انضم إلينا
اغلاق
الوجه الآخر للرفاهية.. كابوس الشركات التقنية

الوجه الآخر للرفاهية.. كابوس الشركات التقنية

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض
يُمكن وصف الشركات التقنية الكُبرى وبيئات العمل فيها بأرض الأحلام نظرا لتصاميمها الفريدة، ومرافقها المرحة التي تدفع الموظّفين إلى إخراج أفضل ما لديهم، دون نسيان شروط العمل التي تُعطي للموظّف حقّه في العمل على مشاريعه الجانبية التي تستهويه لدفع عجلة الإنتاجية قدر الإمكان.

 

لكن على الإنسان أن لا يُغرّ بطيب العيش، فتلك الأحلام قد تتحوّل إلى كوابيس بالنسبة للبعض خصوصا بعد التقارير، أو التسريبات، التي تشقّ طريقها وتحوّل تلك الصورة الملوّنة إلى سوداء. أمازون كانت آخر ضحايا تلك التقارير، لكنها ليست لوحدها، فشركات بحجمها لها وجهان أيضا، فيها الخبيث وفيها الطيّب أيضا.

 

أمازون والمَيلان الأعظم
سبق لمهندسي شركة أمازون أن تحدّثوا عن بيئة العمل الرائعة التي توفّرها الشركة، وعن آلية إدارة المشاريع الجانبية فيها، فالموظّف بإمكانه تجهيز عرض بسيط ومن ثم التوجّه إلى مكتب "جيف بيزوس" (Jeff Bezos)، الرئيس التنفيذي للشركة، لعرض الفكرة والبدء في تنفيذها فورا لو نالت إعجابه، وهذا دون الحاجة إلى المرور على المُشرفين وعلى أصحاب القرار في الشركة، أي بعيدا عن البيروقراطية التي دبّحت -وستدبّح- من يُجيدها.

 

بشكل عام، تحرص الشركة على توفير حرّية أمام الموظّفين خصوصا عند تطوير مشاريع جديدة، فاختيار لغة برمجة دونا عن الأُخرى أمر يعود إلى فريق العمل الذي يجب ألّا يحتوي على الكثير من الأشخاص، فكُلّما زاد عدد فريق العمل ثقلت الحركة. وهذا أمر لا ترغب فيه الشركة خصوصا مع وجود عقلية تنقّل الموظّف بين فرق العمل والمشاريع كل عام أو اثنين، بحيث لا يشعر بالملل، وتزداد مهاراته مع مرور الوقت.

         

شركات التقنية بها بيئات عمل مُحفّزة ورواتب خيالية وفرصة لا تعوّض في الحياة. ولكنها في نفس الوقت قاسية يتحوّل الفرد فيها إلى آلة تعمل طوال اليوم على مدار الأسبوع والشهر والسنة

مواقع التواصل
       

لكن هذا ليس كل شيء، على الأقل بعد النظر إلى التقرير الصادر مؤخّرا من داخل مستودع الشركة في المملكة المُتحدة، المستودع الذي يشحن سنويا أكثر من مليون شحنة واضعا نفسه كمحطّة مهمّة بالنسبة للشركة في أوروبا(1)عند الدخول إلى المستودع توجد سبّورة تُدوّن عليها بعض الملاحظات والأمور التي يجب اتباعها، مثل استراحات محدودة للذهاب إلى دورات المياه، أو منع الموظّف من الجلوس أثناء ساعات العمل التي تصل إلى 11 ساعة تقريبا، يُحارب فيها لإتمام أهداف تظهر على شاشة أمامه، وكأنه رجل آلي يحتاج إلى العمل تماما مثلما يُملى عليه. هناك فترتان للأكل فقط خلال النهار، مدّة الواحدة منها 30 دقيقة فقط، ويحتاج الموظّف إلى السير مسافة طويلة للوصول إلى المطعم لتناول طعامه ثم العودة مُجدّدا لتحقيق الأهداف الظاهرة أمامه التي تبدأ من إتمام طرد كل 30 ثانية!

 

ولزيادة الطين بِلّة، لا يُمكن أخذ استراحات بشكل مُتكرّر، كما أن رصد الموظّف وهو جالس أو دون عمل سيؤدي إلى توبيخه من قبل المُشرفين الذين يجوبون المستودع الذي لا يحتوي بدوره على نوافذ، وهذا يعني عدم وجود ضوء طبيعي والاعتماد فقط على الإنارة من المصابيح. هذا سبّب اكتئابا للكثير من الموظّفين إلى جانب إثقال كاهلهم بمهام شاقّة بشكل يومي دون رحمة، وهو أمر أدّى إلى انهيار البعض خصوصا عندما يأتي المُشرف ويُخبر أحدهم أنه بحاجة إلى العمل لفترة إضافية لأنه لم يُحقّق الأهداف التي ترتفع كل فترة.

 

البعض قد يجد نفسه مُضطرا للنوم خارج الشركة في خيمة لتجنّب التأخّر على الدوام الرسمي. والبعض الآخر يأخذ سكنا قريبا للتخلّص من هذا العناء، لكنه يدفع 75٪ من راتبه مُقابل تلك الرفاهية، ليتبقّى بذلك مبلغ صغير لا يكفيه لإعالة عائلته التي تعيش بعيدة عنه بنسبة كبيرة.

 

آبل والانتحار
بالحديث عن الإضاءة الطبيعية، حرصت شركة آبل في مقرّها الجديد، "آبل بارك" (Apple Park)، على الاستعانة بالزجاج على الجدران وعلى الأسقف للسماح للضوء الطبيعي بالدخول إلى المقر مع توفير بعض النباتات الخضراء كذلك لجعلها بيئة عمل طبيعية بعيدة عن التصنّع وعن الجدران التي تحدّ الرؤية والبصيرة. كما حرصت الشركة على توفير مساحات عمل مفتوحة كبيرة، بحيث يتسنى للموظّفين من أقسام مُختلفة العمل معا على بعض المشاريع، والعودة فيما بعد إلى مكاتبهم بعد الانتهاء، وتلك مساحات موجودة بشكل مُتكرّر داخل المقر.

                                                     

        

أما من ناحية بيئة العمل، فوجود أفضل المواهب في الشركة أمر يُمكن رصده بسهولة بالنظر إلى الأجهزة التي تقوم بإنتاجها، فالتميّز من قبل آبل، مايكروسوفت أو فيسبوك، لم يأتِ من فراغ أبدا، بل من خلال توظيف أشخاص أكثر ذكاء للتعلّم منهم، وهذا حسبما ذكر الراحل "ستيف جوبز" (Steve Jobs) بنفسه(2). لكن آبل تأتي أولا بحسب تصريحات بعض العاملين فيها، فالموظّف قد يجد نفسه مُضطرا للعمل لساعات طويلة جدا حتى في الليل، أو في الصباح الباكر، من أجل إتمام بعض المشاريع. كما ذكر البعض أن يوم الأحد هو يوم عمل بالنسبة لهم ولم يعد يوما للإجازات التي وإن نجحوا في الحصول عليها، سواء لحالة مرضية أو لقضاء عطلة مع العائلة، فإنهم سيستلمون رسائل من الشركة للإجابة عن بعض الأسئلة أو لإتمام بعض المشاريع العالقة(3).

 

تلك الأمور عادية وموجودة في الكثير من بيئات العمل، خصوصا عندما تكون هناك مُنتجات جديدة أو مشاريع يجب الانتهاء منها خلال فترة مُحدّدة، فالالتزام بأوقات الدوام أو بالأيام الرسمية أمر غير موجود على أرض الواقع. لكن هناك أسوأ من ذلك، خصوصا في المصانع الموجودة في شرق آسيا المسؤولة عن تجميع هواتف "آيفون"، ومُنتجات شركة آبل المُختلفة.

 

آخر تقرير صدر بحقّ آبل وشركائها كان في الربع الأخير من 2017، تقرير سلّط الضوء على استخدام عمالة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 15 إلى 18 عاما للعمل في خطوط تجميع الجيل العاشر من هواتف الشركة، "آيفون إكس" (iPhone X)، وذلك لتلبية الطلبات المُرتفعة وتعويض فترة التوقّف التي أصابت تلك الخطوط نتيجة لمشكلات في إنتاج بعض المكوّنات. تحدّث الأطفال لوسائل الإعلام ذاكرين أنهم يدرسون في مدارس مهنية وطُلب منهم التوجّه للتدرّب في شركة "فوكسكون" (Foxconn) المسؤولة عن تجميع مُنتجات آبل(4).

 

في حقيقة الأمر، لم يُطلب منهم ذلك، بل أُجبروا على العمل لدى الشركة بسبب حاجتها إلى الموظّفين، الأمر الذي نفته آبل و"فوكسكون"، لكن التقرير والأطفال أكّدوا أنهم كانوا بحاجة إلى العمل لساعات طويلة وبدوام كامل من أجل النجاح في المدرسة والانتقال إلى المرحلة التي تليها. يُمكن تبرير هذا الأمر كذلك، أو اعتباره خطأ وتم التراجع عنه. لكن لشركة "فوكسكون" باع طويل في مثل تلك الحوادث، خصوصا في الفترة بين 2010 و2012 التي شهدت انتحار الكثير من الموظّفين العاملين في خطوط إنتاج أجهزة آبل، وهذا بسبب ظروف العمل الصعبة جدا، ولعدم دفع أجور تكفي العاملين وتُساعد عائلاتهم(5).

      

      

الكثير اعتبر الحياة سوداوية جدا داخل مصانع "فوكسكون" التي كانت أشبه بمدن نتيجة لوجود آلاف العاملين فيها. "كل شيء تتحدّث الشركة عنه كذب"، وهذا على لسان أحد العاملين الذي عبّر عن سخطه وعن تأخّر الشركة في دفع الرواتب، وكذبها في توفير غرف مجانية للنوم، فهي لا تأخذ إيجارا شهريا، لكنها تُجبر العاملين على دفع فواتير مُرتفعة جدا للكهرباء والماء، وكأنها تدفع باليمين وتقبض باليسار.

 

هناك ظروف عمل سيئة أُخرى تكمن في وجود مواد كيماوية على الجدران، مع انتشار الصدأ أيضا. كما أن صعوبة التعامل مع المُشرفين الذين يوبّخون أي عامل على خطئه أمام الجميع دون رحمة من أكثر الأمور التي تُسبّب الإحراج للبعض وتدفعهم إلى الاكتئاب، ثم الانتحار.

 

غوغل
تختلف طبيعة عمل شركة غوغل، بشكل أو بآخر، عن طبيعة عمل آبل وأمازون، وهذا يعني أن البطش بالعمالة أمر غير موجود فيها. لكن هذا لا يمنع من وجود بعض المساوئ والمحاسن داخل بيئة عمل الشركة التي تُعتبر الأفضل من ناحية الإنتاجية والإبداع بفضل الألوان والمرافق التي لا تخطر على بال أحد، من غرف للتدليك، وأُخرى للنوم. كما أن وجود مطابخ بوجبات خفيفة متنوعة تُعتبر من الأمور المهمّة.

     

     

تعتني غوغل بالمهندسين الأكفاء الذين يقضون وقتا طويلا في الشركة، وذلك من خلال تقديم امتيازات تجعل ضغط العمل ومُرّه حلوا، فالشركة تتكفّل بعائلة الموظّف لو فقد حياته وتُرسل إلى زوجته راتبا شهريا، وتتكفّل كذلك بتعليم أولاده حتى الوصول إلى المرحلة الجامعية، وبالتالي يُمكن للموظّف ترك كل شيء خلفه والتفكير بعمله لمحاولة ابتكار تقنيات تُحافظ غوغل فيها على موقعها في المُقدّمة(6).

 

في المُقابل، هناك مشكلات داخل بيئة العمل تلك تبدأ من الذكاء العالي، فالبعض ذكر أن الشعور بالإحباط أمر عادي جدا داخل غوغل بسبب الكفاءات التي تعمل داخل الشركة والتي تُجبر الموظّف على أن يكون جاهزا بنسبة 100٪ وأكثر طوال الوقت. صعوبات أُخرى توجد داخل الشركة خصوصا عند تطوير مشاريع جانبية، ففي أمازون ترغب الشركة من مُهندسيها تطوير نسخة أولية من المُنتج لمعاينته على أرض الواقع والاستفادة من ردود الأفعال. لكن في غوغل الأمر مُختلف، والمشروع حتى لو كان بنسخة تجريبية يجب أن يكون مُعقّدا بما فيه الكفاية ويتمتّع بقابلية توسّع عالية، الأمر الذي يجعل العمل على المشاريع الجانبية مُعقّدا ولا يقل عن العمل على مشروع رئيس موجود داخل الشركة(7).

 

وفي وقت تبدو فيه الشركة مُنفتحة وتُرحّب بجميع التقنيات، تعتمد غوغل على أدوات تطوير خاصّة بها، تُجبر الموظّفين على استخدامها فقط، وهذا يعني أن وسائل التواصل بين أعضاء فرق العمل أو تنظيم المهام ليست مُعتمدة خارج غوغل، ويبقى الموظّف بعد تركه لغوغل معزولا وكأنه انقطع عن التقنية لفترة من الزمن. هذا يعني أن المهارات التي يكتسبها المهندس داخل غوغل تبقى ضمن الشركة فقط، ولا يُمكن الاستفادة منها بشكل كامل بعد الخروج من الشركة التي تعجّ بالموظّفين، وهذه مُشكلة أُخرى تجعل المُهندس يفقد أهمّيته مع مرور الوقت، وسيشعر دون أدنى شك أنه مُجرّد عنصر آخر داخل منظومة كبيرة. وهذا يُفسّر خروج البعض من غوغل والتوجّه إلى العمل في شركات ناشئة التي تتكوّن عادة من فرق عمل صغيرة يعملون وكأنهم كتلة واحدة تهدف لإنجاح المشروع، وبالتالي يشعر كل شخص بأهمّيته(8).

          

      

في غوغل هناك عيب آخر يتمثّل في هيكل إداري مُعقّد جدا فيه الكثير من الروتين، فالحديث مع مُدير المشروع ليس بالأمر السهل، وحديث مدير المشروع مع مسؤولين أعلى منه أيضا بنفس درجة التعقيد، وهذا يعني صعوبة اتخاذ القرار في بعض التفاصيل البسيطة. في أمازون هناك "بيزوس" الذي يُساعد الجميع ويسعى لتحفيز المشاريع الجانبية المُميّزة. لكن في غوغل هناك "لاري بيج" (Larry Page)، أحد مؤسّسي الشركة الذي شغل منصب رئيسها التنفيذي لفترة من الزمن، وهو شخص وُصف بأنه مُتعالٍ نوعا ما ولا يُمكن إرضاؤه بسهولة، الأمر الذي يجعل جذب انتباهه للمشاريع الناشئة أمرا صعبا جدا(9).

      

للتقنية وجهان، واحد فيه فائدة للإنسان وآخر فيه تدميره. ونفس الأمر في الشركات التي تقف خلف تلك التقنيات، فهي من جهة شركات ببيئات عمل مُحفّزة ورواتب خيالية وفرصة لا تعوّض في الحياة. ومن جهة أُخرى هي شركات ببيئات عمل قاسية يتحوّل الفرد فيها إلى آلة تعمل طوال اليوم على مدار الأسبوع والشهر والسنة. ما سبق يصبّ في خانة التعلّم والخبرات التي يحتاج الإنسان إلى مشاركتها مع البقيّة بشكل دائم لتصحيح الأخطاء إن وجدت، والاستفادة من الميزات المُختلفة، إن وجدت كذلك!

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار