انضم إلينا
اغلاق
فان دي بيك وريال مدريد.. البيضة أم الدجاجة؟

فان دي بيك وريال مدريد.. البيضة أم الدجاجة؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

"فان دي بيك، لا أحد يتحدث عنه بما يكفي. طبعا دي يونغ ودي ليخت يعجبونني كثيرا، ولكنني أعتقد أن المثال الأوضح على هوية أياكس في الملعب هو فان دي بيك"

(ماوريسيو بوتشيتينو عند سؤاله عن أهم لاعبي أياكس من وجهة نظره قبيل مباراة العودة بنصف نهائي دوري الأبطال) (1)

    

إجابة خاطئة

أول خطأ سترتكبه عند قراءة العبارة السابقة هو أن تظنها رد فعل لهدف فان دي بيك في مباراة الذهاب، الهدف الذي وصفته غارديان بأنه أتى بعد أن ضغط الشاب الهولندي على "زر التوقف" للحظة، وكأن الشاب الهولندي كان يمنح العالم بعض الوقت ليلاحظ كيفية استلامه للكرة وتمهيدها والدوران بها في لمسة واحدة، وكيف أخرج داني روز ودفاع توتنهام كله من اللعبة قبل أن يواجه لوريس. (2)

  

بوتشيتينو لم يكن يقصد الهدف، بل تابع حديثه مشيرا إلى تحركات دي بيك الذكية، وباعتباره أحد أفضل العقول التكتيكية في اللعبة فقد ربطها بتحركات تاديتش على الفور؛ "يتسلل خلف تاديتش، يصل إلى المساحة الخالية، يطلب الكرة ثم يسجل". كل من تابع أياكس باهتمام خلال الموسم الماضي يعلم أن دي بيك يتموقع عكس سير تحركات الصربي، وأن سيولة هجوم أياكس الفائقة كانت ناتجة بالأساس عن التفاهم التكتيكي بين الثنائي؛ تاديتش يخرج للطرف فيملأ دي بيك فراغه في العمق، يصعد فيهبط والعكس بالعكس. (3)

    

صورة 1-4؛ لاحظ كيف يتحرك دي بيك مقارنة بتاديتش في اللحظات المهمة المؤدية لتسجيل هدف أو صناعة فرصة (total football analysis)

       

    

      

   

كان هذا هو أهم وجه للاختلاف بين مهاجم تين هاخ الوهمي ومن سبقوه في المركز ذاته؛ أن الدعم الهجومي كان يأتي من الـ8 الحُر أولا قبل أن يأتي من الأجنحة أو المهاجمين، وأن هذه السيولة لا يمكن أن تكون وليدة المصادفة، خاصة عندما تسيطر على تحركات وتمريرات الفريق بأكمله، وهي أيضا ما يفسر سهولة استقبال دي بيك للكرة كل مرة بالطريقة ذاتها أيًّا كان موقعه في الملعب؛ نصف الدوران أو الـ "Half Turn" الذي يختصر حركتين في واحدة ويسرق به الخطوة الأولى في سباق السرعة مع رقيبه.

   

لماذا يستقبل دي بيك الكرة كل مرة بالطريقة ذاتها؟ لأنه يعلم ما سيفعله لاحقا ولا يحتاج إلى التوقف والتفكير، ويتخذ قراره في الثواني التي تستغرقها الكرة في طريقها إليه. لماذا يعلم ما سيفعله لاحقا؟ لأن هناك منظومة صلبة متماسكة يعمل وفقها الفريق. إذن ما المشكلة هنا؟ أن ريال مدريد لا يمكنه التعاقد مع المنظومة.

   

صداع من فرط المنظومة

بعد انتشار الأخبار عن احتمالية تعاقد الميرينغي مع فان دي بيك خرجت وجهة نظر معتبرة تقول إن الهولندي لم يكن الخيار الأنسب لريال مدريد زيدان، وأن بوغبا كان الحل الأكثر واقعية كونه لاعبا فرديا عشوائيا لا يجيد التقيد بمهام محددة، أو بمعنى أصح لم يعد يحبذ التقيد بمهام محددة منذ عودته من يوفنتوس ملكا متوجا كأغلى لاعب في العالم وتغير أولوياته المهنية بشكل جذري؛ من لاعب يطمح في إثبات وجوده في تورينو وتعريف العالم بنفسه إلى آخر يعتبر نفسه الأهم في غرفة ملابس يونايتد والقادر على الإطاحة بمدرب بحجم مورينيو، أو المساهمة في ذلك على الأقل.

  

هذه الأجواء هي الأقرب لما يحدث في البرنابيو من حيث تأثير غرفة الملابس على القرار وعشوائية القرارات الفنية، ولكن الفارق هناك أن الميرينغي كان يملك من المهارات ما يمكنه موازنة الأمر، نظرية بيريز التي تبدو غاية في الفاعلية أحيانا؛ إن امتلأت التشكيلة بقدر كافٍ من النجوم فإن أحدهم سينتج لقطة استثنائية واحدة على الأقل في كل مباراة، وهذه اللقطة ستكون كافية لتحقيق الفوز. طبعا الأمور لم تكن بهذه البساطة وهنا كان يأتي دور زيدان ليتدخل ويوقف الأمر عند حده في بعض اللحظات، ربما كان أبرزها في إصراره على كازيميرو كعنصر رئيس في التشكيل بحكم خبرته السابقة مع ماكيليلي والانهيار الذي تبع رحيله إلى تشيلسي. (4) (5) (6)

    

 زيدان وبوغبا (الجزيرة)

   

في هذا السياق تحديدا دونا عن غيره يفوز بوغبا بالمقارنة مع دي بيك، ورغم تأكيد المصادر أن الهولندي ليس بديلا للفرنسي فإن إغلاق نافذة الانتقالات على هذا الوضع قد يجبر الجميع -بمن فيهم زيدان- على اعتباره كذلك، والتخوف المنطقي هنا هو أن يفقد دي بيك قدراته الخارقة عندما يغادر المنظومة التي لمع فيها. (7) (8)

  

هذا الرأي يصبح أكثر وجاهة عندما تضيف له حقيقتين مهمتين؛ الأولى أن فان دي بيك هو أحد أكثر لاعبي أياكس إخلاصا لهذه المنظومة منذ طفولته كونه أحد العناصر القليلة التي تدرجت في كل مراحل الناشئين بالنادي، على عكس زياش ونيريز وشونه وتاليافيكو مثلا، وحتى دي يونغ الذي انضم في الثامنة عشرة من عمره. (9) الثانية أن تعاقدات ريال مدريد الأخيرة التي صنعت المجد مع زيدان لم تتضمن لاعبا واحدا مثل الهولندي، يأتي من خلفية تكتيكية محددة واضحة وأسلوب لعب قادر على نحت المواهب في قوالب معينة، بل اعتمدت بالأساس على القدرات الفردية في المطلق، والاستثناء الوحيد لهذه القاعدة كان توني كروس الذي تغير مركزه ومهامه بشكل جذري منذ وصل إلى مدريد، وتحول للاعب آخر مختلف تماما عن ذاك الذي شاهدناه مع بايرن هاينكيس.

  

تكتيكي تكتيكي

الرأي ذاته يصبح أقل وجاهة عندما تضيف له حقيقتين مختلفتين؛ الأولى أننا لم نشاهد فان دي بيك منذ تصعيده للفريق الأول سوى الموسم الماضي بسبب التغطية الضعيفة للدوري الهولندي وعدم توافر الإحصائيات الفردية أو الجماعية، وفي الموسم الماضي كانت منظومة تين هاخ في ذروتها بالفعل. الثانية أننا لم نشاهده في أي منظومة تكتيكية أخرى أصلا، وهو ما يضعنا في معضلة البيضة والدجاجة الشهيرة، ويجعل السؤال الأهم هو؛ هل أخفت المنظومة عيوب فان دي بيك فعلا أم أنه هو من أخفى عيوبها؟

  

إن صحّ الاحتمال الأول فهو أمر سينطبق على أغلب لاعبي أياكس، على سبيل المثال فإن معاناة دي يونغ في برشلونة قد بدأت بالفعل خلال الجولة التحضيرية للموسم الجديد؛ مع كل محاولة للتدرج السريع بالكرة أو إرسال تمريرات بها قدر من المخاطرة يكتشف دي يونغ أن المنظومة مختلفة عما توقعه، وأن لاعبي فالفيردي -الأساسيين على الأقل- يفضلون الحلول المعلّبة والتمريرات الآمنة للخلف والأجناب ولا يتحركون بما يكفي من دون كرة، وأنهم يتراجعون في مواجهة الضغط بينما يُفضّل هو مواجهته والتغلب عليه. هل هذا يُفقد دي يونغ جزءا من قيمته؟ قطعا، ولكنه لا يعيبه بقدر ما يعيب منظومة فالفيردي، إن جاز اعتبارها منظومة أصلا. (10)

  

  

أمر مشابه مرشح للحدوث في حال انضمام فان دي بيك إلى ريال مدريد. الهولندي لاعب تكتيكي بامتياز، يجيد كل ما لا يمكن قياسه في اللعبة؛ مثل التحرك والتوقيت وإدراك الفراغات والتعامل مع الكرة من أقل عدد من اللمسات، وهذا ما يجعل إيقافه صعبا للغاية عندما يتم استخدامه على النحو الأمثل، ولكن من المتوقع أن يخسر عددا من المزايا عندما يلعب مع زيدان، وحتى لا نغرق في مصطلحات مبهمة متعالية سيئة السمعة مثل "المنظومة" و"اللاعب التكتيكي" بلا توضيح، فدعنا نقل إن مساهمته الهجومية الرائعة خلال أغلب المراحل المهمة في دوري الأبطال ستكون أول ما يخسره، المساهمة التي جعلت بوتشيتينو يعتبره أهم لاعبي أياكس، والتي جعلت غارديان توافقه الرأي. (11)

  

فان دي بيك يعترض تمريرات الخصوم بمعدل 3 مرات تقريبا كل مباراة، ويسترجع الكرة بما يفوق 5 مرات أيضا. هذه معدلات غير عادية بالنسبة للاعب وسط ثالث ينشط أحيانا كمهاجم إضافي، ولاحظ أننا نتحدث عن استرجاع الكرة (Recovery) لا التدخل على لاعبي الخصم (Tackle). هذا يوضح لك أهمية دي بيك في الحفاظ على الكرة واستعادة الاستحواذ، ويطمئن أي مدرب سيحاول إشراكه كلاعب وسط من حيث الارتداد والالتزام بالمهام الدفاعية، خاصة أنه ثالث لاعبي أياكس ركضا بـ10.1 كيلومتر خلال التسعين دقيقة، بالإضافة إلى كونه.. لحظة.. هل يبدو كل ما سبق مألوفا؟ (12) (9)

   

يعيد نفسه

في الموسم الماضي شارك فان دي بيك في هدف إما بالتسجيل أو الصناعة المباشرة كل 137 دقيقة تقريبا، وهذه رفاهية لن ينالها في ريال مدريد قطعا وبالأخص مع زيدان، ببساطة لأن منظومة الفرنسي لا تسمح لمودريتش وكروس سوى بالمشاركة في هدف كل 436 دقيقة و232 دقيقة على الترتيب، وبمقارنة ذلك بمعدلات الثنائي في توتنهام وبايرن تكتشف أنها قد تناقصت مع زيدان بنسبة 46% و20% على الترتيب. (13) (14) (15) (16) (17)

  

طبعا هذا تراجع خرافي لمشاركة الثنائي في العملية الهجومية، خاصة إذا أضفت له حقيقة أن نصف تمريرات كروس الحاسمة تقريبا تأتي من ركنيات وركلات ثابتة لا من لعب مفتوح، ولكنه مبرر للغاية في أسلوب لعب الفرنسي الذي اعتمد بشكل كبير على صعود الظهيرين مارسيلو وكارباخال وحجز ثلاثي الوسط لتغطية المساحات خلفهما، وصعود الظهيرين كان سببه الأساسي وجود مهاجم صريح يستطيع التعامل مع العرضيات بأنواعها داخل المنطقة، سواء كان رونالدو سابقا أو يوفيتش الذي أتى لاستبداله، أو لكي يحاول بالأحرى.

    

تصنيف تمريرات كروس الحاسمة المتوقعة والفعلية من حيث المواقف (لعب مفتوح – ركنيات – ركلات ثابتة)  (under stat)

  

هذا المشهد مختلف عما اعتاده فان دي بيك إلى حد التضاد، وبدلا من تاديتش الذي يتحرك حول المنطقة ويجيد التحضير سيكون هناك يوفيتش الذي سيقتصر دوره على العكس، وبدلا من المزراوي وتاليافيكو أصحاب المساهمة الهجومية المحدودة سيكون هناك أظهرة مثل مارسيلو وميندي وكارباخال وأودريوثولا هي من تبدأ الهجمة أصلا وهي من تقودها، والأهم على الإطلاق أنها هي من تمدد الملعب عرضيا في الثلث الأخير لتسمح لأمثال هازار وإيسكو وبنزيما وأسينسيو بالتسلل في أنصاف المسافات وقلب الهجوم، والنتيجة هي عمق مزدحم للغاية حيث كل المواقع التي قد تُمكّن فان دي بيك من تحقيق إضافة هجومية حقيقية هي مواقع محجوزة بالفعل. (18)

   

هذا هو السبب الحقيقي في كون مودريتش لم يشارك سوى في 21 هدفا خلال 114 مباراة مع زيدان بينما شارك فان دي بيك في 30 خلال الموسم الماضي فقط؛ ليس لأن موسما واحدا للهولندي يساوي ثلاثة للكرواتي، ولكن لأن منظومة لعب ريال مدريد في السنوات الأخيرة، وتحديدا مع المدرب الحالي، تتطلب من لاعبي الوسط مهام دفاعية ضخمة ومرهقة وتحرمهم من المشاركة بفعالية في عمليات الثلث الأخير. تلك كانت سمة مشتركة حتى عندما تحول زيزو إلى 4-4-2 الماسية بإيسكو على رأس الوسط في نهايات موسم 2016-2017، ومن الصعب التخيل أنه سيقوم بقلبها رأسا على عقب لأجل لاعب واحد لم يكن على قمة أولوياته من الأساس.

  

مجرد هولندي طائر آخر

المفارقة في كل ذلك أن فان دي بيك سيُذكّرك بنسخة توتنهام من مودريتش فعلا؛ طاقة استثنائية وحركة دائمة تُمكّنه من أن يكون اللاعب الإضافي في كل خط، والمثير أن مودريتش كان يلقب بكرويف الجديد أيضا في سنوات صعوده، ربما لذلك تخيل زيدان أنه سيكون الأنسب لاستبداله خلال السنوات القادمة، ولكنه حتى الآن مجرد تخيل ينقصه الكثير من الواقعية كما يبدو، وما لم يكن زيدان قد قضى الشهور التسعة بين رحيله وعودته في إعادة بناء فلسفته التدريبية، فإن مصير فان دي بيك معه لن يختلف كثيرا عن مصير الكرواتي؛ أمجاد وبطولات ووجود دائم في فريق فيفا ويويفا للأفضل كل عام، ولكنه سيفقد قدرا كبيرا من بريقه في مقابل كل ذلك.

  

الخريطة الحرارية الاستثنائية لدوني فان دي بيك خلال الموسمين الماضيين  (sofa score)

   

هذا ليس أسوأ شيء كما تعلم، بل في الواقع هو جزء أساسي من عملية انتقال أي لاعب مثل فان دي بيك إلى فريق كبير مطالب ببطولة كبرى واحدة موسميا على الأقل، ولكن فقط النسبة تختلف من حالة إلى أخرى، وهي ما يحدد إن كانت المكاسب الجماعية مكافئة للخسائر الفردية أم لا، وقبل أن تجزم بأولوية واحدة على الأخرى تذكر كوفاسيتش الذي قضى ثلاث سنوات بين الدكة والملعب ثم رحل لأنه لم يجد مكانا في التشكيل سوى كمحور دفاعي بديل لكازيميرو، حتى أثناء أسوأ فترات مودريتش.

  

الحقيقة أن السؤال الأهم هنا ليس عن قدرة فان دي بيك على التأقلم من عدمها، وليس عن مدى تأثره بمنظومة تين هاخ أو تأثيرها عليه، بل عن الأسباب الفعلية التي وضعته على رادار ريال مدريد وزيدان في المقام الأول، فبينما من المفهوم أن يلجأ له رجل غير متخصص مثل بيريز يحاول تجنب بوغبا ووكيله سيئ السمعة بأي ثمن، فلن نعلم أبدا ما أوجه التشابه التي رآها زيدان بين منظومة لعبه ومنظومة لعب تين هاخ، وما الذي أشعره أنه سيستطيع الحصول على أفضل ما يستطيع فان دي بيك تقديمه بينما يجرده أسلوب اللعب من نصف أسلحته على الأقل.

  

حتى الآن، تبدو وجهة النظر الدارجة عن خطأ التعاقد مع فان دي بيك صحيحة إلى حدٍّ بعيد. طبعا ما زال كل شيء وارد الحدوث باعتبار أن ما نعرفه عن الهولندي محدود للغاية، والحقيقة أنه ما زال في بداية مسيرته وقابلا للتعديل والتطوير والتحول، وحتى يحدث ذلك ستظل معضلة من نوع آخر قائمة في مدريد؛ هل أسلوب لعب زيدان هو ما يقود التعاقدات أم أنها هي ما يقوده؟

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار