انضم إلينا
اغلاق
نوستالجيا أم حقيقة.. هل كانت كرة القدم أجمل قبل عصر التواصل الاجتماعي؟

نوستالجيا أم حقيقة.. هل كانت كرة القدم أجمل قبل عصر التواصل الاجتماعي؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

لا بد أنك قد علمت بتصريحات كلوزه الأخيرة عن الأمراض التي أصابت كرة القدم في السنوات الأخيرة. لم تسمعها؟ فعلا؟ لا بد أنك تعيش في كهف، لأنها أغرقت العديد من الصفحات على منصات التواصل الاجتماعي في الأيام الأخيرة. المهم أن الرجل يقول إن كرة القدم التي رافقته طيلة مسيرته لم تعد موجودة، وأن لاعبي اليوم صاروا يهتمون بكل شيء عدا اللعبة ذاتها؛ السيارات السريعة وحسابات تويتر وإنستغرام والأحذية التي تحمل أسماءهم. صاروا أقل تفانيا وإخلاصا وأكثر إحساسا بذواتهم وصورتهم الإعلامية. (1)

    

  

متأكد أنك لم تسمع هذه التصريحات؟ راجع نفسك من فضلك، أو لا تراجعها لأن هذه التصريحات ليس لها أثر في أي موقع إخباري معتبر. في الواقع نحن لا نعلم حتى متى أطلقها كلوزه؛ إن استخدمت الكلمات المفتاحية الصحيحة وبدأت البحث ستكتشف أنها وُجدت على الشبكة لأول مرة في مارس/آذار 2018، وظلت تتكاثر على عدة منتديات أجنبية وعربية بلا مصدر حقيقي واحد، ثم لسبب ما، قرر أحدهم إعادة نشرها الآن.

    

المفارقة أن هذا هو أحد الأمراض التي أصابت كرة القدم في السنوات الأخيرة؛ التصريحات والإحصائيات التي لا نعلم من أين أتت وتنتشر بسرعة قياسية قبل أن نتأكد من حقيقتها. تخيل حجم اللغط والجدل عديم الجدوى الذي تُسبِّبه أمور كهذه بين جماهير اللعبة. في الواقع لقد كان أول ما أدهشنا في حديث كلوزه عن أمراض اللعبة هو تجاهله لهذه الظاهرة تحديدا. طبعا كان ذلك قبل أن نكتشف أن كلوزه لم يتحدث أصلا، أو ربما تحدث، ولكن غوغل لا يستطيع العثور على تصريحاته. هذه مصيبة أخرى. يبدو أن التكنولوجيا تُعقد كثيرا من الأمور عوضا عن تسهيلها.

      

اللاعب الألماني كلوزه (رويترز)

      

نوستالجيا

ماذا كنا نقول؟ نعم، أمراض كرة القدم الحديثة والتكنولوجيا التي تُعقّد كل شيء. هذه مفارقة أخرى لأن النوستالجيا كانت وما زالت سمة بشرية أصيلة، لم يوجد جيل على سطح الكوكب لم يشعر أن زمنه كان الأروع، وأن كل شيء كان في صورته المثالية عندما كان شابا يملؤه الشغف ويكتشف العالم باهتمام. لم يوجد جيل على سطح الكوكب لم يشعر بالحنين إلى الماضي عندما تقدم عمره وانطفأ حماسه، ناهيك بالمزية الأعظم التي تكفلها العودة لأحداث ذات نتائج معلومة؛ اليقين. (2) (3)

  

الأمر أشبه بأن تُفضِّل مشاهدة فيلم رأيته من قبل على أن تشاهد واحدا جديدا لا تعلم كيف سينتهي وقد يحمل معه خيبة أمل أو إحباطا. أنت تعلم كل ذلك طبعا، وتعلم أن موجات النوستالجيا قد وصلت لدرجات غير مسبوقة في السنوات الأخيرة، لدرجة دعت لإنشاء تيارات ثقافية مضادة تُذكّر الناس ببشاعة تاريخ البشرية الذي يحنّون إليه دوما. (4) (5)

   

المشكلة هنا أن النوستالجيا لم تصل إلى درجات غير مسبوقة في السنوات الأخيرة، بل ما حدث فعليا أن الناس صارت تملك مجالا أكبر ووسائل أكثر للتعبير عن أفكارها في منصات التواصل الاجتماعي، وهذا هو ما يشعرنا أن هذا الجيل تحديدا هو الأكثر حنينا إلى ماضيه، بينما الحقيقة أن مواليد الثمانينيات وبداية التسعينيات وحتى نهاية السبعينيات مثل كلوزه كانوا الجيل الوحيد الذي اجتمع له عنصران غاية في الندرة.

      

كلوزه من الجيل الذي انتقل من تلقي المحتوى إلى صناعته، ومن انتظار نهاية الأسبوع للحصول على الأخبار إلى تلقيها لحظيا

رويترز
     

الأول هو أنهم شهدوا لحظة التحوّل كاملة وهم بالغون، اللحظة التي تغير فيها التواصل البشري بشكل جذري وانتقل من الواقع للأثير. العنصر الثاني هو أنهم استطاعوا استيعاب هذه اللحظة والتأقلم معها، أو فهمها على الأقل، وهذا جعلهم قادرين على التعبير عنها بأدواتها، أي استرجاع الماضي ولكن بالوسائل الجديدة التي يمنحها الحاضر.

  

بمعنى آخر؛ هذا هو الجيل الذي كان ينتظر اختيارا عشوائيا من مباريات دوري الأبطال ليشاهده مجبرا على القنوات المحلية، وهو الجيل ذاته الذي أصبح بإمكانه متابعة الدوري الأوكراني إن أراد. الجيل الذي انتقل من تلقي المحتوى إلى صناعته، ومن انتظار نهاية الأسبوع للحصول على الأخبار إلى تلقيها لحظيا. هذا هو ما يجعل حنينهم إلى الماضي أكثر حدّة من الأجيال السابقة أو اللاحقة، لأن ماضيهم القريب كان مختلفا للغاية عن الحاضر، وهذا التناقض الغريب يظهر مثلا في صفحات فيسبوك التي تقوم على نشر الذكريات وإثارة العاطفة تجاه الزمن السابق. طبعا أنت ترى المفارقة الساخرة هنا. هذا مثال آخر على التكنولوجيا التي تُعقّد كل شيء.

   

العشق الممنوع

في مقاله "هل ما زالت كرة القدم رياضة؟" يطرح روري سميث عدة نظريات اجتماعية معقّدة مفادها ببساطة أن الحاجة الإنسانية الوحيدة التي تراجع سعرها في السنوات الأخيرة هي الترفيه، وهذا حقيقي إذا ما قارنت تكلفة الحصول على الإنترنت حاليا مقابل المبالغ الخرافية التي كنت مضطرا لإنفاقها لتركيب طبق استقبال في نهاية التسعينيات وأوائل الألفية. المهم أن توافر الترفيه بوسائل شرعية أو غير شرعية جعل العالم أكثر مللا وأكثر تطلبا بالتبعية. التوالي اللا نهائي للأخبار والصور والآراء على حسابك في فيسبوك أو تويتر أو إنستغرام يخلق حاجة دائمة إلى شيء جديد، حتى لو لم يكن الواقع الفعلي قادرا على إنتاجه. (6)

  

من وجهة نظر سميث فإن هذا هو ما حوّل كل شيء تدريجيا إلى مسلسل درامي طويل، مسلسل يقدم للناس القصص التي يرغبون في سماعها بانتظام لا تكفله الحياة ذاتها، يقدم لهم نسخة أفضل من الحقيقة الفعلية أو حتى نقيضها في بعض الأحيان، ويدفعهم دفعا نحو عالم بديل يمكن التحكم في تفاصيله.

    

حياة اللاعبين الشخصية هي الشيء الوحيد الذي يوفّر تيارا ثابتا من الأحداث والقصص يناسب سرعة منصات التواصل الاجتماعي وتطلّبها ومللها المتزايد

مواقع التواصل
   

بالطبع، فإن عرض الموضوع بهذه الطريقة يُوحي بأن هناك مجلسا عالميا لتبديل الواقع يجتمع في نهاية كل شهر ليناقش كيفية خداع المليارات السبعة التي تعيش على الكوكب، وأي مسلسلات سيشاهدونها وأي لاعبين سيكرهونهم وأي قصص ستناسب الأوضاع الحالية، ولو كان هذا حقيقيا لكن الأمر أهون بكثير. المشكلة أن كل ذلك تقريبا يحدث كتطور بشري طبيعي إن جاز أن نعتبره تطورا، المهم أنه لا يحتاج إلى مؤامرات أو خطط سرية لأنه لو اكتفى بمجاراة المستجدات فسيصل للنقطة نفسها. فيما يبدو فهذه هي سُنّة الحياة والبشرية.

  

هذا هو ما يشعرك أن تصريحات كلوزه حقيقية للغاية حتى لو لم يقلها؛ أن حياة اللاعبين صارت أشبه بالمسلسلات فعلا. منصات التواصل الاجتماعي تحتاج إلى قصص وتحديثات يومية وأحيانا على مدار الساعة، ومباريات كرة القدم، باعتبارها الجزء الوحيد الواقعي المتبقي من اللعبة، لا تستطيع تقديم ذلك بالكثافة المطلوبة، لذا فحتى يخترع أحدهم عقارا يمكّن فرق كرة القدم من لعب مباراة كل يوم فإن البديل سيكون حياة اللاعبين الشخصية. هي الشيء الوحيد الذي يوفّر تيارا ثابتا من الأحداث والقصص يناسب سرعة منصات التواصل الاجتماعي وتطلّبها ومللها المتزايد.

  

مع الوقت يتحوّل الأمر إلى معركة بقاء ويصبح الطفو على سطح منصات التواصل الاجتماعي وظيفة مستقلة يتولاها جيش من المستشارين والمختصين يعمل خلف الكواليس. كل حدث يتم استثماره بالشكل الأمثل لتقديم حلقة جديدة مثيرة للجمهور بما في ذلك وقائع العنصرية والتنمر وقصص الخيانة الزوجية بين اللاعبين، فيما يشبه عروض الواقع (Reality Shows) الرديئة التي يتخللها القليل من كرة القدم كما يصفها سميث، وكل ذلك لا يحتاج إلى أي مخططات أو مؤامرات كما أسلفنا، بل في كثير من الأحيان تكون القيمة الجوهرية التي تقف خلفه هي الجهل التام بأثره الجمعي أصلا، ببساطة لأن رغبة الناس في الربح والشهرة كافية لدفع الواقع نحو أكثر صوره تطرفا وانتهازية ووضاعة.

   

تسقط القمصان الضيقة

بعض الآراء تُصمّم على أن حقبة التسعينيات كانت الأفضل على الإطلاق لأسباب عاطفية بحتة، مثل كراهية البعض للقمصان الضيقة التي يرتديها اللاعبون الآن

رويترز
   

هذه مشكلة أخرى من مشكلات منصات التواصل الاجتماعي بالمناسبة، أن الصورة التي تصل إليك هي الأكثر تطرفا على الأغلب. لا أحد يتحدث عن آلاف اللاعبين الذين لا ينشطون على حسابات التواصل ولا يهتمون بتصوير رحلاتهم وطعامهم ومنازلهم وسياراتهم الجديدة ولا يرون كل ذلك وسيلة مناسبة للتربح، بل ويعتبرونه -كأي شخص طبيعي- اختراقا لخصوصيتهم.

  

هذا هو الجانب الآخر من القصة، والذي لا تُدركه هذه النظرة الأحادية للأمور، أن ما يجعلك تشعر بأن كرة القدم بأكملها صارت عبارة عن منشورات إنستغرام وأحذية جديدة وقصّات شعر وإعلانات مياه غازية هو أن الجمهور هو من يختار التركيز على هذه الأمور دونا عن غيرها، أن الجمهور يشارك بجزء مهم في تسليع اللاعبين، إن لم يكن الجزء الأهم فعلا. (7) (8)

  

أيضا هذا هو ما يمنحك الانطباع الخاطئ أن اللعبة قد اختُزلت في نجم واحد أو اثنين أو ثلاثة، وأن عدد المواهب تراجع عن حقبة التسعينيات وبداية الألفية، وهي نظرية شائعة للغاية تكاد تسيطر على عقول كل مشجعي اللعبة والشغوفين بها، حتى المعترضين على الواقع منهم. صحيح أن التنافسية تتراجع بانتظام منذ تطبيق قانون بوسمان، وصحيح أن الفِرَق الصغيرة صارت أقل قدرة على الاحتفاظ بنجومها، ولكن ما هو صحيح أيضا أن هناك العديد من اللاعبين الرائعين لا ينالون ما يستحقونه من تقدير، وبعضهم لا يشعر الناس بوجوده من الأساس. لماذا؟ لأن الوجود صار يُقاس بالنشاط الدرامي والإعلامي والاجتماعي للاعب. دائرة مفرغة يصعب الفكاك منها.

    

إدراك كلوزه مقصور على الحالات المتطرفة ذائعة الصيت والشهرة، وجعله يعتقد أن "كل" اللاعبين لا يهتمون إلا بأحذيتهم وسياراتهم وحساباتهم على مواقع التواصل

مواقع التواصل 
    

بعض الآراء تُصمّم على أن حقبة التسعينيات كانت الأفضل على الإطلاق لأسباب عاطفية بحتة، مثل كراهية البعض للقمصان الضيقة التي يرتديها اللاعبون الآن، أو توهج منتخبات مثل بلغاريا ورومانيا وغيرها، أو الذكريات التي تركها بعض اللاعبين في نفوسهم، وهذه هي الحالة الأوضح للنوستالجيا المضرة كما يصفها علم النفس، أي أن تظل حبيسا لماضٍ مُنتهٍ لا يمكن إعادة إحيائه، على العكس من أن تتذكّر صديقا قديما مثلا فتهاتفه لتستعيد بعض الذكريات السعيدة. (9) (10) (11)

  

الأهم أن هذه الحالة هي متوالية لا نهائية ستصل بنا لاستنتاج أن أول 11 لاعبا ركلوا الكرة كانوا الأروع على الإطلاق. أحد محرري "Four Four Two" الواقعين في غرام الحقبة ذاتها وهو جيمس أودّي كتب أن والده كان يحكي له عن إيدي غراي نجم ليدز يونايتد في الستينيات والسبعينيات، وكان يتأثر بشدة وهو يقص عليه كيف ساعد الفريق على هزيمة بيرنلي في ملعب أشبه بالمستنقع. من وجهة نظره تلك كانت كرة القدم الحقيقية، ومقارنة بها يبدو نجوم الثمانينيات والتسعينيات مجموعة من المرفهين المدللين الذين أفسدتهم الأموال الطائلة. (12)

    

ثقوب سوداء

هذه هي المشكلة الحقيقية؛ كيف تقيس قيمة نسبية للغاية تتغير من جيل لآخر مثل روعة الماضي؟ ببساطة لا يمكنك ذلك، وهذه هي الحقيقة التي نرفض الاعتراف بها لأنها مجرد حقيقة، ليست قصة جذابة يمكن مشاركتها على فيسبوك أو إنستغرام لتثير الجدل والتفاعل. تلك قد تكون المشكلة الأكبر في تصريحات كلوزه إن صحّت؛ أنها، على الرغم من وجاهتها، كانت تصريحات عاطفية للغاية بدورها، ببساطة لأنها تجاهلت المتطلبات التي يفرضها هذا العصر وهذه النسخة من اللعبة التي يكرهها كلوزه والكثيرون غيره ويعتبرونها غير حقيقية، مثل تزايد حجم الضغط الإعلامي الواقع على لاعبي اليوم لأضعاف مضاعفة عمّا كان يتعرض له هو أو أيٌّ من زملائه، وتوحش طموحات الجماهير لدرجات غير مسبوقة، وتعرّض اللاعبين، حتى الأكثر انطوائية وانعزالا منهم، لتدخّل المشجعين في حياتهم وتفاصيلها، بالإضافة إلى زيادة عدد البطولات والمباريات والأعباء البدنية لحدٍّ استثنائي لم تشهده اللعبة من قبل.

    

  

الأهم أن تصريحاته تجعله ضحية مثالية لقوة إيحاء منصات التواصل الاجتماعي، واستخدامه للتعميم يجعله مثالا واضحا على معضلة هذا الجيل تحديدا، المعضلة التي تجعله يكره الواقع الجديد بشدة ولكنه لا يملك إلا أدوات هذا الواقع للتعبير عن مشاعره، هذا ما يجعل إدراكه مقصورا على الحالات المتطرفة ذائعة الصيت والشهرة، ويجعله يعتقد أن "كل" اللاعبين لا يهتمون إلا بأحذيتهم وسياراتهم وحساباتهم على مواقع التواصل، وأن "كل" اللاعبين كسالى عديمو الأخلاق والتمييز، بينما الحقيقة أنه على الرغم من تزايد عدد هذه النماذج في السنوات الأخيرة فإن الأغلبية الكاسحة ليست كذلك. أصلا نظام الانتخاب الطبيعي على منصات التواصل الاجتماعي يمنع تزايد هذه الحالات عن حدٍّ معين.

  

في الواقع فإن الأكثر منطقية هو القول إن أغلب المشجعين هم مَن يروّجون لهذا النمط من لاعبي كرة القدم والمشاهير عموما، وبدون وعي على الأرجح، وأن هذه النماذج ليست إلا منتجات تحاول تلبية الطلب الجماهيري المتزايد. لو لم يهتم أحد بقصّات الشعر وصور إنستغرام ومسلسلات الانتقالات التي لا تنتهي لما كان لها هذا الانتشار وهذه السيطرة على المشهد.

  

تصريحات كلوزه، والتي تُعبِّر عن رأي الكثيرين من جمهور كرة القدم، تحمل شيئا من الوجاهة وشيئا من الحمق في الوقت ذاته، ببساطة لأنها تفترض أن هناك طرفا ما في هذه المعادلة يمكن عزله عن باقي المعطيات وتحميله مسؤولية تدهور اللعبة سواء كان هذا التدهور نسبيا أو مطلقا. العدمية ليست الحل طبعا. في الواقع نحن لا نعلم ما الحل، ولكن إن كان موجودا فأولى خطواته ستكون الكفّ عن التظاهر أن هناك ثقبا أسود يأتي منه كل اللاعبين الجشعين المستهترين الذين يفسدون واقع كرة القدم بمنشوراتهم وصورهم وأحذيتهم وسياراتهم.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار