انضم إلينا
اغلاق
من نفّذ الفكرة السخيفة الخاصة بي؟

من نفّذ الفكرة السخيفة الخاصة بي؟

  • ض
  • ض
( 1 )

في منتصف الستينيات من القرن العشرين، تم عقد لقاء صحافي مع الكاتب الروسي/ الأمريكي العظيم "فلاديمير نابولوكوف" الذي اشتهر بالعديد من الأعمال الروائية العملاقـة في الأدب العالمي، كان من تصريحـاته في هذا اللقاء:

" الأفكـار العظيمـة هي محض هراء.. فقـط الأسلوب والبنية هما جوهـر كل كتاب ناجح "(1)

 

قد يكون نابوكوف مبالغاً قليلاً في هذا العرض؛ لأن الأفكـار العظيمة في العالم الواقعي - خارج نطاق الأدب - هي التي جعلت البشرية كلها تقفـز خطوات عظيمة إلى الأمام طوال الوقت.

 

ولكن مقولته تلك تحديداً قد تكون صالحة تماماً للتطبيـق في عالم ريادة الأعمال، المشكلة الحقيقية التي تواجه الشباب المهتمين بدخول عالم ريادة الأعمال، إذ الأغلبيـة منهم مهووسون بنموذج الريادي المبتكر الذي يبدأ المشـروع من الصفر.

ماكدونالدز للوجبات السريعة  أصبحت في حد ذاتها رمزاً للهيمنة الأمريكية اقتصادياً على العالم، وتحقق الآن أرباحاً مليارية ضخمة

وكالة رويترز

دائماً السعي وراء مشروع مختلف تماماً عمّـا هو موجود، قائم على فكـرة مختلفة كلياً لم يأتِ بها الأوائل، والتركيز الدائم على نموذج إيجاد فكـرة من العدم وإطلاقها للعالم، ومن ثم حصد الثروة والشهرة، وبالتالي استنزاف هائل للفكـر والوقت والمجهود في السعي وراء الفكـرة الجديدة التي عندما تتأخر أو لا تأتي إطلاقاً، تكون النتيجة التخلي تماماً عن فكرة الدخول لعالم الريادة والاكتفاء بالوظيفة النظامية.

 

هذا مؤسف فعلاً؛ لأنه من الأسهل لنا جميعاً أن نحقق ما نريده من مال ونجاح وشهـرة، فقط إذا وضعنا تركيزنا على "التنفيـذ المميز" للأفكـار، حتى لو كانت قديمة، أو بالية أو غريبة أو ساذجة. نابولوكوف كان يعنـي ما يقول بالفعل.

 

( 2 )

اسمه راي كـروك.. (2)
كلنا نعرف راي كروك، مؤسس إمبـراطورية ماكدونالدز للوجبات السريعة التي أصبحت في حد ذاتها رمزاً للهيمنة الأمريكية اقتصادياً على العالم، وتحقق الآن أرباحاً مليارية ضخمة.

هل تعتقــد أن فكرة ماكدونالدز، كـانت فكرة جديدة غير مسبوقة على العالم؟ .. أو أن راي كروك اخترع فكـرة الوجبـات السريعة؟

إطلاقاً ..

بل يمكن - إلى حد ما - ان تصف عزم راي كروك على افتتـاح متجـره هذا في النصف الأول من القرن العشـرين بأنه تصرّف ساذج؛ لأن فكـرة الوجبات السريعة قديمة للغاية، والبشر يتناولون الوجبات السريعة في الشوارع والأزقة منذ فجـر التاريخ. حتى على المستوى المعاصر، كانت أميـركا في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشـرين تعج بالفعل بالمطاعم التي تقدم شكلا من أشكال الوجبات السريعة. صحيح ليس بالصورة الحالية نفسها، ولكن المبدأ نفسـه كان موجوداً وشائعاً ومنتشراً في كل مكان.

 

ما فعله كروك هو أنه أخذ هذه الفكـرة العتيقة القديمة، وقام بتنفيذها تنفيذاً مختلفاً مميزاً، من خلال التركيـز على  خمسة عناصر:

1- إنتاج طعام سريع في بيئة نظيفة.
2- نوعيـة واحدة من الطعام بأسعار ثابتة.
3-أن يكون الطعام مساويا قيمة النقود المدفوعة.
4- منح امتيازات وتوكيلات لمنافذ البيــع.
5- تسـويق بلا هوادة.

كــل نقطة من هذه النقــاط كان تنفيـذها العظيم هو السر الحقيـقي لنجاح كـروك الذي ظهـر -بعد نجاح مشروعه- باعتباره القائد الأساسي لسـوق الوجبات السريعة، رغم أن الفكـرة ليست فكرته على الإطلاق.  

 

الرجل الخمسيني الذي كان يبيع الألبان، والمصاب بالسكـر والربو تحوّل إلى "بيلونير" في زمن قياسي، ليس بسبب ابتكاره لفكرة عظيمة، ولكن من خلال تنفيــذ عظيم لفكــرة قديمة متداولة من آلاف السنين.

 

استلهم المدرب بيل باورمان من عجينـة الوافل Waffle  التي يُصنع منها وجبات عديدة في المطبخ الأمريكي؛ فكرة صناعة أحذية مريحة حيث لاحظ أن شكلها وملمسها المرن المليء بالثـقوب ربمـا يمكن تطبيقه بشكـل أو بآخر في صناعة بطانة حذاء مرنة ومريحة أيضاً

( 3 )

القاعدة نفسها بالضبط -ولكن من زاوية مختلفة- ما فعلــه "ليو برينيت" رجل الدعاية، عندما كُلّفت شـركته المتخصصة في الدعاية والإعلان بتصميم شعـار تجاري لصـالح شركة التبغ الأمريكية الشهيـرة "مارلبـورو" كان المطلوب منه أن يقوم بعمل تصميم جيد لصالح شركة التبغ، يجذب أنظـار الناس، ولم تكن لديه أفكـار حاضـرة لعمـل هذه الدعاية، ويقال إنه كان يتصفّح إحدى المجلات في الغرب الأمريكي لتلفت نظـره صورة راعي بقـر Cow Boy بزيّه المميـز.

 

استرعت الصورة انتبـاهه، وقام بعمـل أكثر الأمور غرابة على الإطـلاق، حيث قـرر أن يربط بين شخصية الكاوبوي وبين علبــة التبغ، فقام بتصميم شعار رجـل المـارلبـورو Marlboro Man، يجسد فيه راعي بقــر وسيم يضـع سيجاراً في فمـه باستهتـار. (3)

 

النتيجـة؟.. نجـاح هائل لم يكن من الممكن تصوّره، نالت فيه حملته التسويقيـة انتباه الجميع لعقود طويلة، حيث أعيد إنتاج هذه الحملة طوال الوقت، وما زالت حتى الآن تتردد أصداؤها في إعادة الربط الدائم بين السجائر والكاوبوي.

 

بأدوات ذلك العصـر، السؤال البديهي: ما العلاقة أصلاً بين راعي البقر والسجائر؟

ربما تبدو العلاقة مفهومة الآن بعد رؤيتنا لهذا الشعـار كثيراً وتعوّدنا عليه، لكن وقتها حتماً كانت فكـرة غريبة كلياً، وربمـا فكـرة ساذجـة تماماً أيضاً.

 

هو فقط قام بربط فكـرتين تبدوان متناقضتين تماماً، وقام بتنفيذها بشكـل مميز، فكانت المحصلة النهائية ذكية ولطيفة وجاذبة للنظـر، أدت إلى علامة تجارية ناجحة. لم يأتِ بأي جديد إطلاقاً.

( 4 )

الفكـرة كانت تبدو -وقتها- ساذجة جداً، الربط بين عجينة الوافل وبطانة الحذاء، ولكن بعد تأسيس شركته الضخمة، حتماً جميعنا الآن نتعامل معها باعتبارها فكـرة عبقـرية

وكالة رويترز

أما "بيــل باورمان" فقد عرف عنه طوال فتــرة حياته بأنه لا يهتم بشيء تقريباً سوى الرياضة (4)، كان مدرباً رياضياً واعداً فى ولاية أوريغون الأمريكية، ومن أوائل المميزين في رياضة الجري في الولايات المتحدة. وكمدرّب رياضي، كان دائماً يهتم بنوعية الأحذية التي يرتديها اهتماماً مبالغاً فيه، في فتــرة كانت معظم هذه الأحذية تبلى سريعاً، وكانت مرهقة لأقدام الرياضييـن، حتى قفـزت الفكـرة في رأسه عندما لاحظ (عجينـة الوافل Waffle ) التي يُصنع منها وجبات عديدة في المطبخ الأمريكي؛ حيث لاحظ أن شكلها وملمسها المرن المليء بالثـقوب ربمـا يمكن تطبيقه بشكـل أو بآخر في صناعة بطانة حذاء مرنة ومريحة أيضاً.

 

كانت هذه الفكـرة العابرة البسيطة هي السبب في قيامه بصناعة نموذج سريع لحذاء رياضي بطانته جيدة ومرنة، ولاحقاً، كانت هذه الفكــرة سبباً في ميلاد أحذية "Nike" الرياضيـة العالميـة.

 

الفكـرة كانت تبدو -وقتها- ساذجة جداً، الربط بين عجينة الوافل وبطانة الحذاء، ولكن بعد تأسيس شركته الضخمة، حتماً جميعنا الآن نتعامل معها باعتبارها فكـرة عبقـرية مهّدت لظهــور واحدة من كبرى شركات الرياضة عالميـا.

 

( 5 )

ثم تلك الفكـرة التسويقيـة المدهشة التي قام بها أحد فنادق نيـويورك تعد مثالاً آخر لتنفيـذ جيد لفكـرة غريبة (5)، كل الفنادق تسعى -وهذا طبيعي- لراحة النزيل في الغرفة والإقامة، والتنافس يتمثل في أن تكون الغرفة متسعة، وأنيقة، ونظيفة، بالإضافة لخدمة فندقية مميزة.

 

لكن إدارة الفندق أعلنت أن الفندق ليس متاحاً لكـل أنواع النزلاء، وأنه فقط يستهدف النزلاء الذين يرغبون في "الاندماج الاجتماعي"، النزلاء الذين يميلون إلى التعارف، والاجتماع في بهو الفندق، والثرثرة لساعات طويلة؛ لذلك جهز الفندق كل شيء بأناقة: قاعات فخمــة، وبهو واسع، وفقرات ترفيهية، ومشروبات رائعة، ووجبات ممتــازة، ولكن مع فارق بسيط أنه جعــل غرف الفندق صغيــرة جداً، ضيقة جداً، حتى إن البعض علق عليها متهكّمــا: هل هذه غرفة فندق أم خزانة ملابس؟!

 

كانت حركة مقصــودة تماماً، لا يستهدف الفندق الزبون العادي، إنما يستهدف الزبون الباحث عن الألفة والتواصل مع الجميع، والتواجد فى بهو الفندق لعمل علاقات مع غيره من نزلاء الفندق طوال الوقت، لا يريدون نزلاء فى الحجرات المغلقة!

 

النتيجــة؟
شهــرة واسعــة جلبت له اهتماماً صحافياً وجماهيـرياً كبيراً، وتنشيطا أكبر لحركة الحجز في الفندق لتطبيق سياسة غريبة، حتى وإن كانت تضايق بعض العملاء. فكـرة غريبة، ربما مستفزة، ولكن تنفيـذها الجيد جعلها مفيدة لمصلحة الفندق.

 

( 6 )

الأساس هو أن تسعى إلى الأفكـار بكافة أنواعها، مهما بدت بسيطة أو سخيفة أو غريبة أو قديمة  (رويترز)


في السيـاق نفسه، لاحظت صاحبة متجـر أدوات التجميــل والزينة وقت افتتاحه أن كل المتاجر الكبــرى التي تبيع منتجات التجميل، غالباً تقدمها للزبائن بعبوّات كبيــرة وأسعار مرتفعة. (6)

فكان السؤال الطبيعي: كيف يمكن لمتجرها الصغيـر أن يشق لنفسه طريقاً وسط هذه المتاجر والمحال الكبـرى؟

 

الحل بسيط: أن تبيع هذه المنتجــات نفسها بالضبط، ولكــن في عبوّات صغيـــرة، وبأسعار منخفضة، لا توجد أفكـار عبقــرية مثلاً، أو أفكـار ثورية، هكذا ببساطة، كانت فكـرتها.

 

ولمزيد من التبسيط، وضعت هذه المنتجات فى عبوّات صغيرة قابلة لإعادة التعبئة، أي بإمكان الزبائن أن يعودوا مرة أخرى إلى المتجر، ويعيدوا ملء هذه العبوّات بأسعار زهيدة مقارنة بالمتاجر التي تقدم عبوّات جديدة، وكبيرة، وغالية السعر.

 

النتيجة: نجاح سريع وشهرة واسعة، كانت هي الخطــوة الأولى وراء انتشار العلامة التجارية الشهيرة لمنتجات التجميل Body shop! فـكـرة بسيطة عادية -وربما طبيعية أيضاً-  لكن تنفيـذها العظيم أسهم في نجاحها سريعًا.

 

( 7 )

ثمة لعبــة أطفال كانت ذائعة الصيت للغاية في التسعينـيات وبدايات الألفيـة اسمها "لعبة العظـام المجنونة Crazy bones game"، مخترع اللعبة إسباني الجنسية، كـان يزور أحد المتاحف اليونانية في رحلة للعطلة، ولاحظ لعبــة تراثية يونانية موجودة فى المتحف.(7)

 

الفكـرة الجديدة كليـاً ليست هدفاً في حد ذاتها؛ لأنه حتى إذا وجدت هذه الأفكـار الجديدة العظيمـة لدينا، بدون العمـل على تنفيذها بشكـل مميز، فهي لا قيمة لها إطلاقاً

كانت عناصر اللعبة تشبه أصابع الخـروف، وكان الأطفال ينحتونها لتبدو بأشكـال معينة، ثم يلقونها بنظـام معيّن يحدد أساس اللعبة.

 

تولدت الفكـرة ببساطة، أنه سيقوم بإعادة إنتاج اللعبة نفسها بالضبط، ولكن بأشكال عصـرية، بأن تصبح مصنوعة من البلاستيك، وعدد شخصياتها يزداد قليلاً .. ثم تم تقديمها للعالم كلعبة أطفال مسلّية.

 

وبعد عرض اللعبة حققت أرباحا بملايين الدولارت، وارتبطت بالعديد من الحملات التسويقية المختلفة وعدت من أنجح الالعاب واكثرها انتشاراً في التسعينيات وأوائل الألفية.

 

هل هي فكـرة جديدة؟ .. من الصعب أن تقول على لعبـة مستلهمة من العصـور اليونانية القديمـة إنها فكـرة جديدة، هو فقـط أعاد إحيـاءها مرة أخرى، عن طريق التنفيـذ العظيم بأدوات عصـرية، وبشكـل مبسّط أكثر.

 

( 8 )

الأمر الجوهري الذي يجب أن يدركه رائد الأعمال -خصوصاً المبتدئ- هو أن الفكـرة الجديدة كليـاً ليست هدفاً في حد ذاتها؛ لأنه حتى إذا وجدت هذه الأفكـار الجديدة العظيمـة لدينا، بدون العمـل على تنفيذها بشكـل مميز، فهي لا قيمة لها إطلاقاً.

 

الأفكـار الرياديـة لا تعني أن نتوقف دائماً أمام ما يتم تصديره في "الميديـا" بأنه لا طريق إلى التميز إلا من خلال إطلاق شيء جديد، وهذا الشيء الجديد غالباً مرتبط بالتقنيــة وصيحات العصـر.

 

قد يكون تميّـزك في فكرة ساذجة مرت في رأسك لم تلقِ لها بالاً فكــرة قديمة مثل التي تعرّض لها راي كروك، أو فكـرة غريبة مثل التي قام بتنفيذها فندق باراماونت، أو فكـرة مستلهمة من لعبـة كانت تمارس في العصور البائدة، أو فكــرة ربط بين أمرين لا علاقة لهما ببعضهما البعض كمـا فعل برينت في رجل المارلبورو.

 

الأساس هو أن تسعى إلى الأفكـار بكافة أنواعها، مهما بدت بسيطة أو سخيفة أو غريبة أو قديمة، وأن تضعها في محل التنفيـذ العظيــم بكل التفاصيـل، ليس من الضروري أن تكون الفكـرة قادمة من خلايا مخك، وإنما حتى لو كانت قادمة من خلايا دماغ شخص يعيش في أقاصي الأرض، أو شخص ينتمي إلى تاريخ سحيق، الفكـرة نفسهـا مجرد معنى عابر لا قيمة له، التنفيـذ العظيم للفكـرة هو الطريق للنجـاح في عالم ريادة الأعمال.


إذا وصلت لهذا السطر في المقال، فربما ينبغي أن نسأل أنفسنا جميعاً السؤال الذي طرحته في العنوان: من الذي نفّــذ الفكــرة السخيفة الخاصة بي واستفاد بها، وحقق من ورائها النجاح في الوقت الذي كنت أعدها أنا مجرد فكـرة عابرة مكررة ساذجة لا قيمة لها، وما زلت أفتّش عن فكـرة جديدة تماماً.

الفكرة ربما لن تأتي أبداً، وإن جاءت ربما لا تحمـل لك مقدار النجاح الذي كانت ستقدّمه لك الفكـرة "السخيفة".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار