انضم إلينا
اغلاق
من تشافي إلى كيكي سيتين.. الرجل الصحيح في الوقت الخاطئ؟

من تشافي إلى كيكي سيتين.. الرجل الصحيح في الوقت الخاطئ؟

صابر محمد

محرر بقسم الرياضة
  • ض
  • ض

في دراسة أجراها البروفيسور الجامعي النرويجي "جير غورديت" حول دور الرؤية والإدراك والترقُّب في الأداء الرياضي بالمستوى العالي، قام بمتابعة تسجيلات فيديو لنحو 250 لاعبا وتحليل ما يقومون به قبل استلام الكرة، وجد أن لاعب ليفربول التاريخي ستيفن جيرارد كان يتفقّد محيطه قبل وصول الكرة له بمعدل مرة كل 1.39 ثانية، ويرتفع الرقم لدى زميله المعتزل فرانك لمبارد إلى مرة كل 1.38 ثانية، لكن الرقم الأعلى الذي وجده كان للإسباني تشافي هيرنانديز الذي كان يتفقّد محيطه مرة كل 1.17 ثانية قبل وصول الكرة إليه، وعندما ربط البروفيسور ذلك الأمر مع نسبة نجاح التمرير وجد أن اللاعبين أصحاب معدلات التفقُّد الأعلى يحظون بدقة تمريرات أفضل وقرارات أكثر إيجابية وتأثيرا على مُجريات اللعب. (1)

   

"لقد قضيت حياتي كلها بحثا عن المساحات، وكسر خطوط الضغط.. يبحث عقلي دائما عن حلول ضد موجات الضغط وإيجاد زوايا التمرير، لقد تفقَّدت محيطي وبحثت في كل زاوية مُمكنة، وهو الأمر الذي جعلهم في برشلونة يُشبِّهونني بـ "طاردة الأرواح الشريرة" على الرغم من أنني لا أُدير رأسي 360 درجة مثلها (يضحك)، لكن هناك بعض المباريات التي تفقَّدت بها محيطي 500 مرة لتحليل ما يحدث حولي، عقلي يعمل مثل المعالج، يجمع المعلومات ويُخزِّن البيانات، لأجل ذلك يساعدني التفقُّد والنظر حولي كثيرا، إنه أمر حاسم أن تكون قادرا على تحديد موقعك، ومواقع زملائك وخصومك، وكل ذلك مرتبط بعامل الوقت، يجب التركيز على كل التفاصيل، فأنا أنظر في كل مكان للبحث عن المساحات، محاولا كسب وقت للتفكير السابق، خاصة إذا ذهبت الكرة إلى الأطراف أو خرجت لركنية، حتى لا أخسر وقتا، وخسارة الوقت في كرة القدم كخسارة الذهب، إنه العُملة الأهم" - تشافي هيرنانديز.

  

هكذا يُفسِّر تشافي أهم وظائفه على أرضية الملعب حينما كان لاعبا، لقد كان دائم التطلُّع والبحث عن المساحات، وإذا توقَّفنا قليلا سنُدرك أن المساحة الوحيدة التي يبحث عنها تشافي منذ خروجه من أوروبا وذهابه إلى قطر هي تلك المساحة المرغوبة خارج خطّ تماس ملعب كامب نو، وتحديدا الدكة الفنية لفريق نادي برشلونة.

    

  

رومانسية عمياء

من الوهلة الأولى، بدت فكرة الإطاحة بإرنيستو فالفيردي لحساب تشافي فكرة رومانسية من الدرجة الأولى لجمهور البارسا الذي رغب جامحا في الإطاحة بفالفيردي لحساب أي اسم كان، أملا في رؤية مُنتج كروي جديد بدلا من ذلك الذي أصابهم بأنواع الملل والفتور كافة، علاوة على خسارتهم جزءا كبيرا من الاحترام والوقار بين أقرانهم من المشجعين بسبب فضائح دوري الأبطال المدوية التي تلقّاها الفريق في آخر نسختين أمام روما وليفربول.

  

من الناحية العملية، يعلم تشافي هيرنانديز أن تلك الخطوة محفوفة بالمخاطر، حيث لم يُكمل العام على كونه مديرا فنيا، فقد بدأ رحلته التدريبية مع السد القطري في شهر يوليو/تموز من العام المنصرم، وبعكس قطاع كبير من جمهور البارسا يُدرك تشافي ألّا مكان للرومانسيات عندما يتعلّق الأمر بتدريب برشلونة، إذ يُشبّه البعض قصة تدريب تشافي للبارسا بقصة بيب غوارديولا، مُدّعيا أن التاريخ يُعيد نفسه، وبالنظر يمكننا حقا إيجاد العديد من أوجه التشابه بين القصتين، لكن الفجوة الكبيرة تكمن في فترة البناء والتحضير.

     

تشافي هيرنانديز (وكالة الأنباء الأوروبية)

    

فقد صال وجال غوارديولا حول العالم بعد رحيله لاعبا من البارسا عام 2001، ليوطّد معرفته الكروية ويبني نفسه كمدرب مُتَّبِعا نهجا إستراتيجيا على مستوى قراراته الانتقالية، فكان كل انتقال له يحمل غرضا معرفيا تحضيرا لمسيرته بعد الاعتزال، فقد رحل من برشلونة إلى بريشيا الإيطالي تحديدا ودونا عن غيره من الأندية لمجاورة مدرب الفريق آنذاك "كارلو ماتزوني"، الرجل الذي يُكِنُّ له بيب كل الاعتزاز نظرا لكمِّ المعرفة والخبرة التي نقلها له. بعدها رحل بيب إلى روما للعمل تحت قيادة فابيو كابيلو، ومن ثم الأهلي القطري، وأخيرا إلى أميركا الجنوبية وتحديدا نحو المكسيك، البلد الذي حظي فيه بالتحوُّل الأكبر على مستوى العلم والمعرفة، حيث سنحت له الفرصة بالعمل مع أحد أكبر العارفين، خوانما ليو، الذي أضاف له الكثير والذي قدَّمه بدوره إلى ريكاردو لافولبي ومارسيلو بيلسا. (2) (3)

  

وبالرغم من طول الرحلة المعرفية فإن غوارديولا بدأ مسيرته التدريبية من دوري الدرجة الثالثة الإسباني مع رديف برشلونة، نجح معهم في الصعود والترقِّي للدرجة الثانية، ومن ثم جاءت فرصة تدريب الفريق الأول، استغرقت الرحلة قرابة 10 سنوات من التحضير إلى أن حصل بيب على وظيفة الرجل الأول في برشلونة، وهو ليس الحال نفسه مع تشافي، لا نضع رحلة غوارديولا كقاعدة للتعميم، فقد يُصبح تشافي مدربا ناجحا للبارسا، لكن متى؟ ذلك هو السؤال المطروح، ولحسن الحظ أدرك تشافي كل ذلك ورفض تولِّي المهمة في الوقت الحالي، لأن الوضع في برشلونة لا يحتمل التجارب نظرا لفشل الإدارة في التعامل مع معظم الملفات الرياضية، نتحدّث عن قوام أساسي للفريق في مرحلة الشيخوخة بدون أي تغييرات حيوية، فريق فقد الكثير من بريقه واحترامه على المستوى الأوروبي، وبيئة محيطة مُلتهِبة تضغط لإجراء انتخابات مبكرة، وأخيرا غرفة ملابس مُتشبعة بها العديد من الأصدقاء الذين يُديرون فريق الكرة بحسب الأهواء والعواطف.

     

  

غوارديولا بدون كرويف

داخل كرة القدم وخارجها، كثيرة هي النماذج على مدار التاريخ التي أثبتت أن النجاح أو الفشل لا يأتون مصادفة، في كرة القدم، وخلال العقد الأخير تحديدا، صعدت العديد من المشاريع الكروية وانحطّت أخرى، كل مشروع يأتي بأسبابه الخاصة وطفرته الذاتية التي تُضفي عليه طابع الخصوصية وتُميِّزه عن غيره، لكن هناك إطار عام لا تخرج عنه الوصفة، أهم قواعده هو وجود إدارة ماهرة تُخطِّط للنجاح وتحترم التخصُّص، وللمفارقة، فإن برشلونة نفسه -بدايات الألفية- هو أول مَن صدّق على تلك المبادئ التي أحدث من خلالها ثورة اقتصادية ورياضية في اللعبة الأكثر تعقيدا، تربَّع من خلالها على عرش كرة القدم العالمية مُكوِّنا جيلا يُصنِّفه بعضهم كأفضل جيل في تاريخ اللعبة.

  
عام 1997، تكوَّنت حركة عُرفت آنذاك في الأوساط الرياضية الكتالونية باسم "الفيل الأزرق" (L’Elefant Blau)، وهي حركة كوَّنها خوان لابورتا رفقة العديد من رجال الأعمال والشخصيات العامة أصحاب الفكر المشترك كحركة مُعارضِة لسلطة رئيس البارسا حينها جوزيب نونيز، والذي كان يقضي عامه التاسع عشر رئيسا للنادي وأراد توجيه هوية البارسا في أواخر عهده نحو نموذج ترفيهي على الطراز الأميركي. دعا بيان الحركة إلى مزيد من الشفافية في الإجراءات المحاسبية للنادي، وتحديد مدة الرئاسة وجعلها أربع سنوات للفترة الواحدة. كان لابورتا محامي يوهان كرويف، ويمكننا سرد العديد من المجلدات عن مكانة كرويف في المجتمع الكتالوني كقيمة رياضية وفكرية غير قابلة للمساس، وهو ما استفاد منه لابورتا كثيرا في الحركة التي كانت تهدف لإعادة تأكيد هوية نادي برشلونة باعتباره مؤسسة رياضية وثقافية في المقام الأول، مع التركيز على المجتمع كعنصر الأساس للنادي. نجحت الحركة بعد سنوات وأتت بثمارها عندما أدرك المجتمع الكتالوني أن لابورتا هو الرجل المطلوب، إذ أصبح رئيسا للنادي عام 2003 بعدما فاز بالانتخابات بنسبة 52.25% من إجمالي الأصوات. (4) (5)

  

جاء لابورتا ومعه جيل كُفء من المديرين الشباب، ساندرو روسيل كان نائبا له، فيران سوريانو -مانشستر سيتي حاليا- مديرا ماليا، بالإضافة إلى مارك أنجلا وخوليو ساليناس، بينما كان شارلي ريكساش وتشيكي بيغريستان -مانشستر سيتي حاليا- المديرين الرياضيين للمشروع، كل ذلك بدعم ومباركة يوهان كرويف. أحدث ذلك الجيل تغييرات حقيقية في النادي، وعملوا على تعزيز النادي اقتصاديا واجتماعيا، واضعين حجر الأساس لفريق تنافسي فائز من شأنه أن يُعزِّز البُعد الاجتماعي والرياضي للنادي محليا وعالميا، ويُعيد الفريق للواجهة من جديد، وبالفعل نجحوا في تحويل الفريق الذي لم يُحقِّق أي بطولة طيلة 4 سنوات إلى بطل لأوروبا عام 2006، بعدما استعصت البطولة على البارسا لمدة 15 عاما والتي جاءت بمنزلة التكريم لإدارة لابورتا على كل ما قامت به خلال 3 سنوات. (6)

    

  
انتهت حقبة ريكارد بـ 5 بطولات، واضعا نهاية للموجة الأولى من ثورة إدارة لابورتا، ومُسلِّما الراية لبيب غوارديولا الذي سيُشعل بدوره شرارة الثورة الأكبر في كرة القدم الحديثة، لكن دعنا نتوقف هنا ونَعُد بشريط الأحداث للوراء قليلا، حيث الفترة التي عاش مثلها البارسا في آخر أسبوعين، انتهى وقت ريكارد وتتطلّع الإدارة لتعيين مدرب جديد، هناك قائمة كبيرة من المرشحين تقلّصت إلى اسمين وهما جوزيه مورينيو وبيب غوارديولا، أحدهما هو الاسم الأكثر بريقا في سماء الكرة الأوروبية -في ذلك التوقيت-، والآخر بالكاد يشق طريقه في عالم التدريب. انقسمت الصفوف داخل إدارة البارسا، أراد لابورتا مورينيو باعتباره الخيار الأكثر منطقية وضمانا، تواصل معه وعقد معه عدّة اجتماعات لدراسة إمكانية تولّيه زمام الأمور، بينما وقف كرويف وتشيكي في صف غوارديولا باعتباره الأنسب والأكثر وفاء لتقاليد وفلسفة النادي، وفي النهاية خضع لابورتا لآراء الفنيين وتم تعيين بيب غوارديولا مدربا للبارسا على الرغم من كونه الخيار الأكثر خطورة وأقل منطقية. (7) (8)

   

تُلقي تلك الواقعة بظلالها على ما حدث مؤخرا، طارحة عدة أسئلة: ماذا لو كانت الإدارة الحالية هي المسؤولة حينئذ؟ هل كانت ستخضع لآراء الفنيين أم تتجاهلها؟ ماذا لو اختاروا مورينيو بدلا من غوارديولا؟ ما مستوى جودة صُنّاع القرار الرياضي في البارسا حاليا؟ هل يمكن مقارنة تشيكي وكرويف بكلٍّ من أبيدال وبلانيس وبارتوميو؟ في الغالب لن نحتاج إلى إجابات عن تلك الأسئلة، فقد أجابت الأحداث وحكم التاريخ.

   
أراد بارتوميو تصدير تشافي للمشهد العام لامتصاص الغضب وإسكات الجمهور من جهة، كما أراد ضرب مشروع فيكتور فونت -المرشح الرئاسي المحتمل- من جهة أخرى، فمن المعلوم أن تشافي هو أهم كادر في حملة فونت الانتخابية، وفكرة ضمِّه في الوقت الحالي من قِبل بارتوميو بحجة سوء الأوضاع كان من شأنها إضعاف موقف فونت الانتخابي بعد انضمام أهم رجاله إلى منافس مباشر. حتى لو أدّى ذلك الانضمام في النهاية إلى فشل تشافي، فقد اتخذ الرئيس القرار نيابة عن المدير الرياضي وأراد تكرار تجربة غوارديولا مع تشافي، ضاربا بعرض الحائط مبادئ الاحترافية والمهنية والتخصُّص، والاعتبارات والظروف كافة المذكورة أعلاه، معتبرا أن حل المشكلة سيكون بتبديل شخص بآخر بغض النظر عن السياق، وما هي إلا "ضغطة زر" وسيكون كل شيء على ما يُرام، وعلى المتضرر اللجوء إلى السماء أو إلى قبر يوهان كرويف، على أن نلتقي قريبا في الانتخابات المقبلة. (9)

    

رئيس نادي برشلونة "جوسيب ماريا بارتوميو" (وكالة الأناضول)

    

"يحتوى مشروعي على هيكل رياضي سيكون تشافي هيرنانديز هو حجر الأساس به، نملك علاقة جيدا ونتواصل بشكل شبه يومي، نريد تهيئة ظروف تسمح لأشخاص مثل تشافي بتداول سلطة ومسؤولية في مشروع كرة القدم للسنوات العشر القادمة، بغض النظر عما إذا كانوا يُدرِّبون الفريق الأول أم لا. لا يمكننا تحمُّل خسائر أخرى مثل بيب غوارديولا. سيكون لدينا مجلس إدارة لن يكون فيه سلطة لأي شخص لا ينتمي لكرة القدم بالمشاركة في القرارات الرياضية، الطريقة التي تعامل بها فالفيردي من الإدارة الحالية غير مهنية، الذهاب لخيارات مثل بوتيتشينو يدل على عدم وجود مشروع رياضي واضح المعالم، تشافي شخصيا تفاجأ من تواصل البارسا معه في ذلك التوقيت، كان له حرية الاختيار، أنا لم أُلزمه بعقد لإيماني التام بأن كوادر البارسا ملك للبارسا وليست ملكا لأي شخص" - فيكتور فونت. (10)

  

كيكي سيتين

"نحن هنا جميعا، أنا وأنتم والرئيس، إذا كان لديكم أي شكوك بشأني أو بشأن قرار تعييني أخبروني مباشرة هنا والآن.. يجب علينا الإمساك بأي مشكلة من الجذور".

  

هكذا افتتح كيكي سيتين خطابه مع لاعبي البارسا لحظة تقديمه من قِبل بارتوميو إلى لاعبي الفريق داخل غرفة الملابس قبل إجراء الحصة التدريبية الأولى له في ساحة خوان غامبر، هكذا بدا سيتين واضحا من اللحظة الأولى أمام الجميع في اللحظة التي يُتوقَّع فيها تبادل التحيات والإطراءات مع بعض الوعود المعسولة، ولعل تلك الخطفة جعلت بعض لاعبي الفريق يتساءلون سرا فيما بينهم عن ماهية ذلك الرجل الذي لا يملك في سجله بطولة واحدة ويتحدّث بمنتهى الحِدّة أمام مجموعة من أفضل لاعبي العالم، لكن من جهة أخرى لا يبدو ذلك غريبا على الرجل الذي عمل تحت قيادة لويس أراغونيس وعشق يوهان كرويف. (11)

    

  
بالنظر إلى كيكي سيتين كمدرب، رُبما تخيَّل البعض توجُّه سيتين إلى الدراسات الأكاديمية مباشرة فور اعتزاله كرة القدم لإثقال معرفته التدريبيبة تجهيزا لدخوله عالم التدريب، لكن هذا ليس ما حدث بالضبط، فبدلا من ذلك توجَّه كيكي سيتين إلى كرة القدم الشاطئية، اللعبة التي ناسبت إمكانياته التقنية الفذّة كلاعب، واللعبة التي تربّى عليها صغيرا على شواطئ سانتاندير حتى أصبح لاعبا دوليا في المنتخب الإسباني للكرة الشاطئية إلى أن اعتزل اللعب نهائيا بعد 5 سنوات. لن يندهش مَن يعرف ذلك الرجل جيدا، فهو كائن بوهيمي يفعل ما يحلو له بحثا عن المتعة والجمال، وهو الطبع الذي ألقى عليه بتُهم الرومانسية والتشدُّد عبر أقلام النُّقاد. (12)

   
حصل سيتين على وظيفة تدريب راسينغ سانتاندير، النادي القابع في الدرجة الثانية، كأول وظيفة رسمية له نظرا لعلاقاته بالمسؤولين هناك، على الرغم من عدم امتلاكه أي خبرات تدريبية في ذلك التوقيت، فقد كانت مقامرة من جانب نادي طفولته، لكنها أثمرت في النهاية، إذ نجح معهم في الترقّي والصعود إلى دوري الدرجة الأولى الإسباني "لا ليغا" بالطريقة والأسلوب الذي اشتهر به مؤخرا؛ كرة قدم جذابة وممتعة قائمة على الحيازة والمبادرة، كان هناك الكثير من التفاؤل بشأن مستقبل ذلك المدرب الذي نجح بدون أي خبرات سابقة، وبدا أن مسيرته ستسبق ناديه ولن تقف عند هذا الحد، خاصة إذا استطاع إثبات نفسه مع الكبار، لكنّ اختلافا مُحتدًّا مع إدارة راسينغ وقتها أفسد كل شيء وأدّى إلى خروجه من النادي، مما يعني تلاشي فرص تدريبه في الدرجة الأولى. (13)

  
قضى سيتين 6 سنوات قاسية، بعد موسمه الباهر مع راسينغ، تولّى تدريب نادي بوليديبورتيفو إيخيدو، ثم أُقِيل بعد أربعة أشهر فقط بسبب توالي الهزائم، مُعقِّبا على ذلك بأن النادي لم يفهم طريقته في اللعب، ثم تولّى تدريب منتخب غينيا الاستوائية قبل أن يعود إلى إسبانيا من خلال بوابة نادي لوغرونيس الذي لم يستطع دفع راتبه، خاصة مع سوء النتائج، فرحل عنهم، واضعا حدًّا لتلك السنوات العجاف.

    

مدرب برشلونة الجديد "كيكي سيتين" (غيتي)

    

إنه لأمر مؤلم أن تكون على مشارف الجنة ثم يُلقى بك إلى الأرض، ذلك ما حدث لسيتين بعد تجربة راسينغ، وبالنظر إلى شخصيته كرجل مبادئ مُتشدِّد، أدرك سيتين أنه بحاجة إلى بيئة تفهمه ويشعر فيها بالقبول والأمان، ولحُسن حظّه وجد تلك البيئة في نادي لوغو الذي تولّى قيادته عام 2009 ونجح في الصعود بهم من دوري الدرجة الثالثة إلى دوري الدرجة الثانية، وللمرة الأولى منذ زمن شهد أسلوبه بعض التقدير في إسبانيا، فقد لعب فريق لوغو بهوية هجومية ثابتة وأفكار واضحة المعالم، الأمر الذي دفع مدربي الخصوم بتشبيههم بـ "بارسا المظاليم"، وأصبح لوغو موجودا دائما في الدرجة الثانية، حيث قضى معهم الرجل، الذي لم يمكث أبدا في مكان لأكثر من موسم، 6 مواسم كاملة شعر فيها كما لو أنه أصبح سير أليكس فيرغسون.(14)

    

"عندما وصلت إلى لوغو، أخبرني الجميع أن الكرة التي ألعبها غير قابلة للتطبيق في السيغوندا، قلت لهم بلى نستطيع، وقضينا 6 سنوات لعبنا فيهم الكرة التي لعبناها في بيتيس ولاس بالماس. لديّ شعار وهو أنني لن أُغيِّر طريقة رؤيتي للأمور، لن أسير ضد إحساسي، لا يهم إذا فاز الفريق أو خسر، ما يجذبني إلى اللعبة هو ما إذا كانت الفِرَق تلعب بشكل جيد، لأن هناك درجات من الجودة والإتقان تتجاوز مفهوم النتيجة، ولأنك إذا لعبت بشكل سيئ وخسرت فلن تخرج بأي استفادة، بينما إذا خسرت وأنت تلعب جيدا فلا يزال لديك شيء ما للبناء عليه وتحسينه.

   
أنا كما أنا دائما، رومانسي يحب كرة القدم، سواء كنت لاعبا أو مدربا أو متفرِّجا، أنا لا أشتري تذاكر لأشاهد فريقا يتقوقع في نصف ملعبه طوال المباراة أملا في مرتدة أو الخروج بأقل الخسائر، لأن ذلك يُعاكس ما ترعرعنا عليه كأطفال، كنا نريد الكرة دائما في أقدامنا، أحببنا كرة القدم لهذا السبب، لذلك لم أستطع مشاهدة منتخب فرنسا في المونديال الأخير وفضَّلت بعض الهوايات الأخرى"

كيكي سيتين. (15)
       

     

بعد تلك العروض مع لوغو، تحرَّكت إدارة لاس بالماس سريعا لنقل كيكي سيتين إلى جزر الكناري، فأصبح سيتين رسميا في لا ليغا بعد 13 عاما من حسرة راسينغ سانتاندير، وصل كيكي إلى قمة الكرة الإسبانية بعد أن تم تجاهله لسنوات لأسباب شخصية وأيديولوجية. لم يستغرق الكثير من الوقت لتثبيت فلسفته في النادي الذي تحوَّل سريعا لملجأ آمن لكل الباحثين عن المتعة والجمال، عُرف لاس بالماس بنشاطه الدائم في أسفل جدول الترتيب مصارعا شبح الهبوط، لكن ذلك لم يكن الوضع مع سيتين الذي أنهى موسمه الأول رفقة الكناري في المركز الحادي عشر، مع تألُّق مجموعة كبيرة من اللاعبين عُرفت من خلال تلك الطريقة وذلك الأسلوب، ثلاثية خط الوسط التي صالت وجالت أمام الكبار، روكي ميسا وفيثينتي غوميز وجوناثان فييرا، بالإضافة إلى تعاقدات مثل خيسي رودريغيز وبرنس بواتينغ فيما بعد، والذين دعموا فكرة الانضمام للاس بالماس وقتها كنادٍ مرتبط بالهجوم والأناقة، بعدما كان وجهة غير مرغوبة. (16)

 
أنهى لاس بالماس موسمه الثاني تحت قيادة كيكي سيتين كأكثر أندية الدوري استحواذا على الكرة، لم يغلبه في ذلك سوى برشلونة، بينما حلَّ خامسا في ترتيب الأهداف المُسجَّلة، 4 فِرَق فقط سجَّلت أكثر، وللمفارقة كانوا أصحاب المراكز الأربعة الأولى في جدول الترتيب حينها، وذلك يُمكِّننا من فهم حسرة مشجعي لاس بالماس حينما أعلن سيتين مغادرته جزر الكناري نحو الأندلس، وتحديدا إلى ريال بيتيس، النادي الذي وجد ذاته في تجربة لاس بالماس فقرر التعاقد مع زعيم تلك العصابة الذي نجح في خلق هوية هجومية لهم بعدما كان بيتيس بعيدا كل البُعد عن تلك النوعية من كرة القدم، يكفي أن نذكر أن بيبي ميل كان مدرب ريال بيتيس قبل وصول كيكي سيتين، وهو ما يعكس لنا كل الحكاية. (17)

      

كيكي سيتين أثناء تدريب فريق ريال بيتيس (رويترز)

     

استلم سيتين فريقا أنهى موسمه للتوّ في المركز الخامس عشر، عمل بالمبادئ والأفكار نفسها التي أوصلته إلى ما هو عليه والتي تعاقد معه ريال بيتيس لأجل تطبيقها دونا عن غيرها، وبالفعل صدّق سيتين سريعا على رهانات إدارة النادي الأندلسي، فكما كان الحال مع لاس بالماس، أصبح متابعو لا ليغا ينتظرون مباريات بيتيس أسبوعيا لنيل حصّتهم من الإشباع الذي ضمنوا وجوده أينما حل وارتحل ذلك الرجل المُتشدِّد الذي يتفنَّن في مُقارعة وإحراج الكبار، فعادت الحياة مرة أخرى لملعب الفيامارين كرويا وإنشائيا، حيث تزامن موسم سيتين الأول مع تجديدات الملعب ليُصبح بمنزلة لوحة بديعة من لوحات الأندلس، فكانت تلك الطفرة الإنشائية بمنزلة الدفعة التي ساعدت فريق سيتين على إنهاء الموسم في المركز السادس بجدول الترتيب.

  

وذلك يعني تأهُّلهم رسميا للمشاركات الأوروبية، ليتذكَّر مشجعو بيتيس ذلك الموسم بالكثير من الحب والامتنان على الرغم من تخبُّط الفريق في الموسم الذي تلاه على مستوى النتائج، لكن الفوز في كامب نو وسانتياغو برنابيو ساعد كيكي وطاقمه في مغادرة الأندلس برأس مرفوعة، خاصة أنه حقق ذلك بطريقته الخاصة، ليبقى سيتين من القلائل الذين أداروا أندية متوسطة وأصرّوا على خلق هوية لها لا تتأثر بحسابات الفوز والخسارة. لم يُقدِّم سيتين أي تنازلات ككثير من زملائه المدربين، حتى في أصعب الظروف ظلّ صارما، ضاربا بقواعد الرأسمالية والمادية عرض الحائط، معتبرا أن كرة القدم هي لُعبة العواطف، وربما كافأته الحياة وانتصرت له مبادئه بعد كل تلك السنوات، مُهدية له وظيفة لم يكن ليحلم بها في أجمل أحلامه.

    

  
"سألعب دائما كرة قدم جيدة، أنا لا أعتقد أن المدرب يجب عليه التكيُّف مع إمكانيات لاعبيه، ذات يوم، جاءني ذلك التساؤل، لكني أدركت وقتها أنني لم أكن أفهم كرة القدم.. سمحت لي مهنة التدريب بالاستمرار في كرة القدم، كما أنني طمحت إلى ذلك، وأعتقد أنني أشبعت غروري بما حقّقت، ليس لديّ الكثير من الطموحات بخصوص المستقبل"

كيكي سيتين. (18)

  

الوظيفة الأصعب على الإطلاق

جرت الرياح بما تشتهي السُّفن لأول مرة منذ زمن بعيد بالنسبة لجمهور البارسا، رحل إرنيستو فالفيردي أخيرا، وإذا كان تشافي لا تنطبق عليه معايير الخبرة لإدارة الموقف الحالي داخل البيت الكتالوني، فإن تلك المعايير ليست بالشيء الكبير بالنسبة لكيكي سيتين، الذي بدأ مسيرته التدريبية منذ نحو 20 عاما، والآن بعد تولّيه من المفترض أن تختلف الأمور، يتوقَّع معظم المشجعين أن الأمور ستكون على ما يُرام، ستعود كرة القدم الجميلة واللعب التمركزي، سيعود الضغط بأشرس صورة ممكنة، وستعود معدلات اللياقة البدنية الجبارة، سيستعيد البارسا أمجاد لاماسيا وسيتم إشراك مواهب الأكاديمية، أليس كذلك؟ نخشى ألّا يكون كذلك.

  
يملك معظم المتابعين فكرة كبيرة عن ماهية كرة القدم التي يلعبها كيكي سيتين؛ يلعب سيتين أكثر أنواع كرة القدم تعقيدا وتطلُّبا، وهي الكرة ذاتها التي "كان" يلعبها البارسا وأصبح غير قادر على تطبيقها بمثالية، لأن المشكلة لم تكن مقتصرة في إرنيستو فالفيردي الذي شهد معه جمهور البارسا كرة قدم جميلة على فترات، مُقدِّما في بعض الأحيان مباريات لا تُنسى مثل كلاسيكو الـ 5 الذي لم يشارك به ليونيل ميسي، وهذا يدفعنا للتساؤل: ما الذي كان يعوق فالفيردي عن تطبيق الكرة التي أرادها جمهور البارسا؟ لأن ما أعاق فالفيردي ربما يعوق كيكي سيتين أيضا، فبمجرد تعيينه لن يُصبح بوسكيتس فجأة قادرا على العَدْو والركض، ولن يستعيد جيرارد بيكيه أيامه الخوالي، لن يتحوَّل سيرجي روبيرتو إلى داني ألفيش، وربما لن يكون ألبا مدافعا أفضل، لن يعود ميسي وسواريز 5 سنوات للوراء ليصبحوا قادرين على الضغط، وقطعا لن تنتهي إصابات ديمبيلي وأومتيتي.

     

أكبر تحدٍّ سيُواجهه سيتين هو محاولة السيطرة على غرفة ملابس البارسا المُدجَّجة بالأسماء العالمية التي اكتسبت ثقلا وصلاحيات كبيرة في عهد فالفيردي

غيتي
    

المشكلة في برشلونة أكبر من تغيير شخص بآخر، تميل الإدارات دائما إلى الخيار الأسهل بتغيير المدرب أو المدير الرياضي لإسكات الجمهور، إذ يُوحي ذلك بشيء من التحسُّن، ولأن تغيير فرد أسهل وأقل تكلفة من تغيير عدد من اللاعبين أو الاصطدام بأساطير الفريق، وهو الحال نفسه في برشلونة كما في بايرن ميونخ، إذن ما التحديات التي تنتظر كيكي سيتين؟

  
أكبر تحدٍّ سيُواجهه سيتين هو محاولة السيطرة على غرفة ملابس البارسا المُدجَّجة بالأسماء العالمية التي اكتسبت ثقلا وصلاحيات كبيرة في عهد فالفيردي، غرفة الملابس التي جلبت باولينيو، وصدّقت على قرار كوتينيو، ورفضت غريزمان، وأجّلت رحيل فالفيردي، وهي المجموعة نفسها التي تضغط بشدة لعودة نيمار حتى لو أضرّ ذلك بالقواعد المنطقية كافة للتوازن الرياضي والمالي، وللمفارقة فإن تلك المجموعة لا تكون أبدا بتلك القوة وذلك الثقل في الملعب، فنرى أشكال الكسل والتراخي والاعتمادية كافة، تتسكّع المجموعة في الملعب بدون ضابط أو رابط. لماذا ينضبطون؟ ما الدافع؟ المدرب صديقهم والدكة فارغة، بالتأكيد لن يُشرك فالفيردي توديبو صاحب الـ 19 عاما على حساب جيرارد بيكيه، ولن يزيح سواريز من أجل غريزمان، ولا يمكننا الحديث عن أرثر الذي لم يَعُد منذ سفره لحضور عيد ميلاد نيمار، بينما يحظى جوردي ألبا بحصانة كبيرة نظرا لصداقته داخل وخارج الملعب مع ميسي. (19) (20)

  

ميسي الذي يعتمد عليه كل مَن في الملعب لصناعة الفارق، حالة من العجز والشلل التام تُصيب كل لاعبي البارسا في كثير من الأوقات، والمُحيِّر أن تأثير تلك البيئة يطول الصفقات الجديدة أيضا، فنجد وجوها جديدة في كل صيف صالوا وجالوا مع أنديتهم قبل مجيئهم للبارسا، لكن بمجرد ارتدائهم ذلك القميص يتحوّلون إلى مجموعة من الأشباح. على سبيل المثال لا الحصر، فيدال برشلونة ليس فيدال يوفي أو بايرن، غريزمان برشلونة ليس غريزمان أتليتي، فيربو برشلونة لا يمت بصلة لفيربو ريال بيتيس، حتى دي يونغ برشلونة بعيد عن دي يونغ أياكس الذي تفوّق على أعتى الخصوم بالموسم الماضي، يحمل كل ذلك ميسي على عاتقه للدرجة التي تدفعه في بعض الأحيان للتوغُّل بهدف الحصول على ركلة حرة، كي يُنفِّذها بنجاح ويضع فريقه في المقدمة، نظرا للعُقم الذي يصيب المجموعة في كثير من الأوقات.

    

  
أحد أكبر التحديات التي ستواجه كيكي سيتين هو ارتفاع مُعدَّل أعمار القوام الأساسي للبارسا، الأمر الذي تُقابله الإدارة بانتدابات وتعويضات غير مناسبة ولا يحتاج إليها الفريق، فقد رأينا سيرجي روبيرتو -لاعب الوسط- بديلا لداني ألفيش، وكوتينيو -مركز 10- بديلا لإنييستا -مركز 8-، وغريزمان -مهاجم- بديلا لنيمار -جناح-، ولويس سواريز بدون بديل، وجيرارد بيكيه كذلك، وهو الأمر الذي دفع برشلونة لخوض غمار منافسات نصف نهائي دوري أبطال أوروبا ضد ليفربول الموسم الماضي بـ 7 لاعبين فوق حاجز الـ 30 عاما، بينما دخل ليفربول المواجهتين بـ 10 لاعبين تحت سن سبعة وعشرين عاما. كل ذلك لن يخدم كيكي سيتين عندما يتعلَّق الأمر بتفعيل الضغط على الخصوم، يحتاج الضغط إلى بطاريات مشحونة، لذلك لا مفرَّ من إجلاس بعض العناصر وتنشيط دكة البدلاء أو حتى الاستعانة بلاعبي الأكاديمية المؤهّلين لخوض منافسات ذلك المستوى. (21)

  
تلك هي التحديات والمشكلات التي سيُواجهها كيكي سيتين في برشلونة، بعضها يمكن العمل على علاجه والبعض الآخر من اختصاص الإدارة، لكن إذا استطاع المدرب التعامل مع ما هو في حدود صلاحيته بدعم ومعاونة من إدارة النادي فيمكن لجمهور البارسا أن يتوقَّع الآتي:

  
- إعادة جوهر برشلونة حيث "اللعب التمركزي" (Juego de Posicion). إذا كان كيكي سيتين ماهرا في أمر ما فهو قدرته الاستثنائية على غرس أفكاره وجعل فِرَقه تلعب بالطريقة التي يُريدها، بداية من لوغو وحتى ريال بيتيس، فإذا ألقينا نظرة على بعض إحصائيات ريال بيتيس الموسم الماضي فسنجد أننا أمام فريق يعرف طريق الشباك، حيث أحرزوا 60 هدفا، وهو أعلى خامس رقم في المسابقة، كما أتى الفريق ثانيا في مُعدَّلات الاستحواذ ودقة التمرير خلف البارسا والريال. (22)

   

  
- استرجاع عقلية المباريات الكبيرة وإعادة شخصية ووقار برشلونة، وذلك ما أثبته مع ريال بيتيس، الفريق الذي أحرج الكبار، إذ استطاع الفوز على البارسا بنتيجة 3-4 في ملعبه، كما كرَّر الأمر ضد ريال مدريد في البرنابيو وذلك بعد أن هزم كتيبة سيميوني في وقت مبكر من عُمر المسابقة، كما استطاع هزيمة ميلان في سان سيرو في مباراة شهدت عرضا كبيرا من كتيبة الأندلس.

  
- من الأمور المضمونة مع كيكي سيتين هي قدرته الكبيرة على العمل التقني مع اللاعبين وإخراج أفضل ما عندهم خاصة اللاعبين الشباب، فقد تألَّق معه في لاس كلٌّ من روكي ميسا وجوناثان فييرا، حتى برنس بواتينغ بعدما كان من المنسيين، مرورا بكتيبة بيتيس بداية من فابيان رويز، لوسيلسو ولورين وعيسى ماندي، وفيربو وويليان كارفايو، حتى خواكين الذي وجد نفسه مرة أخرى رفقة ذلك العجوز، وبالنظر إلى تشكيلة البارسا فإن سيتين يحظى بأفضل مجموعة مرّت عليه على الإطلاق من حيث المستوى التقني والقدرات الخاصة، فهل ينجح في نقلهم للمستوى الأعلى؟

  
- تلقّى إرنيستو فالفيردي العديد من الانتقادات لضعف التعامل مع أحداث المباراة وضعف المرونة الخططية لديه، وبما أنه من المعروف عن سيتين حبه للشطرنج فيمكننا بسهولة ملاحظة أن إحدى أهم مزاياه على المستوى الخططي هي قدرته على قراءة المباريات ورغبته الدائمة في إيجاد الحلول عن طريق تعديل الخطط وأدوار اللاعبين بحسب نقاط قوة وضعف الخصوم وبحسب خط سير المباراة، فنجد أنه استخدم مع لاس بالماس رسم 4-3-3 ثم تحوَّل إلى 4-2-3-1 فيما بعد، بينما استخدم عدة خطط مع بيتيس بداية من 4-3-3 إلى أن بدأ باستخدام ثلاثي الخلف حيث تأرجح بين 3-4-3 و3-5-2، وبالنظر لوضع البارسا الحالي فإن الفريق بحاجة إلى مدرب يملك تلك الخاصية لتعديل وقلب الأوضاع كُلّما لزم الأمر.

    

  
أخيرا وليس آخرا، يعيب كيكي سيتين ضعف سجله الدفاعي، خاصة في فترته مع ريال بيتيس، فبالرغم من تحقيق نتائج باهرة خاصة في الموسم الأول، فإن شباك الفريق كانت مُستباحة دائما، وبالرغم من تسجيل فريقه 60 هدفا في موسمه الأول، فإنه استقبل في الموسم نفسه 61 هدفا كرابع أسوأ سجل دفاعي في المسابقة لذلك الموسم، ثم استقبل 52 هدفا في الموسم الذي تلاه مع تسجيل فريقه لـ 44 هدفا، فكانت تلك الأرقام أهم أسباب تراجع نتائجه مع فريق الأندلس بالموسم الأخير مما أدّى إلى إقالته فيما بعد. ومع ذلك، هناك وجهة نظر تُرجِّح احتمالية تراجع ذلك السجل السلبي في البارسا، بسبب اختلاف جودة ومستوى العناصر لصالح البارسا مقارنة بأندية مثل بيتيس ولاس بالماس، علاوة على تضاؤل هامش الخطأ في ذلك المستوى خاصة في دوري الأبطال، حيث لا وجود للرفاهيات المحلية، خطأ وحيد في 180 دقيقة قد يُكلِّفك الإقصاء، وقد رأينا هذا السيناريو مرارا وتكرارا. (23)

  
عيَّنت إدارة بارتوميو سيتين مدربا للفريق بعدما طرقت عدّة أبواب، بداية من تشافي وكومان وصولا إلى بوتيتشينو، مما يُوحي بالتخبُّط والعشوائية كما أوضح فيكتور فونت، لأن جميع أولئك المرشحين قد يكونون خيارات مناسبة، نظرا لفلسفتهم الهجومية التي تتفاوت من واحد لآخر، لكن الظروف واحدة، والمشكلات ما زالت قائمة مع فالفيردي أو بدونه. سيدخل سيتين نفسه في عدة صدامات إذا كان عازما حقا على إحداث تغيير حقيقي؛ ماذا لو أراد الاعتماد على فيربو أساسيا؟ كيف ستكون ردة فعل جوردي ألبا؟ ماذا لو كان قد أبقى على توديبو رغبة في إشراكه وإعطائه الفرصة؟ كيف يستقبل ذلك لاعب بحجم بيكيه؟ ماذا لو أراد إجلاس سواريز -في حالة عدم إصابته- لتنشيط عملية الضغط ولإضافة بعض المرونة؟ هل سيقبل الأوروغوياني ذلك بصدر رحب؟ ذلك هو التحدي الحقيقي، وإذا كانت الإدارة غير عازمة على دعم أي مدرب كان في تلك الصدامات، فنحن نتحدّث عن عبثية كبيرة وإهدار للوقت والموارد.

  
في النهاية، سيتين مدرب للبارسا، النادي الذي لا يمكن مقارنة معاييره بمعايير لاس بالماس وريال بيتيس، البارسا يملك معايير تعجيزية، ولنا في فالفيردي عِبرة، المدرب الفائز بآخر لقبين دوري أُقِيل لأنه لم يكن قادرا على إشباع الجمهور وتحقيق ذات الأذنين، فكما يملك سيتين حاليا فريقا بجودة أعلى سيتطلّب ذلك منه مستوى مغايرا من النتائج عن تلك التي حقّقها في تجاربه السابقة، جمهور البارسا لن يكون سعيدا إذا أعاد سيتين لغة الفن والهندسة لكن مع نتائج متواضعة، في البارسا يجب أن تُحقِّق المعادلة كاملة؛ أداء مُشبع مع نتائج كبيرة، وقتها أهلا بك بجوار الأساطير.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار