انضم إلينا
اغلاق
كيف تحول فيسبوك إلى منصّة لنشر الأخبار الكاذبة؟

كيف تحول فيسبوك إلى منصّة لنشر الأخبار الكاذبة؟

(رويترز)

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض
 
"مارك زوكربيرغ Mark Zuckerberg يعلم، وجميع من في الشركة يعلمون أيضًا، أن الأخبار الكاذبة انتشرت في فيسبوك أثناء فترة الحملات الانتخابية"، هكذا أجاب أحد موظّفي شبكة فيسبوك -الذي رفض الكشف عن هوّيته- عن مشكلة الأخبار الكاذبة التي نفاها سابقًا زوكربيرغ بنفسه [1].

 

تسارعت الأحداث في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل كبير في الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية، ليس بسبب وجود دونالد ترمب Donald Trump من ضمن المُرشّحين، ولا حتى هيلاري كلينتون Hillary Clinton، بل بسبب الأخبار الكاذبة التي هزّت العالم. هذه المرّة لم تكن القنوات التلفزيونية -التي غالبًا ما تؤيد حزبًا سياسيًا دونًا عن الآخر- هي المصدر، بل كانت تلك المنصّات التي دائمًا ما رفعت شعارات المُساواة وحُرية التعبير للجميع.
 

أفقدت الأخبار الكاذبة مصداقية جوجل وفيسبوك بسرعة كبيرة (رويترز)


أفقدت الأخبار الكاذبة مصداقية جوجل وفيسبوك بسرعة كبيرة، لكن الأولى كانت ذكية، وعالجت المُشكلة منذ البداية، فمروّجي الأخبار الكاذبة لا يُفضّلون حزبًا في الانتخابات على حساب الآخر، بقدر ما يهمّم تحقيق مُعدّل زيارات عالي طمعًا في الحصول على عائدات مادّية من إعلانات جوجل، وبالتالي وجدت حلًّا ومنعت المُتربّصين من استغلال الانتخابات لهذا الغرض [2]. أما زوكربيرغ، فلم يكن مرنًا أبدًا، ووقع في فخ العناد.

 

فيسبوك مرتعًا لتصفية الحسابات السياسية
 

صحيح أن تحرّك جوجل تجاه موجة الأخبار الكاذبة كان سريعًا، لكن تلك الموجة لم تكن مُوجّهة مثلما هو الحال في فيسبوك، فالانحياز لصالح ترمب كان واضحًا جدًا في جميع الأخبار المُنتشرة عبر منصّة زوكربيرغ، لتبدو أنها خطة ذكية ضُرب فيها عصفوران بحجر واحد، الأول لتحقيق مُعدّل زيارات عالي والكسب من الإعلانات، والثاني لكسب شريحة من المُصوّتين لصالح ترمب ضد كلينتون.

 

بطبيعة الحال، لا يُمكن رمي الاتهامات بشكل عشوائي ضد شبكة فيسبوك، لكن زوكربيرغ خرج مع بداية الموجة للحديث عن هذا الأمر قائلًا إنه ومن بين جميع الأخبار التي يُشاركها المُستخدمون عبر فيسبوك، يُمكن اعتبار 99٪ من الأخبار صحيحة بشكل كامل، و1٪ فقط هي تلك الأخبار الكاذبة والتي تهدف إلى حصد الزيارات فقط لا غير [3].

 

هذا التصريح حرّض بعض العاملين في فيسبوك ضد زوكربيرغ، فهو أنكر حقيقة شاهدها الجميع أمام أعينهم، وهو ما وضع العاملين تحت ضغوطات مُختلفة، خصوصًا أن موضوع الوثوقية في الشبكة والمُحتوى الذي تُقدّمه أمر هام بالنسبة للجميع، ومن المعايير الأساسية للشبكة التي تمتلك في الوقت الراهن أكثر من 1.8 مليار مُستخدم نشط شهريًا.

 

الماء يُكذّب الغطّاس
 

لم يقف الناشطون والمُهتمون بالتقنية مكتوفي الأيدي، بل قفزوا إلى مركب فيسبوك وعملوا بالمثل القائل "يلي ما بيجي معك، تعا معو"، أي اعتبار زوكربيرغ صادق، والأخبار الكاذبة غير موجودة بالفعل، هذا لمحاولة فهم ما يحدث بالشكل الأمثل.

 

وبدأت الاختبارات من خلال إنشاء حسابين جديدين في فيسبوك، الأول مؤيد لترمب والثاني لكلينتون، حيث قام المُستخدم الأول بمتابعة صفحات تتعلق بالحزب الجمهوري -حزب ترمب- وبعض الشخصيات المشهورة في هذا الحزب على مدار التاريخ. أما الثاني، فقام بنفس الخطوات لكن لصالح الحزب الديمقراطي واتباعه.

 

بشكل عام وبعد مُتابعة صفحات ذات موضوع مُحدد في فيسبوك، ستبدأ الشبكة الاجتماعية باقتراح مواضيع مُتعلّقة به بشكل أو بآخر، فهذه هي الوظيفة الأساسية للخوارزميات الموجودة بداخله؛ أي لو قام أحمد على سبيل المثال بمتابعة صفحة مُتخصّصة بكرة القدم، فمن الطبيعي أن تظهر له صفحات لأندية كروية. أو لو تابع صفحة مُتخصّصة في مجال الطهي، فصفحات وإعلانات المطاعم هي المُشاركات التي ستظهر أثناء تصفّح الشبكة الاجتماعية.

 

بالعودة إلى التجربة التي أُجريت مع إخفاء الهوية، أي استخدام التصفّح الخفي لضمان عدم وجود تتبّع، بدأت علامات الانحياز بالظهور، وهو ما زاد الطين بلّه، فالمُشكلة لم تكن بالأساس ظهور الأخبار الكاذبة لو كانت مُتساوية للجميع، بل كانت ظهورها لمؤيدي ترمب بحجم أكبر من ظهورها لمؤيدي كلينتون.

 

مؤيّد ترمب الذي سجّل إعجابه على ثلاث صفحات فقط منذ انضمامه إلى الشبكة شاهد 129 خبرًا مُعظمها تمحور حول تشويه صورة كلينتون على غرار اكتشاف وثائق تُثبت تورّطها باختلاس أموال، أو مُهاجمة مؤيديها لتجمّع مؤيدي ترمب، بالإضافة إلى مجموعة من الصور المُعدّلة التي تُظهرها بمظهر مُخيف. جميع تلك المُشاركات ركّزت على أمر واحد فقط، ألا وهو الإضرار بسمعة كلينتون وترجيح كفّة ترمب فقط لا غير، صحيح أن تلك المُشاركات ظهرت بالأساس لمؤيدي ترمب، لكنها أفضل مُحفّز لإعادة مُشاركتها وإثبات الشائعات المُنتشرة، وبالتالي مُحاولة لكسب ود شريحة جديدة للتصويت لصالح ترمب.

 


أما الحساب المؤيد لكلينتون، فهو اتّبع نفس الخطوات، أي مُتابعة ثلاث صفحات لها علاقة بالحزب الديمقراطي وبعض الشخصيات المُتعلّقة به، والنتيجة كانت 41 مُشاركة فقط، 12 منها ذو مُحتوى سياسي، في حين أن حساب ترمب شاهد 33 مُشاركة من هذا النوع [4].

 

الدوران في حلقة التضليل
 

يُمكن تلخيص ما حصل في فيسبوك ببساطة أكبر، فالمُستخدم بشكل عام يقوم بمتابعة مجموعة من الصفحات، وهو ما يعني ظهور مُشاركاتها أثناء تصفّح الشبكة الاجتماعية. لكن أسفل كل مُشاركة سواءً كانت خبر، أو فيديو، أو حتى صورة، ستظهر بعض الاقتراحات، وبالتالي يبدأ المُستخدم بالانتقال من مصدر لآخر، ومن مشاركة لأُخرى دون معرفة صحّة تلك المُشاركات.

 


كيف نجحت تلك المُشاركات في احتلال مكان ضمن الاقتراحات؟ بكل بساطة إعادة نشرها، فعندما يقرأ مؤيد لكلينتون خبرًا -بغض النظر عن صحّته- حول عمليات التهرّب الضريبي التي قام بها ترمب، سيقوم مُباشرةً بمشاركته، وسيُسجّل بعض الأصدقاء إعجابهم عليه، أو يعيدون مُشاركته أيضًا، وبالتالي نجح الخبر في الانتشار بسرعة كبيرة وتحقيق مكاسب عديدة أهمّها بكل تأكيد الحصول على عائدات ماديّة؛ استنادًا على تصريح أحد أصحاب المواقع الذي ذكر أنه حقّق أكثر من 10 آلاف دولار خلال أسبوع واحد فقط، وهذا من نشر أخبار ومواضيع تُعجب مؤيدي ترمب بشكل أساسي [5].

 

هناك مُشكلة في فيسبوك
 

تناسى زوكربيرغ تهرّبه عندما بدء الحديث عن الأخبار الكاذبة وسهولة انتشارها في فيسبوك، وعاد مُجددًا للحديث عن نيّة الشبكة مُحاربة هذا النوع من المُحتوى من خلال مجموعة من الخطوات تبدأ بالتعاون مع جهات خارجية للتأكّد من صحّة الروابط والأخبار التي تتم مُشاركتها داخل الشبكة. وهذا أمر جيّد، لأن وجود أخطاء في أي تطبيق أمر وارد جدًا. إضافة إلى ذلك، قررت فيسبوك توفير أدوات تسمح بالتبليغ عن مُحتوى مُزيّف، وبالتالي وعندما يحاول المستخدم إعادة نشره، سيتم تنبيهه إلى أن هذا الخبر أو المحتوى غير حقيقي، ليس هذا فحسب، بل ستقترح الشبكة الاجتماعية روابط للأخبار الحقيقة إذا ما توفّرت كنوع من الحرص على الوصول إلى المعلومة الصحيحة [6].

 

مُباشرةً وبعد هذه الأخبار الجيّدة لفيسبوك ومُستخدميها، نجحت مجموعة من المُستخدمين في تفعيل خاصيّة التأكّد من السلامة Security Check في تايلاند بعدما قاموا بإعادة نشر خبر قديم يعود لعام 2015، ومع كثرة التفاعل مع الرابط وقراءة الخوارزميات لكلمات مفتاحية مثل "عاجل"، أو "انفجار"، قامت بتفعيل الميّزة دون التحقق من صحّتها، وهو ما طرح بدوره أسئلة حول مُشكلة فيسبوك في التعامل مع المشاركات والروابط التي تنتشر عبرها، وعن مُستوى الجدّية في هذا الأمر [7].

 

هذه الأمور تُعيد شبكة فيسبوك للنقطة الأولى التي بدأت بالأساس قبل الانتخابات الأمريكية. فيسبوك وظّفت في السابق فريقًا للتأكد من سلامة الروابط التي تنجح في احتلال المراتب الأولى في قائمة أكثر المواضيع تداولًا؛ فالفريق يُتابع نتائج الخوارزميات ويقوم بتأكيدها إذا كانت سليمة. وهو ما فتح بدوره باب الاتهامات حول وجود انحياز من قبل هذا الفريق تجاه الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما Barack Obama، وهو ما دفع زوكربيرغ لاتخاذ قراره بحل الفريق والاعتماد على الخوارزميات فقط، والتي بدورها أدخلت الشبكة في دوّامة طويلة [8].

 

 (رويترز)


فيسبوك هي المُشكلة
 

فلنضع جانبًا تردّد زوكربيرغ في تحمّل المسؤولية تجاه الأخبار الكاذبة، فهو قلل من شأنها أولًا، ثم عاد ليتّخذ إجراءات صارمة بحقّها، أملًا في مُحاربتها بصدق. ولنُهمل كذلك فكرة ظهور مُشاركات مؤيدة لترمب ومُناهضة لكلينتون، فالشبكات الاجتماعية والخوارزميات فيها من المُمكن أن تُخطئ، بل ويُمكن التحايل عليها بسهولة في بعض الأوقات مثلما حصل عند تفعيل خاصيّة التأكيد من السلامة في تايلاند.

 

لكن، وفي يوم 20 يناير/كانون الثاني من عام 2017 الجاري، قررت فيسبوك وبشكل مُفاجئ منع حساب قناة روسيا اليوم Russia Today الإخبارية من نشر المُشاركات [9]، وهو تاريخ يتزامن مع مراسم تنصيب ترمب رئيسًا للولايات المُتحدة الأمريكية، وهو ما يعني إعادة لطرح تساؤلات حول تدخّل روسيا المُباشر في نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية والتأثير عليها من جهة، أو قدرتها على التحكّم في انتشار المُشاركات داخل الشبكات الاجتماعية وتغيير الرأي العام بسهولة تامّة من جهة أُخرى.

 


الدراسات الأخيرة أشارت إلى أن 20٪ من مُستخدمي الشبكات الاجتماعية غيّروا آرائهم في قضايا اجتماعية أو سياسية بسبب المُحتوى على الشبكات الاجتماعية. في حين أن 17٪ من المُستخدمين أكّدوا أن للشبكات الاجتماعية دورًا في تغيير رأيهم بمُرشّح رئاسي [10]. ولهذا السبب لا تجلس فيسبوك وحدها في قفص الاتّهام، فشبكة تويتر الاجتماعية موجودة إلى جانبها أيضًا، دون نسيان مُحرّك بحث جوجل الذي يوفّر قسمًا خاصًا لمتابعة الأخبار، إلى جانب نتائج البحث التي تظهر بناءً على خوارزميات الذكاء الاصطناعي دون تدخّل بشري.

 

بالنظر إلى الإجراءات الصارمة التي فرضتها ألمانيا على فيسبوك، والتي جاءت على هيئة تهديدات بفرض غرامة قد تصل إلى نصف مليون يورو لقاء كل خبر كاذب يُنشر عبر الشبكة [11]، وبأخذ ردّة فعل فيسبوك وحلولها للقضاء على هذه الظاهرة، مع تعطيل حساب قناة روسيّة عشيّة تنصيب ترمب، يُمكننا -كُمتابعين للأخبار العالمية على الأقل- التأكّد من وجود نوع من التلاعب أو الترويج في الانتخابات أولًا، ونوع من الهشاشة في تعامل خوارزميات فيسبوك مع الروابط والأخبار.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار