انضم إلينا
اغلاق
الجيل الخامس.. عودة إلى الواقع

الجيل الخامس.. عودة إلى الواقع

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
دعنا نستخدم أحد مصطلحات الموسم الانتخابي الشائعة، فنقول إن الأسبوع الأخير (يعود تاريخ نشر المادة الأصلية إلى تاريخ 22/7/2016) كان حافِلاً.. فِلاً.. فِلاً. بالنسبة إلى الجيل الخامس في الولايات المتحدة. لقد وقع أمران مهمان؛ أولاً: أعلنت هيئة الاتصالات الفدرالية عن خطتها الطموحة لإتاحة ٣.٨٥ جيجا هرتز من الطيف المرخَّص، و٧ جيجا هرتز من الطيف غير المرخَّص للجيل الخامس؛ في نطاق الأمواج الطولية ٢٨، و٣٧، و٣٩ مليميتر. إضافةً إلى إمكانية إتاحة طيف أكبر مستقبلاً. وبعد يومٍ واحد، بالتزامن مع بيان هيئة الاتصالات الفدرالية، أعلن البيت الأبيض عن مبادرة لبحوث اللاسلكية المتقدمة، وهي خطة لإنفاق مبلغ يصل إلى ٤٠٠ مليون دولار خلال الأعوام السبعة المقبلة على بحوث حول التقنيات اللاسلكية الخاصة بالجيل القادم، والإسهام في تطويرها. أعتقد أننا شهدنا هدنة منذ قذف الرئيس السابق أوباما بتوم ويلر إلى حالة من الحيادية قبل سنتين.

على الرغم من الطاقة السلبية التي تملأ الجو خلال هذا الموسم السياسي، فهناك فرصة للعثور على مصدر للتفاؤل. فإن كانت الولايات المتحدة تقع في مركز متوسط من حيث الإسهام في تكنولوجيا النطاق العريض (Broadband)، إلا أنها رائدة في المجال اللاسلكي.. إنها البلد الوحيدة التي تمتلك أربع شبكات قومية بتكنولوجيا التطور طويل الأمد (LTE)، إضافة إلى أنها في الربع الأول تميزت من حيث العديد من المعايير المرتبطة بالهاتف المحمول، مثل الاستخدام، ومتوسط السرعات، ومستوى المنافسة، وما شابه. تأتي معظم الابتكارات في المجال اللاسلكي من شركات واستثمارات تدار من الولايات المتحدة، بدءا من الشرائح وحتى أنظمة تشغيل وبرمجيات المحمول، وكذلك عدد كبير من العناصر والتقنيات المتعلقة بالشبكات. ومع التصريحات المتعلقة بالجيل الخامس في الأسبوع الأخير، يبدو أن الولايات المتحدة تتأهب ثانية لشغل مقعد القيادة في تطوير ونشر التقنيات اللاسلكية للجيل القادم.

الجدير بالذكر أن هيئة الاتصالات الفدرالية قامت بخطوة ريادية عبر إتاحة العقارات للجيل الخامس. وما تزال هناك الكثير من الأمور التي تحتاج إلى التسوية، من حيث الكيفية التي سيتم بها تخصيص وبيع الطيف، كما أن أوان توفره للاستعمال التجاري الواسع لن يحين قبل عدة سنوات. أما الآن، ففكرة استعمال طيف موجي من المليمترات يعادل إحدى مشاريع قسم البحث والتطوير العملاقة في شركة بحجم وكالة ناسا الأمريكية، مشروعٌ ما يزال في حاجةٍ إلى تطوير كبير في مجال الهوائيات الذكية، وقدرات تكوين الشعاع (Beam Forming Capabilities)، ومجالات أخرى.

"يستطيع الجيل الخامس تقديم سرعات فائقة بصورة غير مسبوقة، وكُمُون (Latency) أقل بشكل كبير. (رويترز)


إذن، ما هو الشكل المتوقع للجيل الخامس؟ أولا، سيكون شديد الاختلاف عن تطور الأجيال السابقة من حيث الجانب اللاسلكي. كان الجيل الثاني نقلة من التماثلية (Analog) إلى الرقمية؛ وكشف لنا الجيل الثالث عن إمكانية استخدام المحمول في البيانات إلى جانب الصوت والنصوص؛ ونبهنا الجيل الرابع إلى قدرة الشبكات اللاسلكية على العمل في مجال قريب من النطاق العريض، ولو في اقتصاديات ذات اختلاف جوهري.

سيكون الجيل الخامس مختلفا. فهو لا ينطبق عليه شعار الأولمبياد: "أسرع، أعلى، أقوى"، مثلما كان الحال مع تطور الجيل الثاني والثالث والرابع. أولاً، سيمثل الجيل الخامس خليطا من الطيف المرخَّص وغير المرخَّص، وستتم مشاركة جزء من هذا الطيف. لقد اهتمت هيئة الاتصالات الفدرالية بدعم تطوير تقنيات مشاركة الطيف، منذ الخطة القومية للاتصالات عريضة النطاق وشبكات الفراغات البيض للتلفاز، وحتى قرار ٣.٥ جيجا هرتز. إن شمول مقترح حدود الطيف للجزء غير المرخَّص يعني أننا مستمرون في طريقنا في الحيِّز الواقع بين شبكات "الواي فاي" وشبكات المحمول، كما يتيح لكثير من أجهزة "إنترنت الأشياء" الاتصال بالشبكات وبمجموعة جديدة من مقدمي الخدمة، إلى جانب الأربع هيئات الكبيرة القائمة بخدمات المحمول حاليا.

ثانياً، سيكون الجيل الخامس أكثر شبها بـ "واي فاي" خارق منه بشبكة محمول تقليدية. في نطاقات الطيف العالية هذه، ستكون هناك حاجة إلى كثافة هائلة من الخلايا الصغيرة؛ خلية صغيرة لكل ١٢ منزل في منطقة متوسطة الازدحام، طبقا لتقرير حديث رائع من الرفاق العاملين في "New Street Reserach". وإذا اتخذنا نقطة استشرافٍ من الكيفية التي نستخدم بها الهاتف المحمول حالياً؛ نجد أن التطور طويل الأمد للجيل الرابع سيظل -على الأغلب- شبكة الأساس، خاصة في حالة التنقل، مع بقع للجيل الخامس في المدن، أو مع حالة الاستخدام الثابت. إن شبكات الجيل الخامس الأولى، أو شبكات ما قبل الجيل الخامس، ستكون للاستخدام اللاسلكي الثابت بدرجة كبيرة. يستطيع الجيل الخامس تقديم سرعات فائقة بصورة غير مسبوقة، وكُمُون (Latency) أقل بشكل كبير، مما يؤهله لتخطي شبكات النطاق العريض الثابتة الحالية في بعض الحالات، لكن لن يكون للجيل الخامس وهذا النوع من الأداء نفس درجة انتشار وحرية الحركة التي للجيل الرابع اليوم.

"يؤمن الكثيرون بمستقبل "إنترنت الأشياء" المبشِّر، نجد السوق نفسه ما زال وليداً ولا أحد يملك فكرة متماسكة بعد عن القسم الذي سيكون له الغلبة من بين أقسام "إنترنت الأشياء".

رويترز
 
ثالثاً، اقتصاديات الجيل الخامس ستكون مختلفة تماما، وهو مجال لم نسبر أغواره بعد. كان هناك كثير من الاهتمام بقدرة الجيل الخامس على تقديم سرعات بالـ "جيجا بايتس"، وكُمُون قدره واحد مليمتر في الثانية. لكن شبكات الجيل الرابع اليوم ما تزال تكلف النواقل دولاراً واحداً تقريباً لنقل "جيجا بايت" من البيانات. وهو ما يمثل عقبة أمام الواقع المعزّز (Augmented Reality) والفيديوهات ذات جودة الـ ٤٠٠٠ بيكسل (4K)، إلا في حالة تحقيق تحسينات ضخمة في الاقتصاديات اللاسلكية. ولما كان الجيل الخامس سيتطلب كمية هائلة من الخلايا الصغيرة، فسنحتاج إلى تسخير كل تطور في الشبكات الافتراضية (Network Virtualization)، وشبكة نفاذ الراديو السحابية (Cloud RAN)، و"الشبكة كخدمة" (NaaS) من أجل تحسين التكاليف.

أخيراً، سيركِّز الجيل الخامس بشكل كبير على "إنترنت الأشياء"؛ وكان استحواذ مجموعة "سوفت بنك" على شركة "إيه آر إم" الإنجليزية القابضة خلال أيام من انتشار أخبار الجيل الخامس في الولايات المتحدة أمرا مثيرا للاهتمام. وجزءٌ كبيرٌ من تبرير تكلفة الاستحواذ الهائلة يعتبر مراهنةً على مستقبل "إنترنت الأشياء". وبينما يؤمن الكثيرون بمستقبل "إنترنت الأشياء" المبشِّر، نجد السوق نفسه ما زال وليداً ولا أحد يملك (مهما قرأت من تقارير تحليلية) فكرة متماسكة بعد عن القسم الذي سيكون له الغلبة من بين أقسام "إنترنت الأشياء".

إنَّ أكثر الأشياء إثارةً للاهتمام هو الدور النشط الذي يمارسه القطاع العام في تطوير اللاسلكية بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخه. أهي السياسة الصناعية؟ لقد التزمت هيئة الاتصالات الفدرالية بإتاحة "العقارات" للجيل الخامس. إنَّ التقنية اللاسلكية التجارية في نطاقات الطيف المرتفع تلوح في الأفق، لكن ما زال أمامنا طريقٌ من التطوير يحتاج إلى سنوات. هناك سنجد منصة للاستثمار والتعاون العام/الخاص والصناعة الداخلية/البينية. إنه لشيءٌ عظيم أن تجد أمراً مثيراً للاهتمام، وسط هذه الحياة الصاخبة جيوسياسياً، والموسم السياسي الباعث على القلق.

المادة مترجمة: رابط المقال الأصلي

تقارير متصدرة


آخر الأخبار