انضم إلينا
اغلاق
"فوضى الابتكارات".. تأثير السباق التقني على مستقبل الهواتف الذكية

"فوضى الابتكارات".. تأثير السباق التقني على مستقبل الهواتف الذكية

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

لو عدنا بالزمن إلى ما قبل عام 2007، وهو العام الذي صادف ظهور الهواتف الذكية بشكلها الحالي، لوجدنا أن سوق الهواتف بشكل عام تألّف من نموذجين لا ثالث لهما، الأول هو هواتف شركة نوكيا Nokia، وبلاك بيري BlackBerry التي تعمل بأنظمة تشغيل مبنية على القوائم التي يتم الانتقال بينها باستخدام الأسهم الموجودة في لوحة المفاتيح. والثاني هواتف من شركات مثل i-mate وPalm تعمل بنظام مايكروسوفت Windows CE الذي كان عبارة عن نسخة مُصغّرة من ويندوز على الحواسب [1].

 

حاولت مايكروسوفت من خلال نظام تشغيلها للهواتف والأجهزة المُتنقّلة استنساخ وظيفة الحواسب بشكل أو بآخر، مع طموح باستبدالها كذلك عبر تلك الأجهزة، وهو ما أدى إلى خسارتها التدريجية للسوق عندما ظهرت أنظمة تشغيل جديدة تُخالف هذه الفكرة على غرار شركة آبل في نظام iOS، ونظام أندرويد أيضًا من جوجل؛ فهي أنظمة جاءت بفكر تحسين الهواتف بشكل عام دون التفكير باستبدال الحواسب أبدًا، فلكل جهاز وظيفته الخاصّة.

 

لكن وفي العصر الحالي بدأت بعض الشركات بمحاولة الاصطياد من البحيرة المُقابلة، على الرغم من أن البحيرة التي تقف أمامها ما زالت مليئة بالأسماك؛ أو بمعنى آخر، توجّهت بعض الشركات للبحث عن الجهاز التقني الجديد الذي يلي الهواتف الذكية، على الرغم أن سوق الهواتف الذكية أو مجاله لم ينتهي بعد. وهذه الظاهرة قد تؤدي بدورها إلى دفن بعض التقنيات قبل أن تأخذ فرصتها الكاملة.

 

الحواسب اللوحية والساعات الذكية
 (pexels.com)

ظهرت الحواسب اللوحية في السوق على أنها فئة جديدة من الأجهزة، إلى جانب فئة الهواتف الذكية، والحواسب التقليدية. لكن بعض الشركات حاولت فيما بعد أن تدمجها مع الهواتف، لينتج عن ذلك فئة هجينة حملت اسم فابلت Phablets، وهي مزيج يجمع ما بين Phones وTablets. لكن مثل هذه النماذج أثبتت مع مرور الوقت أنها ليست الخيار الأمثل [2]، أي أن يحمل المُستخدم جهاز بشاشة 7 بوصة ويتحدّث بها وكأنها هاتف عادي، ليس بالأمر المُثير على ما يبدو. وهنا انتقلت الشركات إلى زيادة حجم شاشات الهواتف الذكية لتصل إلى 5.5 أو 6 بوصة تقريبًا كقياس تقليدي، وهي قياسات مُعتمدة من قبل آبل، أو سامسونج، أو جوجل، أو غيرها الكثير، صحيح أنها تبدو ظاهريًّا أنها من فئة "فابلت"، لكن الشركات تُسوّق لها على أنها هواتف ذكية.

 

لم تقصد الشركات -على الأغلب- أن تقضي على الهواتف الذكية عندما حاولت دمجها مع الحواسب اللوحية، لكن نتائج هذه المحاولة أعطت فكرة واضحة أن لكل جهاز وظيفة، وغرض، وتفضيلات، لذا يجب الفصل بين الفئات، لأن كلمة نعم مُثيرة بالنسبة للجميع، لكن معرفة الوقت المناسب لقول كلمة لا هو التحدّي الأكبر، من وجهة نظر ستيف جوبز Steve Jobs [3].

 

أما فئة الحواسب اللوحية لوحدها ودون الزج بها مع الهواتف الذكية فهي شكّلت لفترة من الزمن تهديدًا حقيقيًا على الحواسب التقليدية، بل وتجاوزت نسبة مبيعاتها في فترة من الفترات مبيعات الحواسب التقليدية [4]. عندما ظهرت الحواسب اللوحية الجميع تحمّس، وبدأ كذلك باقتناءها، لكن بعض الشركات بدأت بسحبها مرّة أُخرى باتجاه الحواسب المحمولة، فهم بداية قاموا بإرفاق لوحة مفاتيح بها، وهو أمر طبيعي ويُسهّل الكتابة. في المُقابل، عملت بعض الشركات على إضافة ماوس Mouse إليها، على الرغم من أنها تعمل بنظام تشغيل أندرويد، المبني أساسًا للأجهزة الذكية، والذي رفضت جوجل نفسها دمجه مع نظام كروم أو إس Chrome OS الموجّه للحواسب المحمولة [5]، لأنها تعلم مخاطر مثل هذه الخطوة، حالها حال آبل التي رفضت استخدام OS X في أجهزتها الذكية، أو تحويل OS X ليصبح صالحًا للاستخدام في الأجهزة المُزوّدة بشاشات تعمل باللمس [6].

 

الفئة الثانية من الأجهزة التي رأت النور بعد الهواتف الذكية كانت الساعات الذكية Smart Watches، والتي اعتمدتها بعض الشركات على أنها أجهزة مُكمّلة للهواتف، في حين أن بعضها الآخر بدأ بالذهاب نحو جعلها أجهزة للتخلّص من الهواتف، وهو ما أدى إلى ضياع الهوية الأساسية للساعات الذكية.

 بعض الشركات بدأت الآن بتزويد تلك الساعات بشريحة اتصال SIM Card لإجراء المكالمات، مع رفع شعار "اترك هاتفك في المنزل" دليلًا على أنها تُريد استبدال وظائف الهواتف الذكية بجهاز شاشته صغيرة لا تصلح للكتابة حتى.

pexels.com
 

الساعة الذكية كجهاز، من المفترض أن تسمح للمستخدم بقراءة التنبيهات أو الرسائل الواردة والرد عليها من خلال الإملاء الصوتي، أو من خلال بعض عبارات الرد الألي، أو حتى الوجوه التعبيرية. إضافة إلى ذلك، يمكن استخدام الساعات لتتبع نشاط المُستخدم الرياضي، أو إتمام بعض المهام كضبط المنبه في الهاتف، أو كتابة الملاحظات أو طلب سيارات الأجرة بشكل أسرع، أي تحسين الهواتف الذكية من خلال تسهيل إتمام الوظائف التي تتم باستخدامها.

 

لكن بعض الشركات بدأت الآن بتزويد تلك الساعات بشريحة اتصال SIM Card لإجراء المكالمات، مع رفع شعار "اترك هاتفك في المنزل" دليلًا على أنها تُريد استبدال وظائف الهواتف الذكية بجهاز شاشته صغيرة لا تصلح للكتابة حتى، وهو أمر مُستحيل [7]، وأدى إلى تهديد مكانتها في السوق مع ظهور المُساعدات المنزلية، التي تقوم تقريبًا بمعظم الوظائف كقراءة التنبيهات الواردة، وضبط المُنبّه، وكتابة الملاحظات، إضافة إلى إمكانية طلب سيارة الأُجرة أو حتى إتمام حجوزات السفر، كل هذا عبر الأوامر الصوتية، أي دون أن يحتاج المُستخدم لارتداء أي شيء في يده أو على رأسه.

 

النظّارات وأجهزة التلفاز الذكية

من الصعب القضاء على الهواتف الذكية في الوقت الراهن أو استبدالها بأجهزة أُخرى، فبحسب دراسة نشرتها مجلّة Time العالمية، يتفقّد المُستخدم العادي هاتفه الذكي بمعدّل 46 مرّة تقريبًا في اليوم الواحد.

pixabay.com
 
علميًا، من الصعب القضاء على الهواتف الذكية في الوقت الراهن أو استبدالها بأجهزة أُخرى، فبحسب دراسة نشرتها مجلّة Time العالمية، يتفقّد المُستخدم العادي هاتفه الذكي بمعدّل 46 مرّة تقريبًا في اليوم الواحد [8]. كما أن كلمة Nomophobia التي تعني الخوف من فقدان الهاتف جاءت لتصف حالة نفسية يُمكن أن يُصاب بها الأشخاص في العصر الحالي [9].

 

هذا أمر لم تُغفله شركات على غرار Snap Inc، المُطوّرة لتطبيق سناب شات Snapchat، فهي أطلقت مؤخرًا نظاّرات Spectacles التي تسمح بتصوير مقاطع فيديو بمدة تصل إلى عشر ثواني ومشاركتها عبر حساب المُستخدم في التطبيق، وهنا نلاحظ أن الشركة لم تلجأ إلى تزويد النظّارة بإمكانية الاتصال بشبكات لاسلكية أو شريحة اتصال من أجل السماح للنظّارة بالنشر بشكل فوري إلى حساب المُستخدم، بل أتاحت وصل النظّارة لاسلكيًا بالهاتف من أجل نشر المقطع عبره أولًا وأخيرًا.

 

وإلى جانب نظّارات سناب شات، لدينا أيضًا سمّاعات AirPods اللاسلكية من آبل التي تسمح، بعد وصلها مع الهاتف، باستخدام المُساعد الرقمي سيري Siri، أو إجراء المُكالمات باستخدام الهاتف كذلك. في المُقابل، قامت شركة Vinci الصينية مثلًا بتطوير نظّارات زوّدتها بشاشة تعمل باللمس، ومكان مُخصص لوضع شريحة اتصال، مع إمكانية الاتصال بشبكات واي فاي أيضًا، أملًا منها هي الأُخرى في تخليص المُستخدم من عناء حمل هاتفه أينما ذهب، لكن السمّاعة فشلت بكل تأكيد لأن المُستخدم لن يتخلى عن هاتفه بسهولة تامّة [10].

 

أخيرًا، تأتي أجهزة التلفاز الذكية، التي رغبت بالاستفادة من الهواتف بأفضل طريقة مُمكنة، كأمثلة على التكامل مع الهواتف الذكية، فهي وفّرت إمكانية بث المُحتوى من الهاتف إلى التلفاز مُباشرة بعد دعم بروتوكولات تقنيات مثل Chromecast من جوجل، وAirPlay من آبل، وبالتالي جعلت هذه الأجهزة استخدام الهواتف الذكية أفضل، دون أن تُحاول أو تُفكّر في القضاء عليه تمامًا.

 

هل هذا يعني أن مصير جميع الأجهزة الفشل؟
 (pexels.com)
ظهرت لدينا مؤخرًا المُساعدات الرقمية المنزلية على غرار أجهزة أمازون إيكو Amazon Echo، وGoogle Home، والتي من خلالها يُمكن إجراء بعض الأمور دون الحاجة إلى الاستعانة بالهاتف، لكنها لم تأتي كأجهزة للتخلّص من الهاتف، وبالتالي قد تنجح هذه الأجهزة مع مرور الوقت بتقليل اعتماد المُستخدمين على الهواتف الذكية، فاسحة المجال أمام نماذج أُخرى لها، أو لأجهزة ذكية جديدة بالظهور، لكنها وقبل أن تتمكن من إتقان جزء من وظائف الهاتف، والحصول على وثوق المُستخدم، لن تكون قادرة على استبدال الهاتف الذكي أيًا كان.

 

المثال الأقرب لاستبدال الهواتف الذكية أو تقليل الاعتماد عليها يُمكن أن يكون موجود بالفعل، لكن عبر أكثر من جهاز؛ فمن خلال نظّارات الواقع المُعزّز Augmented Reality يُمكن للمستخدم مُشاهدة مُحتوى الرسائل الواردة أو مقاطع الفيديو المُرسلة إليه. وباستخدام سمّاعات ذكية مثل AirPods يُمكن استخدام المُساعدات الرقمية وإجراء المكالمات. أما باستخدام الساعة الذكية فيُمكن قراءة بعض المُحتوى البسيط أو الاطلاع على آخر الأخبار، وهنا يبقى السؤال، هل سيُضحّي المُستخدم ويعتمد على ثلاثة أو أربعة أجهزة من أجل الاستغناء عن هاتفه الذكي القادر على القيام بكل تلك الأشياء بسهولة وبساطة؟ أم أن الهاتف الذكي سيبقى الأصل، والنجاح سيكون من حليف الأجهزة التي تتكامل معه؟ شخصيًا أُرجّح كفّة النموذج الثاني، أي أن الأجهزة الجديدة التي تُكمّل وظائف الهاتف الذكي هي من ستميل الكفّة لها على حساب أي نموذج مُعقّد يُحاول التخلّي عن الهاتف الذكي.

 

نهايةً، لا تنفع دائمًا الدراسات ولا حتى الأرقام في المجال التقني، فباب الاحتمالات مفتوح أمام الجميع، ومن المُمكن أن يخرج مُنتج ثوري يُعيد تعريف الهواتف الذكية من جديد، أو حتى قد تخرج فئة جديدة تقضي مع مرور الوقت على الهواتف الذكية. لكن وعلى المدى القريب، هذا الأمر مُستبعد بسبب التركيز على تطوير المُساعدات المنزلية والرقمية، إلى جانب الساعات الذكية، وأجهزة إنترنت الأشياء IoT.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار