انضم إلينا
اغلاق
نيكولاس بيبي.. هل وجد أرسنال ضالته؟

نيكولاس بيبي.. هل وجد أرسنال ضالته؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

هناك لاعبان فقط في دوريات أوروبا الخمس الكبرى تمكنوا من تسجيل ما يزيد على 20 هدفا وصنعوا أكثر من 10 غيرهم خلال الموسم الماضي. لن نهين ذكاءك بتعريف الأول، وبما أنك هنا، فلقد خمنت اسم الثاني. (1)

45 أكذوبة

طبعا قبل أي شيء أنت تريد أن تعلم كيف تمكّن أرسنال من التعاقد مع غابرييل مارتينيلّي (6.7 مليون يورو) وويليام ساليبا (30 مليون يورو) ثم نيكولاس بيبي (80 مليون يورو)، وما زال في مفاوضات لضم كيران تيرني مدافع سلتيك رغم أن ميزانيته لا تتجاوز 45 مليون يورو. (2) (3)

دعك من الأول، والثاني هو صفقة مؤجلة للصيف القادم، والثالث سيتم تقسيط مبلغه على خمس سنوات، (1) وهذا يعني أن أرسنال لن ينفق سوى مبلغ مارتينيلّي والدفعة الأولى من صفقة بيبي، بالإضافة إلى مقابل ضم أي لاعبين جدد يتمكّن من التعاقد معهم في الأيام القادمة، وكل ذلك قد يمكّنه من إنهاء الصيف ملتزما بالـ 45 مليون يورو المعلنة.

الآن دعك من الفقرة السابقة؛ صحيح أن الصفقات المؤجلة مؤجلة، وصحيح أن الصفقات المُقسطة مُقسطة، ولكن ميزانية أرسنال لم تكن 45 مليون يورو أبدا. أصلا لا يوجد نادٍ واحد في العالم يعلن عن ميزانية الصيف قبل بدء المفاوضات، لأن هذا هو أغبى شيء يمكن فعله في سوق الانتقالات. (4)

الأرقام التي سمعتها وتسمعها في الإعلام ليست خاطئة وحسب، بل هي أصلا مستحيلة، بمعنى أنه سواء كان أرسنال أفقر نادٍ في العالم أو أغناهم، فمن المستحيل أن نقول إن ميزانيته الصيفية تبلغ كذا، ببساطة لأنه لا يوجد شيء اسمه "ميزانية الصيف" أصلا، ومصطلح صناديق الحرب أو (War Chests) هو مصطلح إعلامي تماما لا علاقة له بما يحدث في الواقع. (5)

الأرسنال المكّار



أولا، كل الصفقات ذات المبالغ المعتبرة يتم تقسيطها على مدة عقد اللاعب، إما بالتفاهم مع ناديه أو عن طريق قرض بنكي. لماذا؟ لأن الميزانية الوحيدة التي تعترف بها الأندية -وأي كيان اقتصادي عموما- وتبني عليها عملها هي الميزانية السنوية؛ كل مداخيل النادي من أرباح التذاكر والمبيعات وحقوق البث والرعاية وغيرها يتم تقييمها سنويا، وكل إنفاقاته من رواتب وصيانة للملاعب ومصاريف السفر يتم حسابها بالطريقة ذاتها، ومن ضمنها التعاقدات طبعا سواء كانت صيفية أو غير ذلك. (6)

ما يحدث أن كل نادٍ يدخل أي نافذة انتقالات وهو يملك فائضا ما في ميزان المدفوعات السنوي، ثم يحاول الحصول على أهدافه دون الإخلال به، بمعنى أنه عندما يتعاقد المدفعجية مع لاعب مثل بيبي فإنهم لا ينفقون 80 مليون يورو في صيف واحد فعلا، بل يتم حساب العبء السنوي الذي سيضيفه الإيفواري للميزانية، وهذا العبء يتضمن القسط السنوي لمقابل انتقاله بالإضافة إلى راتبه وأي إضافات ينص عليها عقده، أما مفهوم صناديق الحرب فيتعامل مع اللاعبين على أنهم سلع تنتهي تكاليفهم بمجرد الاتفاق مع البائع.

الصحف قامت بتأليف الرقم من العدم وأرسنال لم يقم بنفيه لسبب بسيط تحدّث عنه كافي سوليكول صحفي سكاي المتخصص في الانتقالات، وهو أن ظن الجميع بأن المدفعجية لا يملكون ما يكفي من الأموال كان يصب في مصلحتهم أثناء المفاوضات، وبالطبع لقي الرقم قبولا واسعا بعد تاريخ طويل من استعمار كرونكي لأرسنال وحديث ابنه جوش في بداية الصيف عن محدودية الميزانية. (7) (8)

الحقيقة هي ما صرح به فيناي فينكاتيشام مدير النادي منذ أربعة أيام بالضبط، أي بعد إنهاء صفقة بيبي في الغرف المغلقة وقبل خضوعه للكشف الطبي، وهي أن رغم تراجع أرباح المدفعجية في الأعوام الأخيرة بسبب الفشل في التأهل لدوري الأبطال، فإن الميزانية لم تكن أبدا بهذا الحجم، وأن أرسنال يملك "ما يكفي لإحداث فارق في سوق الانتقالات"، لذا لا تستبعد أن يستمر نشاطهم في السوق حتى اللحظات الأخيرة. (5)

كابويرا

لنعد إلى الملعب. أول ما تلاحظه عند مشاهدة بيبي هو أنه يمتلك الكثير من السمات المميزة للمواهب التي خرجت من الدوري الفرنسي في السنوات الأخيرة؛ قدرا كبيرا من المهارة والجرأة مع نسبة ما من الرعونة والاستهتار، لمسة أولى مبدعة ولكن بالتزام تكتيكي محدود، قرارات سريعة وانطلاقات خطرة ولكنها معتمدة على الغريزة والتخطيط قصير المدى، بالإضافة طبعا إلى نمط حركته المميز الذي يشبه أسلوب الكابويرا (Capoeira) البرازيلي في الرقص القتالي. أحيانا تشعر أن أوصاله مفككة وكل طرف من أطرافه يتحرك بمعزل عن الباقين. تخيل "Eddy" من لعبة "Tekken" مثلا ولكنه يلعب كرة القدم.

ثاني ما يهم بشأنه هو أنه نشأ في واحدة من ضواحي باريس، وفي هذه الضواحي أقام الاتحاد الفرنسي أفضل شبكة للكشف عن المواهب في العالم خلال السنوات الأخيرة، لدرجة أنها قدمت للمونديال الأخير أكثر من 50 لاعبا ترعرعوا في مدارس الكرة هناك ثم انطلقوا بعدها للدوريات المختلفة وعادوا ليُمثّلوا بلادهم الأصلية، أي إن ما قدمته ضواحي العاصمة الفرنسية فقط يفوق ضعف ما قدمته أي دولة كاملة أخرى في العالم. (9) (10)

لماذا قد يهمك ذلك؟ لأن نظام تطوير المواهب في فرنسا مختلف نوعا ما عما قد تتخيله؛ أولا مدارس الكرة في الضواحي ليست أكاديميات بالمعنى المفهوم، وأكثر ها يركز على تطوير اللاعبين -الموهوبين أساسا- من الناحية البدنية وإمدادهم ببعض الأساسيات ليستطيعوا مجاراة واحد من أكثر الدوريات حركية في العالم. ثانيا وهو أمر لا يقل أهمية؛ هذه المدارس لا تمتلك انحيازات خططية أو تكتيكية محددة، واللاعبون الشباب يتعرضون لعدد كبير من الأفكار أثناء انتقالهم من مرحلة لأخرى. هذا يجعل بعضهم أكثر شمولية ويدفع البعض الآخر نحو المزيد من التقوقع والفردية.

كل ذلك قد لا يؤثر كثيرا على هؤلاء الذين يغادرون هذه المنظومة في سن مبكرة، ولكن إن استمروا فبعد كل ذلك تأتي المرحلة الأكثر تأثيرا في حياة اللاعب في فرنسا سواء كان بيبي أو غيره؛ دوري ضعيف اقتصاديا يائس من المنافسة محليا وأوروبيا، ومنذ إعلان باريس سيطرته شبه المطلقة في 2012 بدأت بعض الأندية تغير نشاطها، كرة القدم ذاتها لم تعد الهدف ولكنها وسيلة لتلميع المواهب قبل بيعها، واللاعبون مثل بيبي تحديدا ينالون حرية أكبر من غيرهم لعرض مهاراتهم بلا التزامات خططية أو تكتيكية تقريبا، ثم يتألّقون فتشتريهم قطط أوروبا السمينة ويذهب ليل وأمثاله لإعادة الكرّة مع موهبة جديدة.



أفضل ما يمكن الحصول عليه
لماذا نقص عليك كل ذلك؟ لأن كل صفقة من هذا الحجم يتبعها توقعات وآمال بأن المستوى الحالي للاعب مثل بيبي هو فقط بداية الطريق، وأن انتقاله إلى نادٍ أكبر رفقة لاعبين أكفأ قد يساعد على زيادة حصيلته الإحصائية آخر كل موسم من أهداف وتمريرات حاسمة وغيره، وفي الوقت ذاته، تتجاهل هذه التوقعات حقيقة أن بيبي لن يحظى بالمساحات نفسها مع المدفعجية، وأن لمساته وإسهاماته، ومن ثم قدرته على التأثير على المباراة، قد تتأثر بوجود لاعبين مثل لاكازيت وأوباميانغ، والأغلب أنه لن يحصل على الحرية ذاتها إذا وضعنا في الاعتبار المهام الإضافية التي يستوجبها الوجود في نادٍ كأرسنال مع مدرب كإيمري، مثل المساهمة الفعالة في الضغط والمحاصرة والارتداد.

أي تجربة تحتوي على ما يسمى بالمتغير الخفي أو (Lurking Variable)، وإن جاز أن نعتبر بيبي كتجربة فإن المتغير الخفي سيكون أن إحصائياته الباهرة خلال الموسم الماضي هي غالبا أقصى ما يمكن الحصول عليه، والتخيل بأنها ستتحول إلى عادة موسمية في أرسنال ليس واقعيا. هل هذا مقلق؟ نعم، ولا. (11)

إحصائيا، يتفوق بيبي على كل خيارات أرسنال الحالية تقريبا -بما فيها زاها- من حيث تسجيل الأهداف وصناعتها، ولكن مع التدقيق يتضح أن 7 من أهدافه الـ22 في الدوري أتت من تحولات سريعة. في الواقع، كان ليل الفريق الأكثر تسجيلا من التحولات في فرنسا الموسم الماضي بعد باريس. (12) ما المشكلة هنا؟ أنه من وجهة نظر المهاجمين على الأقل، تُعد التحولات ثاني أسهل الطرق لتسجيل الأهداف في اللعبة. طبعا الطريقة الأسهل على الإطلاق هي ركلات الجزاء. كم سجل بيبي منها؟ 8 أهداف أخرى. (8)


مع مزيد من التدقيق، تُدرك أن هناك قدرا لا بأس به من هذه التحولات وركلات الجزاء قد أتى عبر بيبي نفسه، بعد دوران سريع بالكرة أو استقبال مخادع للتخلص من رقيبه ثم الانطلاق في نوبة من المراوغات يكسب خلالها الفريق عدة أمتار في نصف ملعب الخصم. هذا ما مكّنه من التسجيل في كل المباريات الكبيرة تقريبا خلال الموسم الماضي بما فيها باريس ذهابا وإيابا، وهي مزية مهمة للغاية لمدرب مثل إيمري عانى كثيرا من بطء أوزيل ورعونة أيوبي. أصلا مجرد تخيل الإيفواري بدلا من النيجيري في التشكيل كافٍ ليتفاءل المدفعجية، وحتى لو اكتفى بنصف حصيلته التهديفية.

أوبازيت ولاكاميانغ

مثل أي جناح جديد متألق في السنوات الأخيرة، فإن السؤال لا يكون عادة عن مدى التطوير الذي يمكن أن يقدمه بيبي لمركز الجناح ذاته. المهام واحدة غالبا ونادرا ما تتغير؛ لاعب يميل للطرف كلما اقترب من مرماه والعكس بالعكس، وبدون الكرة يتحرك رأسيا وأفقيا بشكل مضاد لمهاجم المحور لويك ريمي، لذا عندما يهبط لاعب تشيلسي السابق إلى مناطق متأخرة في الملعب ليجبر خط دفاع الخصم على التقدم فإن بيبي يتحرك قطريا في المساحة خلفهم ليتلقى البينيات. هذا ليس باهرا طبعا، أي جناح يحترم نفسه يفعل كل ذلك بانتظام، الفكرة هنا أن أرسنال لا يمتلك جناحا يحترم نفسه.

لاكازيت وأباميانغ

رويترز
 

السؤال الحقيقي سيكون عن مدى الكفاءة التي يمكن أن يفعل بها بيبي كل ذلك، وهنا يأتي دور إيمري؛ بيبي أجاد دور الهداف المتسلل خلف الخطوط مع ليل وعلى الأغلب سينال قدرا مشابها من هذه الفرص إن كان لاكازيت موجودا في عمق الهجوم، وفيما يخص التحولات التي يفضلها الإسباني فإن الإيفواري يعلم بالضبط ما سيفعله. المشكلة كلها ستكون في عدد أكبر بكثير من التكتلات الدفاعية مقارنة بليل، وهو ما سيحتاج من بيبي إلى قدر أكبر من الجماعية وقرارات أقل تسرعا وتمريرات أكثر دقة، بالإضافة إلى البديهي وهو قصر المراوغات على الأمتار الأخيرة من الملعب، وحتى الآن لا يوجد سبب يدفعنا للظن بأن إيمري عاجز عن ذلك.

السؤال الثاني الذي تطرحه صفقة نيكولاس هو الدفاع. سؤال منطقي طبعا بعد العروض الكوميدية بقيادة مصطفى، والتي استمرت للموسم الثاني تواليا بعد بداية مبشرة للغاية في الموسم الأول، ولكن الحقيقة أنه رغم كارثية أداء الخط الخلفي في أرسنال، وحاجته الماسة إلى لاعب إضافي واحد على الأقل من طراز فان دايك وكوليبالي، فإن تلك ليست مشكلة أرسنال الوحيدة، والتركيز عليها بحجة الاطمئنان لثنائية الهجوم هو نصف الحقيقة فقط لا غير.

أرسنال كان ثالث أقوى هجوم في البريميرليغ الموسم الماضي، ولكنه كان يعتمد على لاكازيت وأوباميانغ بشكل مبالغ فيه، لدرجة أن الثنائي استأثر بـ 50 هدفا بين التسجيل والصناعة من إجمالي 73 هدفا للمدفعجية في الدوري. طبعا امتلاك ثنائية هجومية مميزة لا يعيب أي نادٍ أو أسلوب لعب، ولكن عندما تفشل هذه الثنائية في التسجيل خلال 16 مباراة كاملة ويفقد الفريق نقاطا في 12 منها، فإن حاجة الخط الأمامي إلى التدعيم قد لا تقل كثيرا عن حاجة الخط الخلفي، وسواء كان هذا الفشل راجعا لعملية التحضير أو لاستغلال الفرص فإن بيبي -مع التطوير الكافي- سيكون قادرا على تعويضه. (13) (14) (8)

هل وجد أرسنال ضالته؟ غالبا. بيبي هو أحد أفضل الخيارات المتاحة لأسلوب لعب إيمري، وفي لحظة التوقيع معه كان أفضل الخيارات الاقتصادية على الإطلاق، ولن نبالغ إن قلنا إنه قد يكون حاسما في تأهل المدفعجية لدوري الأبطال من عدمه، ولكن حتى "يحدث الفارق" الذي تحدث عنه فينكاتيشام فعلا فإن أرسنال يحتاج إلى العثور على ضالته في باقي الخطوط.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار