّا لينطلق بلا عوائق. هناك لاعب واحد فقط شهدته اللعبة يمكنك أن تقول إنه سينفجر بعد موسمين حصد فيهما 7 ألقاب وكرتين ذهبيتين وعدة أرقام قياسية، ولكن هذا هو الواقع ببساطة وبلا مبالغة.

طيلة هذه الفترة كان هناك عدة ثوابت قليلة في رسم بيب التكتيكي، وأحدها لم ينل حقه من الإشادة أبدا، بل وفي بعض الأحيان تم تهميش دوره لصالح ثنائية الوسط الأشهر؛ دانييل ألفيش دا سيلفا أحد أفضل الأظهرة الذين شهدتهم اللعبة على الإطلاق، والرجل الذي كان أهم مَنفَذ لميسي على الطرف، وأكثر من تبادل معه التمريرات وأكثر من صنع له أهدافا بشكل مباشر، نحو 21 هدفا حتى نهاية عهد بيب، أي تقريبا ما يعادل حصيلة ما صنعه له تشافي وإنييستا مجتمعين في الفترة ذاتها.

صانعو أهداف ميسي بالترتيب في الفترة ما بين 2004 و2012 – المصدر StatsBomb



إن كنت تتذكر طريقة عمل برسا رايكارد من الجزء الأول فأنت تتذكر أهمية سيلفينيو على اليسار كنقطة تبدأ عندها سلسلة من التحركات المتتالية المترتبة على بعضها البعض؛ رونالدينيو يدخل إلى عمق الملعب وهذا يضع ميسي وإيتو في المساحات أمامه لتلقي البينيات السحرية. مع بيب انعكس الوضع للجهة المقابلة وأصبح ألفيش أهم مفتاح لعب في الخط الخلفي، وأصبح أبيدال هو الظهير الدفاعي الثالث الذي يتأخر لتوفير الحماية، ببساطة لأن موقع النجم الأول للفريق وصانع ألعابه كان على الناحية العكسية من موقع رونالدينيو السابق.

في هذه الفترة لم يكن مصطلح الظهير الوهمي قد ابتُكر بعد، ولكن ألفيش كان أول من انطبق عليه الوصف قبل لام في بايرن ميونيخ. أي ظهير يغطي مساحات ضخمة بالبديهة، ناهيك بواحد يلعب مع برسا بيب، ولكن مساحات ألفيش كانت مختلفة في الشكل، أقرب إلى فراغ مثلث على اليمين يتنوع ما بين شغل الخط صعودا وما بين ملء فراغ تشافي في العمق كلما تقدم، ما بين التحركات خلف الكرة كبادئ للهجمة والتسلل أمامها كصاحب اللمسة الأخيرة وقبل الأخيرة. ظهير يمتلك كل مهارات الخط وأغلب مهارات لاعبي المحور المميزة لبرسا بيب، من قدرة على المراوغة والتخلص من الضغط إلى المساندة الدفاعية الذكية والرؤية والقدرة على التمرير. (11)

لعبة الحمقى

الشاهد من عملية تطور ميسي إلى مهاجم وهمي وألفيش إلى ظهير يحمل الصفة نفسها هو ما وصفه جيمي هاميلتون، أحد محرري "These Football Times"، في مقال بعنوان "بيب غوارديولا ولعبة الحمقى التي لا تنتهي" - (Pep Guardiola and the Unrelenting Game of Fools). (12)

من الوهلة الأولى تُدرك أن هاميلتون ليس واقعا في غرام بيب، ولكنه يملك نظرية مثيرة للاهتمام؛ غوارديولا، مثله كأي مبدع، يتعامل مع الواقع على أنه مجرد احتمال من احتمالات عدة، وأن هناك دائما سيناريو أفضل يمكن الوصول إليه. الرجل يشاهد لاعبيه، يراقبهم، فيرى شيئا ما، ثم يتخيل لو تطور لصورته المثالية ويحاول دفعهم لهذه المنطقة، لمساحة التجربة التي لا تكون مفضلة لأغلبهم، وهو في ذلك يحتال عليهم بخياله، يمنحهم وعودا بلا ضمانات، لذلك يعتبرهم هاميلتون أشبه بالحمقى في العملية كلها.

هاميلتون كتب كلماته في معرض الحديث عن تجربة جون ستونز، والتي لم يعد من الظلم الحكم بفشلها، ولكن إن كانت نظريته تنطبق على لاعب ما في مسيرة بيب التدريبية فهو ميسي، وإن كان هناك تجربة تلي تجربة ميسي في العظمة فهي دانييل ألفيش. ما رآه غوارديولا في الثنائي كان عين الحقيقة، على عكس حالتي ستونز وإبراهيموفيتش اللتين لم تتجاوزا مجرد ضلالات في عقل الرجل لم يرها ولن يراها غيره.

الحالة هنا عن جناح سريع مراوغ بقدرة استثنائية على امتصاص الالتحامات وذهن يسبق الجميع، والأهم؛ دقة تمريرات خرافية وذكاء غير عادي في صناعة الفوضى. كل هذا لم يجتمع للاعب واحد في الوقت ذاته عند هذه السن المبكرة. يمكننا تسويد مجلدات في وصف تمريرات ميسي فقط؛ كيف يتقن دفع الكرة بالقوة المناسبة كل مرة تقريبا، كيف ينتبه لوضعية جسد المهاجم ويراعي قدمه القوية عندما يرسل البينية، كيف يختار أن تمر الكرة على مسافة محددة من قدم المدافع، مسافة مربكة تجعله يتردد ما بين الاندفاع لاعتراضها والمخاطرة بالخروج من اللعبة، أو الصبر ومحاولة محاصرة المهاجم. مشهد المدافع المتردد هو مشهد مألوف في أكثر بينيات ميسي، وهذا التردد يمنح المهاجم ثانية أو اثنتين إضافيتين قد تكونان الفارق بين الهدف والفرصة المهدرة.

هذا هو ما رآه غوارديولا غالبا؛ لاعب هجومي شامل يحمل صفات المهاجمين وصناع اللعب معا بكفاءة متفردة، وكان أول ما طرأ في ذهنه هو السؤال؛ ماذا سيحدث لو وضعناه في عمق المنظومة؟

يحدث 2010-2011، ويحدث 2011-2012، ويحدث أعظم موسم فردي لأي لاعب في تاريخ اللعبة، ويحدث أن تعجز حتى أكثر القوالب الإحصائية تطورا عن احتواء لاعب يبدو وكأنه عدة أساطير تم مزجها معا، ففي هذين الموسمين، وقع ما وصفه محللو "StatsBomb" بـ"ظاهرة لم يشاهدوها من قبل"، ولكي تدرك ما يقصدونه علينا أن نقص عليك قصة قصيرة أولا.

اللحظات الأولى في الوهم

هل تتذكر الرسم المضلع الذي كان يُعبّر عن إمكانيات اللاعب في لعبة "PES: Pro Evolution Soccer"؟ حسنا، "StatsBomb" يمتلكون طريقة مشابهة للتعرف على إحصائيات أي لاعب. يطلقون عليها الرادار، وهذا الرادار يحمل أرقاما متنوعة على حوافه مثل "PES" بالضبط، فقط هو أكثر تعقيدا بمراحل، وبالطبع لا يستطيع استيعاب كل الإحصائيات التي تحدد أداء لاعب كرة القدم، لذا بدأوا في صناعة قوالب مختلفة منه (Templates)، وكل قالب مختص بتقييم واحدة من المهام الرئيسية لأي لاعب كرة قدم، مثلا هناك قالب موحد لصانع اللعب أو الجناح، وقالب آخر للمهاجمين، وثالث للاعبي المحور، ورابع للمدافعين، وهكذا. (13)

كل قالب منها يشمل إحصائيات محددة تخص المهمة المنوط بها اللاعب، وكل إحصائية منها لها حدٌّ أقصى مدروس بعناية. في رادار المهاجمين مثلا تجد الحد الأقصى لمعدل المراوغات في المباراة الواحدة هو 2.4، بينما على رادار الأجنحة وصناع اللعب، والذين يعتبرون أفضل مراوغي اللعبة غالبا، يرتفع الرقم إلى 3.8، وهو رقم منطقي للغاية إذا نظرت للدوريات الخمس الكبرى مثلا، حيث تصدّر مراوغاتها كلٌّ من إيدين هازار وسفيان بوفال وكينغسلي كومان وحاتم بن عرفة وجيريمي بوغا بـ 3.7 و4.1 و2.6 و 4.5 و3.3 مراوغة في المباراة الواحدة على الترتيب. (14) (15) (16) (17) (18)

انتهت القصة، ولكن عندما عاد محللو "StatsBomb" لموسمي الانفجار العظيم حدث التالي؛ أولا، ميسي أصبح أكثر توحشا من أن يستوعبه رادار الأجنحة وصناع اللعب، ما فعله في الملعب خلال هذه الفترة كان يحتاج إلى أكثر من قالب واحد ليحمل إحصائياته، بالتالي بدأوا تفريغ أرقامه على رادار المهاجم كذلك.

ميسي على الرادار المعتاد للأجنحة وصناع اللعب موسم 2010-2011 – المصدر StatsBomb





 

ميسي على رادار المهاجمين لأول مرة في مسيرته بموسم 2010-2011 – المصدر StatsBomb








ة ميسي على الرادار المعتاد للأجنحة وصناع اللعب موسم 2011-2012 – المصدر StatsBomb



ميسي على رادار المهاجمين لثاني مرة في مسيرته بموسم 2011-2012 – المصدر StatsBomb




ثانيا؛ ميسي أصبح أكثر توحشا من أن يستوعبه الحد الأقصى لبعض الإحصائيات في أي قالب متاح. على سبيل المثال؛ 2.4 و3.7 هي معدلات مراوغة رائعة لأي لاعب في العالم، ولكن أقل معدل سجله ميسي في مواسمه الثمانية الأولى كان 6.3، والأعلى كان 8.5، بل والمشكلة نفسها طرأت في معدل تعرضه للعرقلة بالإضافة إلى دقة التمرير أيضا، حيث كان الحد الأقصى للأجنحة 83% ولم يحتوِ رادار المهاجمين على هذه الإحصائية أصلا، بينما كان ميسي يسجل 86% كمعدل رغم كمّ البينيات التي يرسلها في كل مباراة.

التفاصيل لا تنتهي، وكلما ظهرت إحصائية جديدة انقسمت إلى اثنتين كالبكتيريا، ولكن واحدة من أهم التفاصيل على الإطلاق كانت أن إحصائيات ميسي الفردية لم تكن الوحيدة التي فاقت التوقعات والقوالب المعتادة، لأنه في الفترة ذاته كانت نسبة الأهداف المتوقعة له تكاد تلامس الحد الأقصى بدورها، وهذا هو الدور الذي كانت منظومة برشلونة تؤديه لمساعدة البولغا؛ بيب يبني المنظومة المثالية من جهة، وميسي يكافئه بما يفوق أقصى أحلامه من جهة أخرى.

أهداف ميسي والفرص المصنوعة له خلال حقبة غوارديولا – المصدر StatsBomb

 

عودة إلى المستقبل

كل هذا رائع لدرجة أنه عسير التصديق، ولكن العودة لهذه الفترة تطرح أحد أهم الأسئلة على الإطلاق في مسيرة ميسي؛ لقد كان هناك عصر يجاور فيه ظهيرا أيمن أسطوريا مثل ألفيش، أمام ثلاثية وسط شديدة التطرف في تفضيل الفنيات على البدنيات، وكل هذا انحسر تدريجيا لدرجة العدم أحيانا، حتى وصل برشلونة للوضع الحالي واستُبدل روبيرتو بألفيش وراكيتيتش بتشافي وإنييستا بعدة تجارب فاشلة بدأت بغوميش ولن تنتهي بكوتينيو فيما يبدو.

الخلاصة؛ فوارق ضخمة جدا على مستوى جودة الأفراد والمنظومة، ورغم ذلك لا تشعر أن ميسي قد تأثر بالقدر ذاته. السبب؟ إحدى أهم مزاياه على الإطلاق، والأمر الذي يعتبره الكثيرون نقطة ضعفه؛ قدرته على التأقلم.

طبعا لا داعي للذكر أن برشلونة قد تأثر كثيرا برداءة المنظومة الحالية وعشوائية التعاقدات، ولكن من المهم أن نتذكر الحقبة الذهبية في هذا السياق لكي نسأل كيف تحول ألبا من ظهير دفاعي سريع أتى لاستبدال أبيدال والحفاظ على التوازن الدفاعي نفسه مع صعود ألفيش المتكرر، إلى آخر يصنع أكثر من 10 أهداف كل موسم؟

الإجابة؛ لأن ميسي أوجد الحل. بعد رحيل ألفيش حُرم البرغوث من الغطاء المناسب لعملية تسلله للعمق، وبالتبعية أصبح أكثر قابلية للتوقع والمحاصرة من الخصوم، وفي السنوات الأخيرة عموما كانت تحركات لاعبي برشلونة بدون كرة تزداد سوءا موسما بعد موسم؛ لاعبو الوسط أدمنوا التمريرات الآمنة لأقرب لاعب وللأجناب وصاروا ينتظرون الحلول ولا يصنعونها، ونيمار أصبح يطمح في دور أكبر خلف الكرة حيث يمكنه أن يهبط ويتسلم الكرة ويراوغ ويشعر أنه يشارك في اللعب بنسبة أكبر.

كل هذا جعل خيارات ميسي في التمرير محدودة للغاية، اسمان فقط كانا يتحركان باستمرار ويطلبان الكرة هما سواريز بحكم مركزه، وألبا لأنه إحدى الركائز القليلة التي صبر عليها الزمن، بل ونشأ بينه وبين ميسي رابط مميز للغاية جعلهم معادلة صعبة على أي دفاع؛ ميسي يحمل الكرة ويصنع الفوضى مجتذبا مدافعي الخصم حوله كالنحل، ثم فجأة تخرج القطرية لألبا الذي وجد الفراغ نتيجة لكل ذلك.

هذه القدرة على التكيف وتحريك باقي اللاعبين تأتي من تناقض شديد الندرة في اللعبة ويحتفظ به ميسي لنفسه؛ مهاجم يتصرف كلاعبي الوسط من حيث صناعة الفرص وتسهيل اللعب على زملائه، وعندما يهبط كلاعب وسط يتصرف كمهاجم من حيث الرغبة في التقدم ودفع الفريق للأمام والإيجابية في بناء الهجمة. في بعض الأحيان تشعر وكأن غوارديولا لم يضف إلى ميسي شيئا سوى اتخاذه لقرار نقله للعمق، قرار كان يبدو حتميا بطريقة أو بأخرى.

الحقيقة كلها

هذا يجيبنا عن عدد لا بأس به من الأسئلة، مثل التساؤل المشروع عن سبب نجاح هذه اللعبة على مدار ثلاثة مواسم وأكثر، لماذا تنطلي الخدعة على مدافعي الخصم في كل مرة بلا ملل حتى صار الأمر مستفزا لأي مشاهد محايد، والإجابة هي الإجابة ذاتها؛ المدافعون يخطئون لأن ميسي يدفعهم لذلك، قدرته الخارقة على حمل الكرة والمراوغة في أصعب المواقف تستفز فطرتهم وتجبرهم على ترك مواقعهم والإخلال بتمركزهم والخروج لمواجهته، وحينها يحدث ما يعلم الجميع أنه سيحدث.

لقد كان غوارديولا هو من قال إن أفضل شيء بخصوص ميسي هو أنك تعلم ما سيفعله بالضبط ولكنك لا تستطيع إيقافه، ولا تملك إلا أن تُعجب بالطريقة التي يفعله بها. (19) ميسي يستطيع أن يُنسي المدافعين كل ما حفظوه قبل المباراة لبضعة ثوانٍ فقط، غالبا ما تكون كافية لإخراج التمريرة، وبعدها تتوالى ردود الأفعال الفوضوية لأن الثغرة قد صُنعت والآن صار جميع مدافعي الخصم يلعبون بغريزتهم فقط لا غير، فيرتكبون المزيد من الأخطاء ويندفعون كلهم نحو ألبا في محاولة هيستيرية لإنقاذ الموقف، فيعيدها بكل هدوء لميسي في المساحة التي خلّفها كل ذلك. هذه الحالة بالضبط هي ما يسعى له البرغوث من البداية، وهي بالضبط ما رآه غوارديولا منذ اللحظة الأولى وتخيل لو تطور لصورته المثالية.

هذه الحالة من الفوضى هي ما يسعى له أي مدرب في الواقع، مجرد لحظات قليلة من الخوف تجبر المدافعين على الخطأ، وباستثمار هذا الخطأ تنتج المزيد من الأخطاء في متوالية تنتهي بهدف لو احتفظت بتركيزك ولم تتوتر بدورك. هذه الحالة هي الهدف من كل الثنائيات المعقدة على الأجناب بين الجناح والظهير، وهي الهدف من تقدم لاعبي المحور للمساندة والمخاطرة بالمساحات الواسعة خلفهم، ومن إشراك أكثر من مهاجم في الدقائق الأخيرة على أمل التقاط كرة ضالّة هنا أو هناك، والفارق الوحيد هنا أننا نتحدث عن لاعب واحد فقط لا غير، لاعب واحد يضع مدافعي الخصم أمام معادلة صفرية في أغلب الأوقات؛ إما الخروج لمواجهته وتحمل العواقب، وإما التراجع وتحمل عواقب من نوع آخر.

هذا هو السر الذي يبحث عنه الجميع بالمناسبة؛ صحيح أن المدافعين ينجذبون لميسي كالمغناطيس كلما توغل بالكرة، وصحيح أن هذا الفعل تغلب عليه العشوائية في أكثر الوقت، ولكن بقليل من التأمل تدرك أن هذا هو أذكى ما يمكن فعله إن كان ميسي يركض نحوك بوجهه للمرمى والكرة في قدميه، وسواء كان ذلك يتم في حقبة بيب أو أي حقبة أخرى، بمنظومة تشافي وإنييستا وألفيش أو باولينيو وغوميش وروبرتو، ببساطة لأنك إن اندفعت نحوه بعدد كافٍ من اللاعبين فهناك احتمال لا بأس به أن تستخلص الكرة أو تتصدى لتسديداته، وحتى إن تمكّن من التمرير في المساحة الخالية فإن احتمالات إهدار أي لاعب آخر للفرصة هي بالتأكيد أعلى من احتمالاتها مع ميسي إن تركته يتوغل.




هذه هي الأفضلية المطلقة التي يمنحها البولغا لأي مدرب وأي فريق، وهي ما أوجد التساؤل الدائم حول أيهما كان أكثر أثرا على الآخر؛ ميسي أم غوارديولا. الأول يؤكد أنه لم يكن ليحقق ما حققه بدون الثاني، والثاني يؤكد العكس، والمنطقي أن كل إجابة تحمل نصف الحقيقة؛ ميسي لم يكن ليمر بهذا التحول لو لم يرَ غوارديولا مؤشراته مبكرا، وفي أفضل الاحتمالات كان سيخسر عدة سنوات إضافية على الخط كما حدث مع غيره ممن قضوا أغلب مسيرتهم مع مدربين ينظرون تحت أقدامهم، وبيب لم يكن لينجح لو لم يكن ميسي غولا يريد أن يتحرر، لو لم يكن يحمل هذه النواة بداخله منذ أن كان طفلا يحمل الكرة ويراوغ الفريق بأكمله ويسجل.

كل هذا يدعوك للتأمل فيما كان سيحدث لو تغيرت تفصيلة واحدة وانتهى الأمر بغوارديولا مدربا للناشئين لبضع سنوات يرحل بعدها إلى أي نادٍ آخر، أو إن كان أحد أندية الأرجنتين قد قرر التكفل بعلاج ميسي في طفولته، أو أي تفصيلة أخرى كانت لتنتج سيناريو مختلفا تماما.

مصادفة؟ ربما، ولكنها قد تكون أعظم مصادفة في تاريخ اللعبة، وللحديث بقية.

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار