انضم إلينا
اغلاق
نحو إلغاء الـ "VAR".. لأننا اعتدنا أكل التفاح فاسدا

نحو إلغاء الـ "VAR".. لأننا اعتدنا أكل التفاح فاسدا

يوسف حمدي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

انتظر لحظة، سنخبرك نكتة قبل أن تقرأ الموضوع؛ يُحكى أن رجلا بخيلا اشترى ثلاث تفاحات، وحين عاد إلى منزله أحضر سكينا وقطّع الأولى فوجدها فاسدة، ثم قطّع الثانية فوجدها كذلك، ثم أمسك بالثالثة وأطفأ الأنوار وأكلها. 

  

انتظر ثواني، نحن نعلم أنك لم تضحك، ونعلم أنها قديمة للغاية، ونحن نقصد ذلك، لأن السر يكمن ها هنا، في كونها قديمة، وفي كونها لا تصلح حتى لأن تكون مجرد طرفة أو مزحة، فما بالك بمَن يريد أن يُطفئ الأنوار عن كل فساد في كرة القدم بدلا من البحث عن إصلاحه؟

   

تسقط كرة القدم

بدأت كرة القدم في إنجلترا، الأمر الذي يجعل البريطانيين يشعرون بفخر، إذ إنهم قدَّموا للعالم هدية لا تُقدَّر بثمن، فأن تُقدِّم الكرة للعالم هي إضافة يعرف قيمتها جيدا مجاذيب اللعبة، ولكن مع الأسف، بعد أكثر من 150 عاما، يحاول الإنجليز زرع كراهية اللعبة في قلوب الجميع. ربما أدركوا أنها مضيعة للوقت؟ مُحتمل، المهم أن ذلك قد حدث لأي سبب كان. (1)

  

من المعروف أن كل شيء يبدأ بدائيا، ثم يتطور من طوره الأول إلى أشكال أكثر حداثة بمرور الزمن. الإنجليز لا يرون ذلك، حيث إنهم يريدون أبدية أساليب اللعب البدائية، الكرات الهوائية والصراعات البدنية التي تشبه سباقات الثيران، أما عن الأساليب الجديدة وتغيُّر التكتيك وثورة الإحصائيات فدعك منها، نحن مَن اخترعنا كرة القدم وأنت حتما لا تفهم أكثر منّا! (2)

    

  

ورغم أن دخول هذه الأساليب الجديدة تباعا هو من أعطى الدوري الإنجليزي قيمته الحالية، فإن القائمين عليه يرون العكس، وأن فينجر ومورينيو وغوارديولا وكلوب أصبحوا عظماء لأنهم مروا على إنجلترا، وليس البريميرليغ هو من أصبح قويا لأنه استفاد من أفكارهم مثلا، لا سمح الله طبعا.

  

هذه النزعة والرغبة في التميز جعلتهم يرفضون تقنية الفيديو في بدايتها، ليصبحوا آخر مَن يقوم باعتمادها بين مَن طبّقوها في الدوريات الخمس الكبرى، ولكن اعتمادها في البريميرليغ لا يمنع الرغبة في الحصول على كؤوس التميز، فبعد أن رفضنا إدخال التكنولوجيا في البداية، الآن نريد أن نحسب التسلل بناء على الإصبع الأكبر في القدم وطول الأنف وخصلة الشعر الأمامية. لماذا؟ لأن القانون يجب أن يُطبَّق بحذافيره، ولكننا في الوقت نفسه سنتغاضى عن احتساب ركلات جزاء فاضحة ولن نُطبِّق تعديلات القوانين كإلغاء العقوبة الثلاثية ولمسة اليد المتعمدة على المهاجم، فكل هذا بالطبع لا يُهدِّد العدل في اللعبة بقدر ما تُهدِّده خصلة الشعر الأمامية للمهاجم في حالة التسلل. (3)

  

هذا المشهد العبثي هو ما جعل البعض ينادي بسقوط التقنية، وبدأت نغمات التغني بزمن كرة القدم الجميل الذي كانت فيه المتعة حاضرة بوجود الأخطاء، لينسى الجميع الفارق ما بين الشيء نفسه وبين آلية تطبيقه، ويتذكر فقط في لحظات رومانسية ليالي الزمن الجميل، حين كنا نقضي السهرة جميعا مع التفاح الفاسد ونأكله في سعادة لأننا لا نرى شيئا. (4)

     

   

أين الدقة أنا لا أراها

نحن هنا لا نُقلِّل من أهمية السنتيمتر أو الميلليمتر، والدليل أننا لا نطالب باحتساب لقب البريميرليغ العام الماضي لليفربول لأن الكرة تجاوزت الخط بأغلب محيطها في مواجهة مانشستر سيتي. في تلك الحالة لا يوجد أي إطار من الممكن أن تكون الكرة قد تجاوزت الخط فيه بكامل محيطها، لذلك لا مشكلة مع الحسابات الدقيقة طالما هناك ضمان لكونها صحيحة.

  

في حالات تخطي الكرة لأيٍّ من خطوط الملعب لا مشكلة، لأن الكرة والخط جمادان، ويمكن ببساطة وضع أجهزة الاستشعار على الخط من أجل إخبار الحكم بتخطي الكرة في لحظتها كما يحدث في تقنية خط المرمى، ويمكن استخدام الكاميرات العمودية في حال أردت تطوير الأمر وجعله لا يقتصر على خط المرمى فقط. الخط لا يتحرك والكرة لا تمتلك خصلة شعر أمامية أو أنفا طويلا كإبراهيموفيتش مثلا لتُسبِّب لك أزمة.

  

الأزمة في التسلل ليست في رفض المسافات القصيرة، ولكن الأزمة الحقيقية في أن تلك المسافة ليست ثابتة، وهناك احتمالية وجود خطأ في حسابها من الأساس. في تقرير نشرته دايلي ميل تبيّن أن التقنية المستخدمة لإعادة لقطات التسلل ليست دقيقة، حيث إنها تلتقط الصورة بتردد 50 إطارا (صورة) في الثانية (50 frame per second)، والكرة تتوقف على قدم اللاعب المُمَرِّر لأجزاء من الثانية تصل إلى ما يقارب "20 frame per "second. وهذا يعني أنك من الممكن أن تلتقط صورتين في كادرين مختلفين للعبة نفسها والكرة تخرج من أقدام المُمَرِّر، أحدهما يكون فيه اللاعب المتسلّم للكرة مُتسلِّلا، والثاني لا. (5)

    

ولكي تكون الأمور أوضح، استعانت الصحيفة بمثال حي، وهو أحد الأهداف التي أُلغيت بداعي التسلل على رحيم ستيرلينج في مباراة مانشستر سيتي وويستهام يونايتد، في هذه اللحظة أظهرت التقنية بعد الإعادة أن ستيرلينج كان متقدما عن آخر مدافع بمسافة 2.4 سم، وبحساب سرعة اللاعب في هذه اللقطة تبيّن أنه كان يجري بسرعة 23.4 كم في الساعة، وبمقارنة هذه السرعة بتردد الكاميرا تبيّن أن رحيم كان سيتحرّك 13 سم في زمن قدره 0.2 ثانية، وهو ما قدّرناه سلفا بـ "20 frame per second"، وبالعودة إلى الكادر السابق الذي كانت فيه الكرة أيضا لم تخرج بعد من قدم المُمَرِّر، تبيّن أن ستيرلينج كان متأخرا عن آخر مدافع بـ 10.6 سم، أي إن اللعبة ظهرت تسلُّلا في كادر، وهدفا شرعيا في كادر آخر. (6)

   

   

ماذا يعني ذلك؟ ذلك يعني أن هناك صورتين، كلتاهما تُلتقط لحظة خروج الكرة، ولكن الفارق بينهما في حركة اللاعب المستقبل للكرة تصل إلى 13 سم، وهو هامش الخطأ الموجود في التقنية حتى الآن والذي رشّحته دايلي ميل للزيادة كلما كان اللاعب أسرع. تذكَّر عدد الأهداف التي أُلغيت بسبب أن المهاجم مُتقدِّم على المدافع برباط حذائه وعُدْ إلينا لنستكمل الحديث عن هامش الخطأ وقصة الـ 13 سم.

  

لأننا بشر

هنا نريد أن نعود إلى الخلف خطوة، لنسأل سؤالا بديهيا يقول: لماذا طُبِّقت تقنية الفيديو من الأساس؟ الإجابة ستكون بديهية بدورها كما استنتجت؛ من أجل تقليل نسبة الأخطاء البشرية في كرة القدم. الحكم يرى الصورة مرة واحدة من زاوية واحدة، لا يستطيع أن يرى بتقنية 360 درجة كل ما يدور في الملعب، لذا أنت في حاجة إلى كاميرات مراقبة لمعرفة ما يحدث حيث لا توجد الكرة، وإلى إمكانية إعادة تلك اللقطة التي لم تشاهدها جيدا.

  

في الأيام الأخيرة أدّت المبالغة الإنجليزية في استخدام التقنية في الحالات الدقيقة إلى مطالبة البعض بإلغائها، نظرا لأن ذلك يقابله حالات يتغاضى فيها الحُكّام عن احتساب أخطاء أخرى واضحة، وهذا الأمر لا يمكن تفسيره إلا حين نخبرك بأن صاحب أحد المحلات قام بتكسير كاميرات المراقبة لأنها لم تمنع السارق من إتمام سرقته. رجاء لا تتهمه بالجنون، فهناك مَن يطالبون بذلك بالفعل ولكن في ميادين كرة القدم.

    

  

الطريف أن كل السياقات التي يُطالَب خلالها بإلغاء الـ "VAR" تبدو كحجّة له لا عليه، وتُبرز أكثر أن الأزمة في آلية التطبيق وليست في التقنية نفسها. فإذا افترضنا أن اللاعب "س" قد لمس الكرة بيده، ففي حالة وجود التقنية ستظل لمسة يد، وفي حالة إلغائها ستظل لمسة يد، أما في حالة عدم وجود حكم من الأساس فإنها، للمفاجأة، ستظل لمسة يد أيضا!

  

المقياس الوحيد لاحتسابها من عدمه سيكون مُتعلِّقا بالتعمُّد وحركة اليد والمسافة بينها وبين الكرة، كل هذه الأشياء في حال مشاهدة اللقطة أكثر من مرة ومن أكثر من زاوية لن تترك لك مجالا للخطأ، أما في تلك الحالة التي يكون فيها الحكم مطالبا بالإجابة عن كل هذه الأسئلة بعد النظرة الأولى فإن الأمور تصبح أصعب بكثير. 

  

انتظر لحظة قبل أن تستخدم محركات البحث من أجل إيجاد تلك اللقطات التي اتخذ فيها الحُكّام قرارات خاطئة رغم العودة إلى الفيديو، هذه أيضا ليست حجة على الـ "VAR"، لأنه أتاح للحكم فرصة المشاهدة والاستعانة بوجهات نظر حُكّام آخرين، قراره الخاطئ في النهاية سيرجع إما لتقديره الشخصي المختلف، وإما لرغبته في الحصول على كأس التميز، وإما لوجود نية مبيّتة لديه لاحتساب القرار في اتجاه معين. وفي الحالتين الثانية والثالثة من الممكن أن نتخذ ضده إجراء، مما يمنع الحُكّام الآخرين من تكرار الأمر ذاته، بدلا من تكسير كاميرات المراقبة مثل صاحبنا المذكور أعلاه. (7)

   

الحالات التي يجب أن يتم فيها محاسبة الحُكّام تشمل أيضا عدم تطبيق القوانين أو الاعتراف بتعديلاتها، كل هذه الأشياء ناتجة عن أخطاء البشر والتقاعس في اتخاذ إجراءات ضدهم، لم نسمع عن أي تحقيق فُتح مع أحد الحُكّام عقب مباراة أُثير الجدل حولها، لذلك لا تنتظر من الأخطاء أن تنتهي، ببساطة لأنك تركت الطريق مُمهّدا لتكرارها. الخلاصة؟ لا مجال للمطالبة بإلغاء التقنية فقط لأن البشر لا يطبقونها بشكل صحيح.

     

  

اطمئنوا.. سيُلغى

إذا لم تقتنع بكل ما قيل فلا بأس، اطمئن، هناك احتمالية لأن تُنتج هذه الاعتراضات قرارا بإلغاء التقنية والعودة إلى زمن أكل التفاح الفاسد في الظلام، وذلك على خُطى 7 اختراعات أُلحقت بكرة القدم من قبل، ثم أُلغيت بعدها بسنوات، بعضها نعرفه وعاصرته الأجيال الشابة، وبعضها أُقِرَّ وأُلغي في الأبيض والأسود دون أن نمر عليه.

  

"FourFourTwo" قامت برصد 7 قوانين أُقِرّت في كرة القدم ثم أُلغيت، جميعنا بالطبع يعلم قصة الهدف الذهبي، والذي كان يمنح الفوز لمَن يسجل الهدف الأول في الوقت الإضافي دون الحاجة إلى استكماله، ذلك الذي طبّقه الاتحاد الدولي لكرة القدم في 1993، قبل أن يلغيه في 2002 ويستبدل به الهدف الفضي، والذي كان يمنح الفرصة للفريق الذي تلقّى هدفا في أحد الشوطين الإضافيين حتى نهاية الشوط، فإن لم يتعادل في هذه الدقائق يُعتَبر خاسرا للقاء. وبالفعل طبق ذلك في نهائي يورو 2004 بين البرتغال واليونان، قبل أن يُلغى ويعود القانون إلى ما كان عليه قبل 1993. (8)

  

أما عن بقية القوانين فقد تكون مجهولة للبعض. في 1981 قرر الاتحاد الإنجليزي احتساب الفوز خارج الأرض بـ 3 نقاط مقابل نقطتين فقط للفوز في ملعبك، وذلك من أجل تشجيع الفِرَق على المبادرة والهجوم خارج أرضها، وبعد أن فقدت بعض الفِرَق حظوظها في المنافسة على الألقاب نظرا لهذا القانون، ولكون بعض المباريات التي تستضيفها الأندية أصعب من أخرى تلعب فيها خارج أرضها، أُلغي القانون في 1987.

    

    

هناك أيضا عدم احتساب التسلل في الضربات الحرة، ولعب ركلات حرة على بُعد 35 مترا عن المرمى بدلا من الركلات الترجيحية، وركلات التماس بدلا من رميات التماس. تفاصيل حكايات هذه القوانين مسرودة بشكل أكثر تفصيلا من خلال التقرير، المهم أن الفكرة العامة قد وصلت الآن.

  

القرار الآن في يد الاتحاد الدولي لكرة القدم ولجنة تطوير اللعبة فيه، هؤلاء يتقاضون أجورا من أجل تطوير اللعبة كما هو واضح من الاسم الوظيفي لهم، فإذا كنا نحن قادرين على إيجاد الحلول لإصلاح مشكلات التقنية، فما بالك بمَن يمتهنون الأمر؟ هل سيُطفئون الأنوار على الجميع ويتركوننا نأكل التفاح الفاسد؟ حينها فقط سنضطر لتقديم اعتذار للرجل الذي اشترى التفاحات الثلاث الفاسدة؛ لأننا ظللنا نضحك عليه لسنوات.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار