انضم إلينا
اغلاق
لا يتوقفون عن الركض.. كيف حوَّل يورغن كلوب لاعبي ليفربول إلى آلات؟

لا يتوقفون عن الركض.. كيف حوَّل يورغن كلوب لاعبي ليفربول إلى آلات؟

محمد سالم

محرر بقسم الرياضة
  • ض
  • ض

"ما يُقدِّمه ليفربول أمر مدهش، اللاعبون مثل الآلة، يدخلون جميع المباريات من أجل تحقيق الفوز. الفريق لم يتعرَّض لأي هزيمة في مسابقة الدوري هذا الموسم، البعض يرى أنه شيء سهل، لكنه ليس كذلك"

(كليان مبابي)

 

بهذه الطريقة عَبَّرَ اللاعب الفرنسي كليان مبابي عن إعجابه بما يُقدِّمه ليفربول هذا الموسم رفقة المدرب الألماني يورغن كلوب، والذي يُعَدُّ موسما استثنائيا بالطبع، ولكن قبل الاستمرار في تلك الكلمات التي سئمنا قراءتها على مدار الفترة الماضية، والتي تمدح ما يصنعه الألماني الأشقر ولاعبوه، والحديث عن الفوز بالدوري الذهبي والاحتفاظ بلقب دوري الأبطال، دعونا نؤكد أننا لسنا بصدد تكرار تلك الكلمات هنا مرة أخرى.(1)

      

 فريق ليفربول (غيتي)

      

بل نحن هنا من أجل البحث عن تفسير منطقي للحالة التي بات عليها لاعبو ليفربول مؤخرا، تلك الحالة التي جعلت مبابي يُشبِّههم بالآلة التي لا تتوقف، وجعلت آخرين يُشبِّهونهم بلاعبي البلايستيشن، وبعيدا عن ذلك أو ذاك، فلا يستطيع أحد أن يُنكر الحالة البدنية الأكثر من جيدة التي يتمتع بها اللاعبون، والتي كان من المنطقي أن تقل كلما لعب الفريق عددا أكبر من المباريات، خاصة مع كثرة عدد البطولات التي شارك وما زال يشارك بها الفريق، ولكن هذا لم يحدث حتى الآن.(2)

    

"ليفربول فريق مبرمج مثل فِرَق البلايستيشن"

(محمد أبوتريكة)

    

العمل يبدأ من المنزل

لا يكاد يمر أسبوع دون أن يقوم محمد صلاح، لاعب نادي ليفربول، بنشر صورة له على مواقع التواصل الاجتماعي في صالات الألعاب الرياضية، ولا يتعلق الأمر إطلاقا بضغط المباريات، أو توالي البطولات، إذ يحرص اللاعب على أداء تلك الحصص البدنية حتى أثناء العطلات المختلفة قبل بداية الموسم، أو عقب نهايته، أو حتى أثناء التوقفات الدولية.

  

الأمر يبدو في ظاهره حالة خاصة للاعب المصري، أو عامة لأي لاعب يريد أن يُقدِّم مستويات كبيرة في كرة القدم، وبالطبع هناك العديد من اللاعبين الذين يعملون فرديا خارج الملعب على الجانب البدني لهم، ويقومون بتطويره باستمرار، ولعل خير مثال لنا في تلك القصة هو البرتغالي كريستيانو رونالدو، لاعب نادي يوفنتوس الإيطالي.(3)

    

  

ولكن في حقيقة الأمر هذا ما يقوم به لاعبو فريق ليفربول بشكل عام، فوفقا لتصريحات خاصة للموقع الرسمي لناديه، أثنى اللاعب السنغالي ساديو ماني على أداء الفريق حتى الآن، وأشاد بمعدلات العمل الخاصة خارج الملعب، والتي تُعَدُّ السبب الرئيسي فيما يراه الجماهير على أرضية الملعب في المباريات كل أسبوع، مؤكدا أن العمل يبدأ بشكل فردي من المنزل وليس العكس.

  

وأضاف قائلا: "يمكنك أن ترى، من اليوم الأول عندما أتيت إلى ليفربول، أن اللاعبين يرغبون في التحسن أكثر وأكثر. ويمكنك أن ترى اللاعبين كافة في صالة التدريب قبل ساعة كاملة من موعد التدريب. أعتقد أن هذه إشارة كبيرة إلى أن الجميع يريد أن يتنافس ويصبح الأفضل، ومثل هذه الأمور تصنع الفارق".(2)

  

كلوب يقود الثورة

عمل المدرب الألماني يورغن كلوب على إحداث تغييرات هائلة في النادي منذ الموسم الأول له مع الفريق، ليس على صعيد اللاعبين والأمور الفنية داخل أرضية الملعب فقط، ولكن على صعيد العديد من القطاعات الأخرى في ميرسيسايد بهدف تقديم أفضل ما يخدم اللاعبين بشكل مباشر، وبالتالي ينعكس ذلك على أدائهم في الملعب.

    

المدرب الألماني يورغن كلوب مدرب فريق ليفربول (غيتي)

    

حيث قام رفقة المدير الرياضي للريدز بإصلاح شامل في الأقسام الطبية والرياضية، حيث عُيِّن عدد كبير من الموظفين على مدار السنوات الماضية مثل: مدير قسم التغذية، ومدير قسم اللياقة البدنية، ومدير التأهيل الطبي والأداء، وأيضا المُعِدُّ النفسي.

  

"تتمثّل أهدافنا في ضمان أننا نُقدِّم أحدث الطرق العلمية والمبتكرة للاعبين مما سيُتيح زيادة مستويات اللياقة والأداء البدني لديهم"

(كونال مورتاج، مدرب اللياقة البدنية.(7))

  

وفقا لرؤية كلوب فإن كل فرد من أفراد تلك المنظومة يقوم بدوره في عملية إعداد اللاعبين للمباريات المتتابعة، ومع تزاحم جدول الفريق، فإن التغذية تلعب دورا حيويا في تلك العملية. على سبيل المثال، سابقا كان من الممكن أن يتناول اللاعبون بعض الأطعمة الباردة عقب كل مباراة، وفقا لرؤيتهم الشخصية، ولكن هذا لا يُعَدُّ مسموحا به الآن، إذ تعمل مسؤولة التغذية بالنادي على إعداد قوائم بالأطعمة المناسبة لكل لاعب، والتوقيت المناسب لتناول تلك الأطعمة.

     

أصبح من المعتاد أن يحصل اللاعبون على راحة لمدة يوم واحد عقب كل مباراة، يمارس خلالها اللاعبون التمارين الخفيفة

رويترز
     

بالإضافة إلى ذلك فإن مناطق تناول الطعام أصبحت مشغولة بالملصقات، والتي توضح قيمة الاستهلاك الصحيح من المواد الغذائية الأساسية مثل البروتينات والكربوهيدرات، بالإضافة إلى وجود أماكن تخزين للعديد من المواد الغذائية الصحية من الأرز والمعكرونة مثلا في حجرة تغيير الملابس، يمكن أن يتناول اللاعبون منها عقب المباريات، أو حتى اصطحاب بعض منها إلى المنزل.

  

أمر آخر يحرص عليه كلوب، وهو عملية الاستشفاء، إذ أصبح من المعتاد أن يحصل اللاعبون على راحة لمدة يوم واحد عقب كل مباراة، يمارس خلالها اللاعبون التمارين الخفيفة مثل: الجري حول الملعب، أو قضاء وقت على الدراجة أو في حمام السباحة، إلى جانب حصولهم على 45 دقيقة من أجل تدليك عضلات الجسم، الأمر الأكثر إثارة هو أن فريق التدليك في النادي يميل إلى الذهاب إلى كل لاعب على حدة في منزله، نظرا لتوافر المعدات الرياضية للاعبين، وبالتالي سهولة قيامهم بالتمارين المختلفة.(6)

  

المشروب السحري

في بطولة العالم للسباحة عام 2005، وتحديدا في سباق الـ 50 مترا حرة، استطاع السباح الأميركي مارك وارنيك حصد الميدالية الذهبية، ليكتب اسمه كأكبر سباح يفوز بميدالية ذهبية في بطولة كبيرة منذ عام 1971، في مفأجاة من العيار الثقيل آنذاك. بعد سنوات من هذا الإنجاز، كشف وارنيك عن سر فوزه بالسباق في الـ 35 من عمره، واعترف بأن الفضل يعود إلى نظام التغذية الخاص به.

  

سمع المسؤولون في نادي ليفربول عن قصة مارك، وعرضوا عليه العمل في النادي رفقة أخصائية التغذية الشهيرة منى نمر، والتي تُعَدُّ أحد أفضل المتخصصين في مجال التغذية الرياضية في العالم حاليا، والتي التحقت بالنادي في عام 2016، بعد ثلاث سنوات في بايرن ميونخ.

    

أخصائية التغذية الشهيرة منى نمر (مواقع التواصل الاجتماعي)

  

"أنا لست أخصائية تغذية تقليدية بالمعنى المتعارف عليه لدى معظم الناس. أهم شيء بالنسبة لي هو ربط الجانب النظري من العلم بالجانب العملي في مجال التغذية"

منى نمر.(5)

  

وبالفعل وافق السباح الأميركي على العرض في بداية الموسم الماضي، وبدأ في تطوير مشروب خاص للاعبين، يُطلق عليه المشروب السحري، ويتكوّن من نوعين من المعادن المقوية، والتي من شأنها تسريع عملية الاستجمام، وتقليل التعب البدني الذي يلحق بالفريق عقب الجهد الكبير الذي يبذلونه في التدريبات والمباريات المختلفة.

  

وخضع هذا المشروب لعدد من الاختبارات والتحاليل، للاشتباه بوجود مواد منشطة أو مخالفة لقوانين ولوائح الفيفا في هذا الشأن، ولكن النتائج جاءت سلبية، ولم يثبت احتواؤها على أي نوع من المنشطات حتى الآن.(3)

   

  

لا يتوقفون عن الركض

بالعودة إلى فلسفة يورغن كلوب، فإنه يؤمن بأن طريقة الضغط العالي هي الطريقة المثلى للعب كرة القدم، الأمر الذي يتطلب الحركة المستمرة، والحركة بشكل أسرع دائما من المنافس، والعمل على استرجاع الكرة فور فقدانها، بالإضافة إلى التمرير السريع، واللا مركزية في الملعب، كل هذه الأشياء تُظهِر لاعبي ليفربول وكأنهم آلات لا يتوقفون عن الركض طوال الـ 90 دقيقة.

  

"الاستحواذ على الكرة ولعب كرة القدم مثل الأوركسترا في أغنية صامتة، أما أنا فأحب الموسيقى الصاخبة، أحب أن ألعب كرة القدم بصوت عالٍ" 

(يورغن كلوب.(9))

  

ولكن هل من الطبيعي ألا يتوقف اللاعبون عن الركض طوال الـ 90 دقيقة حقا؟ وبفرض إمكانية حدوث ذلك، كيف يحافظ اللاعبون على هذا المخزون البدني الضخم الذي تتطلّبه طريقة المدرب الألماني داخل الملعب، فالأمر معقد للغاية، لأنه في حالة سباقات الماراثون مثلا يركض العداء بشكل متواصل ولكن لا يكون مطالبا بنقل الكرة وتسديدها، بل والالتحام أحيانا والضغط بقوة أحيانا أخرى من أجل استعادتها.

  

إجابة هذا السؤال ستكون من خلال فهم طريقة لعب الفريق في الحالة الدفاعية، إذ إنه من الطبيعي أن يقوم الظهيران ترينت أليكساندر-آرنولد وأندرو روبرتسون بالصعود للثلث الأخير من أجل صناعة اللعب، وبالمثل ساديو ماني ومحمد صلاح في حالة الهجمات المرتدة، وأيضا تحركات روبرتو فيرمينيو بين الخطوط من أجل فتح المساحات للجناحين الأفريقيين، وهذه هي الإستراتيجية العامة التي يعتمد عليها كلوب في الحالة الهجومية.

    

   

لنتخيّل الآن أن ليفربول فقد الكرة في نصف ملعب الخصم، وانعكست الكرة بهجمة مرتدة خلف أحد الظهيرين المتقدمين إلى الأمام أثناء الحالة الهجومية، هل من الطبيعي الآن أن يستطيع الظهير العودة في وقت قياسي من أجل قطع هذه الكرة؟ بالطبع لا، حتى لو استطاع فعلها مرة أو اثنتين فإنه لن يستطيع المواصلة طوال الـ 90 دقيقة بهذا الشكل أبدا.

  

هنا يظهر الدور الذي يقوم به المدرب في تنظيم لاعبيه، حيث سيتولى لاعب الوسط الذي يشغل جهة الظهير نفسها، والتي انعكست فيها الكرة من الخصم، ليحاول قطع أو إيقاف الهجمة المرتدة من خلال قطع مسافة خط مستقيم في الغالب ستكون قصيرة، وبالطبع هي أقصر من تلك التي سيقطعها زميله الظهير المتقدم، فيما يشغل الظهير مكان لاعب الوسط العائد للدفاع، وتتكرر تلك التحركات مع كل المراكز، والتي تعتمد على قطع اللاعبين لأقصر مسافة أفقية أو رأسية في الملعب بشكل يُشعرنا بأنهم ككتلة واحدة مثل الآلات التي لا تتوقف عن الركض أبدا.(10)

  

المدهش في الأمر أن كلوب نفسه لا يتوقف عن الركض خارج الخطوط، ونادرا ما نجده يتفاعل مع المباراة بشكل هادئ، فهو دائم الحركة، وهذه نتيجة طبيعية لرجل يُفضِّل لعب الكرة بصوت عالٍ، بل إنه لا يلجأ إلى الجلوس لمقاعد البدلاء إلا لارتشاف بعض المياه، وغالبا بعدما يستقبل فريقه هدفا، حينها فقط يتوقف عن الركض، وهذه هي الشفرة السحرية للفوز على ليفربول، متى توقفوا عن الركض، استقبلوا أهدافا، وبالطبع العكس صحيح تماما.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار