انضم إلينا
اغلاق
المساعدات الرقمية ودورها في إنشاء الشركات

المساعدات الرقمية ودورها في إنشاء الشركات

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض
وصلنا أخيرًا إلى العصر الذي يسمح لنا باستخدام التقنية دون الحاجة إلى التعامل بشكل يدوي أو مباشر مع الحاسب، فبفضل مساعدات رقمية مثل Amazon Echo من شركة أمازون، أو Google Assistant من جوجل، أو حتى كورتانا Cortana من مايكروسوفت، وسيري Siri من آبل يُمكننا الحديث مع الآلة وطرح الأسئلة والحصول على إجابات فورية.

 

فالدخول إلى المنزل، والحديث مع الآلة لطلب الطعام المُفضّل، والدفع دون الحاجة إلى ذكر العنوان بشكل صريح أو حتى ذكر بيانات بطاقات الإئتمان ممكن بفضل تلك المُساعدات، دون نسيان أنها متزامنة مع جميع أجهزة المستخدم سواءً الساعات الذكية، أو الهواتف، أو حتى الحواسب اللوحية، ومؤخرًا المساعدات المنزلية.

 

وقد تبدو هذه المساعدات امتدادًا طبيعيًا للشريط الزمني الخاص بالتقنية، وهو أمر منطقي جدًا، لكن هذه المساعدات التي تتوفر في مُختلف الأجهزة والتي لا تتطلب اشتراكات أو مبالغ خاصّة -أي أنها مجانية- قادرة لوحدها على تكوين شركات بقيمة خيالية لم نكن لنحلم بها، فبعدما اعتدنا على سماع كلمة "مليار" إلى جانب قيمة الشركات العالمية، يُمكننا ودون خوف سماع كلمة "تريليون" بكل أريحية بفضل هذه المساعدات.

 

التطوّر التقني وتناسبه الطردي مع قيمة الشركات
 (pexels.com)

لم تكن التقنية لتصل إلى ما هي عليه اليوم دون وجود قيمة مضافة من الناحية المالية، فالشركات التقنية وجدت في المنصّات، أو الأجهزة، أو التطبيقات، أو المواقع، أو أي اسم آخر، ضالتها في الحصول على قيمة مالية للاستمرار في التطوّر والاتجاه نحو الأمام. صحيح أن العملية كانت عكسية في السابق، لكن الأقدار شاءت أن يكون هناك تناسب ما بين التطوّر والقيمة المالية بغض النظر عن الترتيب.


المقصود بأن العملية كانت عكسية سابقًا يعني وصول التقنية أولًا، تليها القيمة المالية. لكننا الآن نعتمد على وصول القيمة المالية ونخطط لها، أكثر من التخطيط للتقنية نفسها، وهذا أمر طبيعي جدًا وتلعب الكثير من العوامل دورًا به.

 

فمثلًا، لم يكتب مارك زوكربيرغ Mark Zuckerberg، المؤسس والرئيس التنفيذي لشبكة فيسبوك الاجتماعية، خطة عمل أو نموذج للربح المالي من الشبكة الاجتماعية أثناء العمل عليها. حاله حال القائمين على محرك بحث جوجل أيضًا، وكذلك هو الأمر عند تأسيس آبل أو حتى ياهو Yahoo، كل هذه الشركات لم تطمح للربح المادي أولًا، بل كانت تهدف للوصول بالتقنية للأسواق قبل كل شيء  [1]. أما في عصرنا الحالي، ثق تمامًا أن أي مُستثمر لن يجلس ليستمع لأي فكرة إن لم تُرفق بنموذج ربحي قادر على توفير عائدات مادية خلال الستة شهور الأولى أو سنة على أكثر تقدير.

 

لكن ما بين هذه الفترة أو تلك هُناك عامل مُشترك يتمثّل في استخدام المحتوى الدعائي أو الإعلاني لهذه المنصّات، وحتى اعتباره مصدر الربح الأول في الكثير من المشاريع. فالبريد الإلكتروني استخدم لأوّل مرة عام 1978 لإرسال رسالة بريدية إعلانية، واشترت شركة AT&T أول مساحة إعلانية على الإنترنت في عام 1994،


وطرحت جوجل أول إعلان داخل نتائج البحث في عام 2000، وهو نفس العام الذي استخدمت فيه الرسائل النصية القصيرة SMS للإعلانات أيضًا. دون نسيان أن فيسبوك باعت أول إعلان لها على الشبكة عام 2004، وشركة آبل التي وجدت في التطبيقات منصّة مناسبة لتوفير مساحات إعلانية [2].

 

 المساعد الرقمي Amazon Echo من شركة أمازون  (رويترز)

هذه المُمارسات سمحت لجميع الشركات السابقة في أن تستمر وتتطوّر بسرعة كبيرة، فهي تُضيف قيمة لحياة المستخدمين من جهة، وتحصل على قيمة مالية تدفعها نحو الأمام من جهة ثانية. في عصرنا الحالي، عصر الشبكات الاجتماعية، تظهر لنا الإعلانات أثناء تصفّح المحتوى أو الشريط الزمني Timeline، لكن وبما أن المساعدات الرقمية المبنية باستخدام الذكاء الاصطناعي AI هي المُستقبل، فإنه من الطبيعي أن يتصيّد الكثيرون ذكاءها ويبدأوا بالبحث عن أفضل طريقة ممكنة لتحويل هذه المساعدات إلى المنصّة الإعلانية القادمة.

 

ويجب التنويه إلى أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم حاليًا في الإعلانات داخل بعض المواقع مثل متجر أمازون، فعند شراء كتاب أو البحث عن كتاب مُعيّن تقوم الخوارزميات بتحديد نوع الكتاب، ومقارنته مع عمليات البحث السابقة، ثم مُقاطعة هذه النتائج مع الكتب التي اشتراها مُستخدمون آخرون أثناء شراءهم لنفس الكتاب الذي بحث عنه المستخدم.


وبالتالي وعند البحث عن كتاب مُحدد يُلاحظ وجود مساحة بعنوان "مُستخدمون آخرون اشتروا أيضًا" وتحتها كُتب تظهر لنا نتيجة لخوارزميات الذكاء الاصطناعي. هذا أيضًا موجود في موقع يوتيوب في قسم الاقتراحات الذي يظهر إلى جانب مُشغّل الفيديو؛ فبتشغيل أغنية صدرت عام 2004 على سبيل المثال، سنجد أن الاقتراحات هي لأغاني ظهرت في نفس الفترة وكأن الموقع فعلًا كان مُعاصرًا لتلك الفترة.

 

العودة إلى عصر إعلانات الراديو
 (رويترز)

بما أن المساعدات الرقمية بشكل أساسي قائمة على الحوار الصوتي ما بين الآلة والإنسان، فإن أول ما يخطر على بال المستخدم هو الوسائل التقنية المسموعة فقط، ولا يوجد أفضل من الراديو الذي عاصرناه لفترة طويلة كمثال على ذلك. لكن هل يمكن أن تكون الإعلانات على المُساعدات الرقمية بنفس أسلوب الراديو؟ أي أنك وأثناء الحوار مع المساعد سيخرج ليقول لك "صابون فلان يقضي على الجراثيم بنسبة 99.99٪؟"

 

الإجابة البديهية هي لا بكل تأكيد، بل وأن المثال في الأعلى جاء على سبيل المُزاح لا أكثر، لأن المساعدات الرقمية سوف تستفيد من بعض خصائص الإعلانات في الشبكات الاجتماعية التي تظهر للمستخدمين بشكل مُخصص، فتلك الشبكات تتبع نشاط المستخدم على الإنترنت وعمليات البحث التي يقوم بها، لتُظهر له بالتالي إعلانات متوافقة مع ما يبحث عنه؛ فلو بحثت في جوجل عن رحلات طيران من مدينتك لمدينة أُخرى، تأكد أنك وخلال زيارتك لمواقع ثانية بعدها بدقائق ستظهر لك إعلانات لشركات طيران ومكاتب حجوزات إلكترونية مع عرض أسعار التذاكر إلى نفس المدينة التي كنت تبحث عنها. هذا ما سيكون عليه الحال في المساعدات الرقمية كصورة أولية [3].

 

لكن تأثير أو تدخُّل المساعدات الرقمية والإعلانات فيها على قرار المستخدم أثناء الشراء سيكون أقوى بكثير من تأثيرها في الشبكات الاجتماعية، لأنها هي -المُساعدات الرقمية- هي من ستقوم بإتمام المهام عوضًا عن المستخدم. ومن أجل فهم التأثير الكبير لها، يجب تناول مثال عملي على ذلك. لو دخل المستخدم إلى منزله وسأل المساعد الرقمي حول أفضل مطعم إيطالي قريب، قائمة الإجابات ستتأثر بكل تأكيد بالإعلانات، فالمطعم الذي أعلن عبر شركة المساعد الرقمي سيظهر اسمه في البداية على حساب مطاعم أُخرى، وهذا أول تأثير أو تدخّل عميق في خيارات المستخدم لأنه لا يرى بنفسه ووثق بالمساعد الرقمي بشكل كامل.

 

مثال آخر للتدخّل يمكن أن يكون حينما يُطلب من المساعد الرقمي تجهيز احتياجات المنزل الناقصة التي قام المستخدم بتسجيلها خلال الأسبوع، ليقوم بعدها المساعد الرقمي بإرسال الطلب إلى المتاجر القريبة لتجهيزها وإرسالها إلى عنوان المستخدم، وهُنا سيعمل المساعد على وضع تفضيلات لنوع صابون اليدين على سبيل المثال، وهذا اعتمادًا على الإعلانات المدفوعة، طالما أن المستخدم لم يذكر له اسم الصابون المطلوب بشكل صريح وعلني.

المساعد الرقمي  google home (رويترز)

وإذا كنت لا تصدق هذا الكلام فدعنا نتناول ميّزة التصحيح الآلي Auto-Correction الموجودة داخل الحواسب، وهي ميّزة تعتمد على الذكاء الاصطناعي. أثناء الكتابة سيقوم النظام باكتشاف أي كلمة مكتوبة بشكل خاطئ وتصحيحها بشكل آلي دون طلب إذن من المستخدم، وهو ما يزعج الكثيرون من الميّزة لأننا في بعض الحالات نرغب في كتابة كلمة مُعيّنة ويراها الحاسب على أنها كلمة أُخرى ويقوم بتصحيحها لوحده. ولتجنّب هذا التدخّل يجب على المستخدم أن يضغط على زر التراجع، ثم تحديد الكلمة، ثم إخبار النظام أنه يرغب بتركها دون تصحيح بشكلها الحالي.

 

لا تهمنا كثيرًا آلية عمل المساعد في طلب احتياجات المستخدم وطريقة تأثير الإعلانات على هذه الاحتياجات بقدر ما تهمنّا الأرقام والعوائد التي يمكن أن تعود بها الإعلانات على الشركات المسؤولة عن تطوير هذا النوع من المساعدات.


فهل تعلم أن المستخدم الواحد يجلب سنويًا لشركة جوجل ما يُعادل 10 دولارات أمريكية تقريبًا؟ [4] وأن مستخدم فيسبوك في الولايات المتحدة الأمريكية يجلب للشبكة ما يُقارب الـ 48 دولار أمريكي سنويًا؟ [5] طبعًا هذه الأرقام متُغيّرة لكنها بهذا المستوى تقريبًا، أي أن لكل مستخدم قيمة، وهذه القيمة يحصل عليها نتيجة للإعلانات التي تظهر له والتي يُشاهدها بعدما تبيع شركات مثل جوجل، أو فيسبوك بياناته للشركات المُعلنة. 


والآن لو نقلنا هذه المعادلة البسيطة إلى المساعدات الرقمية التي يمكنها التدخّل والتأثير بشكل أوسع في قرارات المستخدم، فقيمة المستخدم لن تكون مُجرد 10، أو 20، أو حتى 50 دولار أمريكي، فالمساعد الرقمي يعرف تمامًا تفاصيل حياة المستخدم اليومية وتفضيلاته، وعمليات البحث، وحالته الصحيّة، وعدد الأفراد في المنزل، وغيرها الكثير من الأمور التي تُشكّل قيمة كبيرة بالنسبة للمُعلنين الذين يلهثون وراء هذا النوع من البيانات لدراستها واستهداف الشريحة المطلوبة بسهولة أكبر ونسبة تأثير أعلى.

 

مواقع الإنترنت نجحت في الخروج بشركات تُقدّر قيمتها بعشرات المليارات، ومحركات البحث، والشبكات الاجتماعية، وتطبيقات الأجهزة الذكية خرجت لنا بشركات قيمتها تتجاوز مئات المليارات، وبكل تأكيد المُساعدات الرقمية ستخرج لنا بشركات قيمتها قد تساوي تريليون دولار أمريكي.


وإذا كنت تتساءل عن السبب الذي يدفع فيسبوك لتطوير وصرف مئات الملايين على المُساعد الرقمي M في تطبيق مسنجر، أو السبب الذي يدفع آبل لشراء أكثر من عشر شركات مُتخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي وصرف الملايين أيضًا على هذا المجال، فاعتقد أن الإجابة واضحة، والاستثمار الناجح سوف يكون في الشركات التي تنجح في تطوير مساعدات رقمية، ولعل استحواذ سامسونج على المُساعد الرقمي Viv في وقت تتخبّط أسهمها فيه بسبب Note 7 يمكن أن يكون أفضل إجابة على أهمية هذه التقنيات في وقتنا الراهن، والفرصة الكبيرة التي سوف تصنعها في المُستقبل [6].

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار