انضم إلينا
اغلاق
كيف عزّزت الاختراقات الروسية وصول ترمب للبيت الأبيض

كيف عزّزت الاختراقات الروسية وصول ترمب للبيت الأبيض

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

فاجأت القوات الجوّية اليابانية في شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 1941 نظيرتها الأمريكية وقامت بضربها في ميناء اللؤلؤة "Pearl Harbor"، لتدفعها فيما بعد إلى خوض الحرب العالمية الثانية التي غيّرت بشكل كبير من تاريخ الولايات المُتحدة الأمريكية [1].
 

وما أن حطّت الحرب العالمية الثانية رحالها، حتى بدأت ثورة اقتصادية كبيرة في أمريكا امتدت لفترة طويلة من الزمن [2]، لكن نار الثورة أُخمدت من قِبل الحرب الباردة التي أعلنها الاتحاد السوفيتي على أمريكا عندما أطلق القمر الصناعي الأول من نوعه، سبوتنيك Sputnik 1 [3]، الذي دفع أمريكا لترك كل شيء وافتتاح وكالة الأبحاث الدفاعية DARPA [4]، التي سخّرت جميع الإمكانات لاستقطاب أفضل العقول في أمريكا، مُعلنة بذلك حربًا تقنيةً مفتوحة.
 

وفي وقت تبدو فيه أمريكا بشركاتها القوية -جوجل، وآبل، ومايكروسوفت، وفيسبوك- في قمّة التفوّق الرقمي على صعيد العالم، كان للدب الروسي رأيًا مُغايرًا، فالأيام الأخيرة من عام 2016، أظهرت أن الحرب الباردة التي قادها الاتحاد السوفيتي على الصعيد التقني في مُنتصف القرن الماضي ما زالت مُستمرة، بل وأثبتت أيضًا أن الوريث الشرعي للاتحاد المُتفكّك -روسيا- ما زال قادرًا على خوض الحروب الباردة والدامية على حد سواء.
 

 

الحرب الإلكترونية الأمريكية-الروسية

لم تكن الانتخابات الرئاسية الأخيرة في أمريكا عادية أبدًا، فهي جذبت اهتمام الجميع تقريبًا، لتبدو وكأنها الحلقة الأخيرة من أحد برامج اكتشاف المواهب، بل وتجمهر الجميع خلف شاشات التلفاز، وتطبيقات التواصل الاجتماعي لمعرفة النتائج أولًا بأول. هذه الأهمية قادها عنصر أساسي، وهنا لا أتحدث عن المُرشحين الرئاسيين، بل ما حدث في الخفاء منذ عام 2015.
 

في يونيو/حزيران 2015، قامت مجموعة Cozy Bear التي تُعرف أيضًا باسم APT 29، وهي مجموعة من المُخترقين الروس المُحترفين، بحملة اختراق على خوادم الحزب الوطني الديمقراطي "Democratic National Committee"، أو ما يُعرف اختصارًا بـ DNC، دون أن يدري الحزب بهذ الاختراق أبدًا [5].

مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI تنبّه فيما بعد إلى وجود هجمات على خوادم الحزب، لكنه لم يُشارك أية تفاصيل، وهو ما دفع الحزب بدوره إلى تجاهل هذه التحذيرات لأنه لم يجد أية دلائل على وجود اختراقات على الخوادم، وبالتالي سار الاختراق وكأن شيئًا لم يكن [6].
 

لسبب أو لآخر، لم يذكر مكتب التحقيقات الفيدرالي احتمالية وقوف روسيا خلف هذا الاختراق. لكنه لو ذكر مثل هذه المعلومة للحزب، لكان الأمر مُغايرًا تمامًا، أو على الأقل، لسرّع من التحقيقات في صحّة مثل هذه الأخبار، التي لم تُهمل أبدًا، لكن الحزب انتظر حتى شهر مارس/آذار من عام 2016 ليكتشف وجود اختراق بالفعل، وسرقة للبيانات كذلك، وهو ما دعاه للاستنجاد بشركة CrowdStrike لتأمين الخوادم من مثل هذه الهجمات [7].
 

إصرار المُخترقين الروس لم يكن له حد، خصوصًا أنهم مدعومون من قبل الحكومة الروسية، وبالتالي قامت مجموعة جديدة تُعرف باسم Fancy Bear أو APT 28 باختراق خوادم الحزب من جديد، وحملة المُرشح الرئاسي للحزب -هيلاري كلينتون Hillary Clinton- وسرقة جميع الرسائل الإلكترونية وتحديدًا تلك الموجودة في حساب المسؤول عن الحملة John Podesta [8].
 

حاول مكتب التحقيقات الفيدرالي تحذير الحزب من هجمات جديدة تمّت على الخوادم، لكن عدم ترك أثر على الخوادم صعّب من مهمة المكتب والحزب على حد سواء في تحديد طبيعة الاختراق أو حتى التأكد من وجوده بالأساس، لتنخفض أهمّية التحذيرات حتى مايو/أيار 2016 حينما أعلن "James Clapper"، رئيس الاستخبارات الأمريكية عن وجود اختراق بالفعل [9].
 

لم تكن مهمّة الحزب وشركة "CrowdStrike" سهلة أبدًا، فهم انتهوا من تأمين الخوادم بشكل كامل مع منتصف شهر يونيو/حزيران 2016، وهو التاريخ الذي انتشرت فيه القصّة في وسائل الإعلام الأمريكية للمرّة الأولى [10]. الرد الروسي كان قاسيًا، فأحد المُخترقين المعروفين باسم Guccifer 2.0 قام بتسريب الرسائل الإلكترونية من بريد كلينتون، إضافة إلى تسريب مُستندات خاصّة بالحزب على الإنترنت [11]. الغريب في هذا كُله أن أمريكا لم ترد أو تتحدّث بشكل رسمي، خصوصًا أن مثل هذا الاختراق يُعتبر تهديدًا للأمن الوطني بحسب القانون الأمريكي.

 

 

الضربة القاضية

لم يكن الهدف من حملات الاختراق الروسية ضد الحزب الأمريكي واضحًا في البداية، وهي لم تكن مُثبتة كذلك على أنها قادمة من روسيا بشكل كامل. لكن وبعد أن هدأت الأمور، وخفّت حالات الهلع التي ضربت أمريكا جراء اكتشاف الاختراق، عاد المُخترقون من جديد وهذه المرّة بتسريب أكثر من 200 ألف رسالة بريدية خاصّة بالحزب الديمقراطي، لكن هذه المرّة عبر موقع ويكي ليكس WikiLeaks [12]. التسريب تصادف مع اليوم الذي أعلن فيه دونالد ترامب "Donald Trump" ترشّحه رسميًا للرئاسة، وهو مُرشّح عن الحزب الجمهوري، في حين أن كلينتون كانت مُرشحة الحزب الديمقراطي. وهو ما يوضّح رغبة روسيا في فوز ترامب بشكل أو بآخر.
 

وبعد حملة التسريبات الجديدة، تأكّد خُبراء الأمن الرقمي في الولايات المُتحدة الأمريكية، وبعض المسؤولين فيها، إلى جانب عُملاء من مكتب التحقيقات الفيدرالي، أن روسيا هي من تقف خلف هذه الحملات، مُصرّحين بشكل علني أن ما جرى هو تهديد للأمن الوطني من جهة، وتشويه مقصود لصورة كلينتون من جهة أُخرى. وما كان من الحكومة الأمريكية سوى أن صمتت مثلما هو الحال بعد اكتشاف حملات الاختراق الأولى [13].
 

التقاعس في الرد على هجمات روسيا من قبل الرئيس الأمريكي رُبط بشكل أو بآخر ببعض الأمور الساسية العالقة، وفي مُقدمتها القضية السورية، التي يسعى "جون كيري John Kerry" إلى كسب ود الروس فيها للوصول إلى حل يُرضي جميع الأطراف، وبالتالي لم يرغب أوباما في أن تشوب هذه المحاولات أية شائبة [14].
 

مزيج جمع ما بين خوف الولايات المُتحدة الأمريكية، وقلقها من تعثّر المحادثات بخصوص بعض القضايا السياسية العالقة، جعل روسيا الآمر الناهي في الشأن الداخلي الأمريكي، فهي وخلال 2016 ساهمت بشكل كبير في نشر أخبار مؤيدة للرئيس الأمريكي المُنتخب دونالد ترامب، وأخبارًا مُعادية لكلينتون. دون تجاهل المواقع والحملات المُمنهجة لبسط هذه المفاهيم بين أطياف الشعب الروسي، لإعلان ترممب حليفًا مُحتملًا قبل حتى وصوله إلى الحكم.

 

يُمكن القول أن الحرب الإلكترونية الأولى ما بين روسيا وأمريكا لم تنته بفوز الروس، لكنها أدّت إلى تقسيم الشعب الأمريكي بشكل كبير.

وكالة الأنباء الأوروبية

 

تفوق بدأ مع سبوتنيك وأثبت فعّاليته في انتخابات 2016

دفعت الحرب الباردة، التي بدأها الاتحاد السوفيتي، الولايات المُتحدة الأمريكية إلى تأسيس وكالة البحوث الدفاعية، والتي ذكرنا أنها أظهرت الولايات المُتحدة الأمريكي بمظهر الأب الروحي للتقنية بشكل عام. لكن روسيا الآن، والاتحاد السوفيتي سابقًا، ربحوا الحرب دون أن تُراق قطرة دم واحدة.
 

تجرأت أمريكا في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2016، أي قبل شهر من موعد الانتخابات الرئاسية، وأعلنت عبر الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن روسيا تقف خلف الاختراقات [15]، بل وصل في نفس اليوم إلى أيدي وسائل الإعلام تسجيلًا صوتيًا يظهر فيه ترامب وهو يتفاخر بألفاظ جنسية فيها نوع من الاعتداء يعود إلى عام 2005 تقريبًا [16]. لكن الرد الروسي وموقع ويكي ليكس لم يتأخر، وبدأت حملة جديدة لتسريب وثائق جديدة من بريد المسؤول عن حملة كلينتون. نجحت التسريبات، التي استمرّت بشكل يومي، في تشويه صورة كلينتون في أعين الشعب الأمريكي [17]، وهو ما اضطرهم فيما بعد للتصويت لصالح دونالد ترامب الذي بدا للمرة الأولى أفضل السيئين في تلك الانتخابات.
 

أجرى الرئيس الأمريكي في 31 أكتوبر مُكالمة مع الرئيس الروسي،  فلاديمير بوتين Vladimir Putin، للحديث حول المشاريع النووية. وبحسب أوباما، فإنه نبّه بوتين حول الاختراقات وضرورة عدم تكرارها، حيث تعهّد الأخير -بحسب أوباما- بعدم تكرارها [18]. لكن وعلى أرض الواقع، تمكّن بوتين في الفوز بهذه الحرب بكل سهولة، فقد قام بتسريب وثائق أظهرت كلينتون وكأنها الشرير القادم إلى حكم الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وبررت، تلك الوثائق، من جهة أُخرى بعض الأفعال التي قام بها ترامب في السابق، وهو ما أثّر بشكل أو بآخر على سير الانتخابات الأمريكية التي فاجأت نتائجها الجميع، ففي وقت بدت فيه -داخليًا- كلينتون المُرشح الأوفر حظًا، وصل الحزب الجمهوري ومُرشّحه ترامب سدّة الرئاسة، لتتوقف بشكل فُجائي حملة التسريبات والاختراقات وتهدأ الأوضاع في الولايات المتحدة الأمريكية.
 

 

يُمكن القول أن الحرب الإلكترونية الأولى ما بين روسيا وأمريكا لم تنته بفوز الروس، لكنها أدّت إلى تقسيم الشعب الأمريكي بشكل كبير دافعةً بعض الرؤساء التنفيذين على غرار تيم كوك Tim Cook في شركة آبل إلى إرسال رسالة لجميع الموظفين لحثّهم على توحيد الصفوف وعدم الاكتراث بنتائج تلك الانتخابات [19]. وأدّت كذلك إلى ارتباك كبير حول مُستوى حماية النظام الرئاسي أو السياسي في الولايات المُتحدة الأمريكية، ومدى قُدرته على مواجهة حروب من هذا النوع في المُستقبل.
 

التاريخ سيذكر أن الاعتداءات الخارجية التي طالت أراضي الولايات المُتحدة الأمريكية في ميناء اللؤلؤة في 1941، وبُرجي التجارة في 2001 لم تنجح في تفكيك أو تفتيت الشعب الأمريكي ولا حتى نظامه الرئاسي، لكن الحرب الإلكترونية بقيادة روسيا كانت لها اليد العُليا في 2016، ونجحت في إيصال ترامب إلى البيت الأبيض.
 

وفي وقت بدا فيه تحدّي الولايات المُتحدة الأمريكية على الصعيد التقني أمر صعب جدًا، خصوصًا بعد الثورة التقنية التي جاءت كرد على الاتحاد السوفيتي وحربه الباردة، وبعض المشاريع التقنية الكبيرة التي رأت النور على يد مُبتكرين أمريكان، جاء الرد صريحًا بأن من دفع أمريكا لصرف مبالغ طائلة لتطوير تقنيات والسيطرة على الريادة التقنية لفترة طويلة، قادرًا على إيقافها في أي وقت يرغب به.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار