انضم إلينا
اغلاق
كأس السوبر الإسباني الجديد.. ما وراء الحرب الباردة

كأس السوبر الإسباني الجديد.. ما وراء الحرب الباردة

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

كأس السوبر الذي نعرفه يُقام عادة في بداية الموسم بين فريقين هما بطل الدوري وبطل الكأس، أو مَن ينوب عن أحدهما حال جمع فريق واحد للثنائية المحلية. تختلف الأسماء والأنظمة، ففي ألمانيا هو مباراة واحدة في مطلع الموسم، وفي إنجلترا يسمى الدرع الخيرية ويعامل كبطولة ودية في بداية الموسم أيضا، وفي إيطاليا يُلعب في منتصف الموسم خارج الحدود الإيطالية أصلا، فيما كانت إسبانيا تتفرد بنظام الذهاب والعودة بين الكبار، قبل أن تتنازل عنه الموسم الماضي، وقبل أن تستحدث ما لم يأتِ به سواها حتى الآن لهذا الموسم.

  

لماذا نحن هنا؟

بينما أجرى الاتحاد الإسباني تعديله بنقل المسابقة لمنتصف الموسم وإلى خارج الحدود الإسبانية على غرار إيطاليا، استحدث عليها بدعة التحول إلى دورة إقصائية رباعية، مخلا بجوهر ما يُسمى بالسوبر الذي يجمع بين بطلين بالأصل، فبات الآن بطل الدوري وبطل الكأس يتقاسمان بطولتهما التي كانت حكرا، مع وصيف الدوري ووصيف الكأس، وحال جمع أحد الأندية لصفتين من الأربعة، يتم اختيار صاحب أفضل نتيجة تالية في الدوري.

  

بناء عليه تأهل برشلونة بطل الليغا وفالنسيا بطل الكأس، ورافقهما أتلتيكو مدريد بوصافة الدوري، وبما أن برشلونة هو وصيف الكأس أيضا، انضم ريال مدريد ثالث الليغا كصاحب النتيجة التالية الأفضل، في النسخة الأولى من نوعها والتي ستقام على أراضي المملكة العربية السعودية. في نصف النهائي يلتقي بطل الكأس مع وصيف الدوري، فيما يلتقي بطل الدوري بوصيف الكأس، أي إن فالنسيا سيلتقي بأتلتيكو مدريد فيما يصطدم برشلونة وريال مدريد، كون البلوغرانا يجمع بين بطولة الدوري ووصافة الكأس، وبالتالي انتقلت البطاقة الرابعة إلى الميرينغي. (1)

      


    

لأول وهلة تجد العديد من الاعتراضات المنطقية، فمثلا كيف يمكن لثالث الليغا أن يصبح بطلا للسوبر دون أن يكون طرفا في نهائي الكأس حتى؟ الأمر لا علاقة له بريال مدريد على وجه التحديد، بل القاعدة العامة، والتي تصادف أن ريال مدريد قد استفاد منها هذا الموسم، في العام المقبل قد يمكننا قول الشيء ذاته على برشلونة أو أتلتيكو أو غيرهما، ولكن إن وضعنا بطولة السوبر في نصابها الصحيح كأقل بطولات الموسم قيمة وأهمية ونظرنا إلى الصورة الأكبر، ربما ينتهي بنا الأمر بتوجيه التحية للاتحاد الإسباني.

  

الغنائم

ما الذي يفترض بالكرة الإسبانية أن تجنيه من هذا المقترح سوى إرهاق اللاعبين بالسفر واللعب خلال عطلة الشتاء الاعتيادية في إسبانيا؟ الإجابة الأولى ستكون الأموال، وبالفعل قيمة الاتفاق بين الاتحاد الإسباني وبين السعودية تُقدَّر بـ180 مليون يورو في 6 أعوام أي 30 مليون يورو سنويا، رقم ما كان ليجنيه بسهولة من النظام المعتاد للبطولة حتى وإن نجح في ضمان وصول برشلونة وريال مدريد لخوض الكلاسيكو في السوبر كل موسم. (1)

   

يقودنا هذا إلى نقطة أخرى، كون الليغا ترتكز تسويقيا على الميرينغي والبلوغرانا مهما حاول البعض إثبات العكس، ومهما بلغت عراقة الأندية الأخرى وقيمتها ليس فقط لمشجعيها بل لمحبي الليغا بوجه عام، ولكن حين نتحدث عن وجوه تسويقية تحوز شعبية ضخمة في جميع أنحاء العالم، لن تجد سوى طرفي الكلاسيكو، والنظام الجديد هو أقرب صيغة ممكنة لضمان وجودهما معا في كل عام، والكل يريد رؤية الكلاسيكو إن أمكن، فما بالك حين يُنقل إلى بلده؟

   

  

كمواطن سعودي أيهما تُفضِّل؟ مباراة بين برشلونة وأتلتيكو مدريد؟ أم 3 مباريات تشهد لقاء ريال مدريد ببرشلونة في نصف النهائي أو قتالهما على الجبهتين لأجل فرصة التصادم في النهائي؟ الخيار الثاني يبدو أكثر إغراء، وبما أنه من المستحيل ضمان أن يفوز الكبيران بلقب لكلٍّ منهما في كل موسم، فعلى الأقل يمكننا الجزم بصعوبة تراجع أحدهما لما وراء المركز الثالث، وبالتالي استمرار هذا الأمر ونجاحه سيقود لارتفاع المقابل المادي من ناحية، ولمزيد من الشعبية والتسويق من الناحية الأخرى، وتلك النقطة الأخيرة تحديدا هي سر كل التعديلات التي تحاول منظومة الكرة الإسبانية إدخالها بين ما نجح منها وما فشل.

   

حرب أنتجت أخرى..

نختلف قدر اختلافنا، لا يمكن لأحد إنكار حقيقة أن الدوري الإنجليزي هو الأقوى تسويقيا على الإطلاق بين أقرانه كافة، وبالتالي ما نحن أمامه الآن هو جزء من هوس الإدارة الإسبانية بالارتقاء في تلك المنافسة، فحتى لو احتفظ الليغا بقدرة أكبر على اجتذاب اللاعبين، وحتى لو فرضت أنديته سيطرة طويلة على البطولات الأوروبية وصولا إلى شبه الاحتكار الذي دام حتى 2017-2018، يظل التوسع في الحقل التسويقي ضرورة حتمية للنجاح في تلك المنافسة.

  

البريميرليغ هنا لا يرتكز فقط على عراقة أنديته وشعبيتهم الجارفة خارج الحدود، هم أباطرة التسويق بطبيعتهم، لديهم صحافة قوية للغاية، لديهم ميزة اللغة الأكثر انتشارا في العالم بعكس الإسبانية، لديهم أيضا طرق خلّاقة في ربط الجماهير بالبطولة، لعبة "Fantasy" تظل أبرز الأمثلة في هذا الجانب، فهناك الكثير ممن يشاهدون المزيد من المباريات فقط لمتابعة لاعبيه، وانظروا إلى تطور اللعبة على مر الأعوام، هل جربت أن تلعب شيئا مشابها يخص الدوري الإسباني أصلا؟

         

الدوري الانجليزي "البريميرليغ" (غيتي إيميجز)

    

لنواجه الواقع، الإنجليز لا يقهرون في تلك الجوانب، لذلك لم يكن أمام الاتحاد الإسباني سوى الخروج بحلول مختلفة، بكلمات أخرى؛ الإسبان مضطرون للخروج إلى مساحات لن يذهب لها الإنجليز، الكل يعرف تلك النعرة القومية الجارفة جيدا كطبع مترسخ، فما بالك بكرة القدم التي ينسبون لأنفسهم فضل وجودها من الأصل؟ دائما ما ستجد التفرد أو السعي إلى التفرد في بريطانيا، سوق الانتقالات بات ينتهي قبل بداية الدوري عكس الأغلبية، آخر بلد بين الكبار سمح بإدخال تقنية الفيديو في الدوري، وحين أدخله لجأ لقواعد مختلفة بعض الشيء عن المعتاد، هل يبدو لك هذا كبلد سيسمح بلعب مبارياته الرسمية خارج الديار؟ (2)

  

تلك التحركات لم تكن وليدة اللحظة، فتلك الحرب الباردة التي تشنّها الليغا ضد البريميرليغ قد فتحت الباب أمام حرب معلنة وغير باردة على الإطلاق، بين لويس روبيالس رئيس الاتحاد الإسباني من جهة، وخافيير تيباس رئيس رابطة الليغا من الجهة الأخرى، فأول من سار في طريق الخروج بالمنافسات إلى خارج إسبانيا كان تيباس في الموسم الماضي، حين بذل قصارى جهده لنقل مباراة واحدة من الدوري إلى ميامي في الولايات المتحدة الأميركية.

  

فكرة تيباس على مساوئها بتكليف فريقين (برشلونة وجيرونا وفقا لما استقر عليه الأمر) مشقة السفر إلى أميركا ذهابا وإيابا أثناء ازدحام الموسم في بدايات نصفه الثاني، إلا أنها تحمل رؤية مميزة للأمانة في إطار منافسة الإنجليز، ليس فقط لأنهم ليسوا من النوع الذي سيخرج بمنافساته إلى خارج بلاده، بل لأنهم لو قرروا الخروج، فبالنظر للنزاع الشعوبي المستتر بين إنجلترا والولايات المتحدة على خلفية نهايات الحرب العالمية الثانية، فلن تكون تلك هي الوجهة المفضلة أبدا، وعلى الرغم من أن كرة القدم ليست اللعبة المفضلة في أميركا، فإنها قوة بشرية هائلة على صعيد العدد والتطور، بالتالي لو نجحت الخطة التسويقية لاجتذابها في جانب معين بشكل تام، فسيكون هذا الجانب محظوظا للغاية.

    

"خافيير تيباس" رئيس رابطة الليغا  (رويترز)

  

تيباس قاتل كثيرا لإنجاح تلك التجربة، ولكنه اصطدم برفض أغلبية الأندية واتحاد اللاعبين، وبينما كانت المفاوضات تواصل التأرجح هنا وهناك، خرج روبيالس وأعلن انضمامه لمعسكر الرافضين دون أمل في زحزحته خطوة واحدة عن موقفه، لتزداد الكفة ثقلا ويتوفى مشروع تيباس في نهاية المطاف، ثم يخرج روبيالس بمشروعه الخاص مع السعودية في كأس السوبر، ليحقق الفائدة التسويقية دون أن يخل باستمرار إقامة الدوري حيث يجب أن يُقام. (3)

   

الأمر بدوره لم ينتهِ هنا، إذ اصطدم روبيالس وتيباس مجددا على خلفية رفض الأول لإقامة مباريات الليغا يومي الجمعة والاثنين، الأمر الذي اعتبره تيباس إساءة لاستخدام السلطات وتدخلا مباشرا في صلاحياته، ليذهب الأمر إلى المحكمة ويأخذ الصراع طابع العلنية بشكل نهائي، وإزاء تمسك روبيالس بمنع اللعب يوم الاثنين مع إظهاره التساهل بشأن الجمعة، خرج الحكم تماما كما تمناه بوقف اللعب يوم الاثنين والسماح بالجمعة، لتصبح الرابطة مجبرة على إنهاء جميع جولاتها يوم الأحد عدا الجولات القليلة التي تبدأ يوم الثلاثاء. الأمر بات أشبه بنهاية الحرب العالمية الثانية حقا، إذ خرجت إنجلترا لقتال ألمانيا ففازت الولايات المتحدة بسيادة العالم، تماما كما خرج تيباس لقتال البريميرليغ ففرض روبيالس سيطرته على الكرة الإسبانية. (4)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار