انضم إلينا
اغلاق
التعرّف على الوجه.. هل هي كذبة تسويقية؟

التعرّف على الوجه.. هل هي كذبة تسويقية؟

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

لم تسلم هواتف آبل الجديدة، "آيفون إكس" (iPhone X)، من جميع أنواع الاختبارات ما إن وصلت إلى أيدي المُستخدمين الذين انتظروا شهرا ونصف تقريبا للحصول عليها، وهو وصول لم يكن عاديا أو طبيعيا أبدا، فإلى جانب الرغبة في وضعها تحت الاختبارات التقليدية المُختلفة، كان هناك تحدٍّ من نوع خاص يواجه أولئك الأشخاص.

 

خاصيّة التعرّف على الوجه (Face ID) التي تبلغ نسبة الخطأ فيها 1 على مليون -في وقت تبلغ فيه نسبة الخطأ في مستشعر البصمة 1 على 50 ألف- رفع سقف التحدّي أمام المستخدمين الذين حصلوا على فترة كافية لتحضير اختبارات تُبطل نظرية آبل ومستوى الأمان العالي الذي تدّعي آبل وجوده في تقنية التعرّف على الوجه(1).

 

 

التوأم الشرّير

تعمل تقنية التعرّف على الوجه اعتمادا على كاميرا بالأشعة تحت الحمراء تقوم أولا بالتقاط صورة لوجه المستخدم، ليقوم بعدها عارض ضوئي نُقطي بإسقاط 30 ألف نقطة -لا تُرى بالعين- على وجه المستخدم لمحاولة رصد ملامحه ومُطابقتها مع خارطة ثلاثية الأبعاد للوجه مُخزّنة داخل الجهاز عند استخدام تقنيات التعرّف على الوجه للمرّة الأولى. وهذا يعني أن ملامح الوجه وتفاصيله وأبعاده هي ما يتم تخزينه لتجنّب إمكانية فك قفل الجهاز عبر صورة للمستخدم فقط.

 

  

لكن تلك التقنيات يُمكن إبطال مفعولها بسهولة تامّة عندما يُستخدم الجهاز من قبل طفل صغير أو من قبل التوائم، الأمر الذي تعجز عنده التقنيات عن التفرقة بين المستخدم الأصلي وبين الشخص الآخر، وهذا يعني سلفا أن الإخوة الصغار أو الأبناء تحت سن العاشرة قد يكونون قادرين على فك قفل الجهاز بسبب تشابه الملامح لا أكثر، والأمر ذاته عندما يأتي توأم حقيقي، وتلك تأكيدات جاءت على لسان آبل ذاتها، إذ لا يحتاج المُستخدمون للقيام بالكثير من الاختبارات المُعقّدة لإثبات هذا الأمر.

 

بناء على ما سبق، لم تنجح مقاطع الفيديو أو الاختبارات التي تُسلّط الضوء على الحالات السابقة في شق طريقها في يوتيوب، فهي انتشرت بكثرة، لكنها لم تُحدث ضجة مثل الفيديو الذي يظهر فيه شقيقان ليسا توأما نجحا في خداع تقنية التعرّف على الوجه دون مشكلات أبدا بعد أكثر من محاولة.

  

 

ما حدث على أرض الواقع هو أن أحدهما قام بتعريف الميزة باستخدام وجهه، وقام بفك قفل الجهاز أكثر من مرّة دون مشكلات، ليأتي فيما بعد أخوه ويحاول فك قفل الجهاز أكثر من مرّة دون نجاح، لكنه وفي كل مرّة يفشل فيها كان يقوم بإدخال رمز القفل بشكل يدوي، عندما تفشل تقنية التعرّف على الوجه في معرفة الشخص أمام الكاميرا تقوم بعرض رمز الأمان لتسهيل فك قفل الجهاز. بعد أكثر من محاولة فاشلة قام النظام أخيرا بالتعرّف على وجه الأخ الآخر وقام بفتح قفل الجهاز فورا، لتُصبح الميزة متوافقة مع وجهين عوضا عن واحد، الأمر الذي لا ترغب آبل به أبدا.

 

بعد انتشار الفيديو الأول عاد الأخوان من جديد ليشرحوا ما حصل، ذاكرين أن تعريف وجه ثم محاولة استخدام وجه آخر لم ينجح فورا، فهو نجح بعدما قام الأخ الثاني بإدخال رمز القفل أكثر من مرّة. وعليه، فإن التقنية تتعلّم مع مرور الوقت، وفي كل مرّة يتم إدخال رمز القفل فيها تقوم المُستشعرات برصد وجه الشخص لتتعلّم منه وتُصبح أسرع، وهذا يُفسّر قدرتها على تمييز الشخص حتى بعد وضع نظّارات طبيّة أو وضع مساحيق التجميل على الوجه.

 

من خلف الأقنعة

لا يُمكن تعميم الحالات السابقة أبدا على تقنية التعرّف على الوجه، فالمستخدم من أجل خداعها يحتاج إلى معرفة الرمز السرّي الخاص بالجهاز، وهذا يعني طبقة أمان أُخرى إلى جانب التعرّف على الوجه. كما تندرج تلك الحالات تحت الأخطاء الآدمية التي يُمكن أن تحدث والتي أخذتها آبل بعين الاعتبار في حالات التوائم والأطفال الصغار فقط. لكن الشركة أكّدت أنها تعاونت مع خُبراء في مجال إنشاء الأقنعة لتطوير تلك التقنيات بحيث لا تنجح الأقنعة في خداعها، لكن الواقع لم يكن كذلك أبدا، ونجحت الأقنعة في تجاوز تقنية التعرّف على الوجه وخداعها أكثر من مرّة!

 

 

نشرت شركة "بكاف كورب" (Bkav Corp)، المُتخصّصة في مجال الأمن الرقمي، فيديو تُثبت فيه أنها تمكّنت من إنشاء قناع خدعت فيه تقنية التعرّف على الوجه في "آيفون إكس" دون مشكلات أبدا، وهو فيديو يُظهر ذلك بالفعل، فالجهاز بقي مُقفلا عندما كان القناع مُغطّى، لكن بإزالة الغطاء خُدعت التقنية وفك نظام "آي أو إس 11" (iOS 11) قفل الجهاز بنجاح، وعندما قام المستخدم بوضع وجهه الحقيقي أمام الجهاز تم فتح الجهاز من جديد.

  

هناك مآخذ كثيرة على تلك التجربة، فالمستخدم بإمكانه تعريف التقنية على وجهه أولا، ثم وضع الجهاز أمام القناع ليفشل النظام في فك القفل ويطلب من المستخدم إدخال رمز القفل. بتكرار تلك العملية أكثر من مرّة، وبإدخال رمز القفل، سيعتبر النظام أن القناع هو وجه المستخدم تماما مثل حالة الأشقّاء. لكن هذا لا يُبرّر أبدا الفشل في تأمين الجهاز، فالشركة ذكرت أن الأقنعة لن تعمل أبدا ولم تستثنِ أي حالة، خصوصا أن الأشعة تحت الحمراء تقوم برصد الشعيرات الدموية تحت الجلد للتفرقة بين الوجه الحقيقي والقناع، وهذا على حد قولها.

  

عادت نفس الشركة من جديدة لنشر فيديو آخر تحدّثت فيه عن تطوير قناع بتكلفة لا تزيد عن 200 دولار أميركي تقريبا قامت فيه بطباعة عيون وأنف المستخدم فقط بعد التقاط صورة عالية الدقة لهما بواسطة مُستشعرات بالأشعة تحت الحمراء، بعدها قامت بإلصاقهم على القناع الذي يُحاكي تفاصيل وجه المستخدم الحقيقي. هذه المرّة استجابت الشركة للتساؤلات، وقام المُستخدم بتعريف الميزة أمام الجميع وكانت النتيجة تماما مثل الحالة الأولى، الجهاز تعرّف بشكل فوري على القناع وعلى وجه المستخدم دون طلب كلمة المرور حتى، وهذا يعني أن الأقنعة تنجح بشكل أو بآخر في خداع تقنية "فيس آي دي" (Face ID).

  

  

مستوى الأمان الحقيقي

بعد تلك المحاولات تبيّن أن نسبة الخطأ في تقنيات التعرّف على الوجه لا تبلغ 1 على مليون أبدا، ومن المستحيل أن تكون النسبة كذلك لأن تلك الاختبارات تؤكّد أن هناك عوامل أُخرى تتدخّل، لكنها ليست عامّة أو عشوائية، ففي حالة الشقيقين يجب معرفة رمز القفل وتكرار إدخاله أكثر من مرّة، أما في حالة الأقنعة فيجب التقاط صورة عالية الدقة لوجه المستخدم أولا، ثم إنشاء قناع يُحاكي أبعاد وجهه قدر الإمكان لتقليل نسبة الخطأ، لأن فشل الميزة في التعرّف على الوجه خمس مرّات مُتتالية سيؤدي إلى طلب رمز الأمان فورا، ولن يكون المستخدم قادرا على استخدام وجهه مرّة أُخرى إلا بعد إدخال ذلك الرمز، الأمر الذي يجعل تطبيق تلك الحالات على أرض الواقع طويلا نوعا ما، لكنه خطير بالنسبة للشخصيات المهمّة والعامّة التي تبحث عن مستوى أمان غير مسبوق لتأمين أجهزتها الذكية.

 

في الوضع الطبيعي يُمكن تقبّل تلك الحالات أو عدم اعتبارها فشلا بحقّ شركة آبل، لكنها بإزالة مُستشعر البصمة رفعت سقف التوقّعات مروّجة للنظام الجديد بكونه أكثر دقّة وأمانا من النظام المُزال، وهذا شيء لم تُظهره التجارب أبدا، وبالتالي لا مهرب من مُستشعر البصمة أولا، ومن استخدام رمز قفل مُعقّد لتقليل نسبة الخطر.

 

عندما قامت آبل بتقديم الميزة الجديدة استخدمت مزيجا تسويقيا تجذب فيه مُستخدمي الهواتف أيًّا كانت اهتماماتهم، فهي تحدّثت بالتفصيل عن وجود كاميرا وعارض ضوئي يعمل بالأشعة تحت الحمراء، وهنا الحديث موجّه للتقنيين وللمهتمين بالتقنية، ثم تحدّثت عن نسبة الخطأ الصغيرة جدا، وهذا تفصيل مهم لرجال الأعمال، لتختتم بالحديث عن ميزة الوجوه التعبيرية التفاعلية، "آنيموجي" (Animoji)، مُخاطبة بذلك شريحة المُستخدمين العاديين، والراغبين بالحصول على مستوى جديد من التفاعل.

 

بذكر الوجوه التعبيرية التفاعلية فإن التجارب أثبتت أيضا أنها تعتمد بشكل أساسي على الكاميرا الأمامية للهاتف، ولا تتدخّل تقنيات التعرّف على الوجه سوى في بعض التفاصيل لمزامنة حركة الوجه بشكل حقيقي قدر الإمكان، لتخرج مجموعة كبيرة من التساؤلات حول الكاميرا الأمامية في "آيفون إكس"، وحول جدوى تقنيات التعرّف على الوجه، فهي لم تنجح لا بتأمين الجهاز بنسبة 100٪، ولا تستخدم بشكل كامل لإنشاء الوجوه التعبيرية.

  

  

عند إسقاط ما تحدّثت عنه آبل خلال المؤتمر على أرض الواقع فإن جزءا كبيرا منه لم يكن موجودا حسبما أثبتت تجارب مُختلفة، وهذا أمر تحتاج الشركة إلى الحديث عنه بشكل موسّع والرد عليه على الأقل من خلال تحديث لنظام "آي أو إس" ولآلية تأمين الجهاز عبر الوجه، خصوصا بعدما تحدّثت شركة هواوي عن مُستشعر للتعرّف على الوجه أدقّ عشرة أضعاف من الخاص بأجهزة آبل، وذلك من خلال إسقاط 300 ألف نقطة على الوجه عوضا عن 30 ألف(2). كما أن سامسونغ لن تتوانى عن تطوير نسختها الخاصّة من تقنيات التعرّف على الوجه لتعقيد المهمّة على شركة آبل خلال السنوات القادمة.

  

  

بحسب "جريج جوسياك" (Greg Joswiak)، أحد المُهندسين في آبل، فإن تقنيات التعرّف على الوجه هي الأكثر تطوّرا بين أقرانها، مؤكّدا أن الشركة انتظرت وقتا طويلا للخروج بحل تقني يُقدم تجربة استخدام مُميّزة، فهي لم تطمح للوصول قبل الجميع لتجنّب إحراج كتجاوز التقنية باستخدام صورة للمستخدم فقط(3)لكن حالات التحايل السابقة تُعيد المُستخدمين لحالة الشك التي رافقتهم بعد نهاية المؤتمر بكون تقنيات التعرّف على الوجه ثورية، أم أنها مجرّد لعبة تسويقية أُخرى!

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار