انضم إلينا
اغلاق
حجب المواقع.. بين "القمع" وضروريات الأمن القومي

حجب المواقع.. بين "القمع" وضروريات الأمن القومي

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

ما زلت أذكر حتى الآن السعادة الغامرة التي شعرت بها بعد إجراء أول مكالمة لي عبر الإنترنت في 2003 تقريبا عبر  تطبيق "ياهو مسنجر"، وهي مكالمة أجريتها من مدينة دمشق مع صديقي في الولايات المتحدة الأميركية، فبالنسبة لنا في الدول العربية على الأقل لم تكن الاتصالات التقليدية قادرة على مجاراة التقنيات البسيطة التي توفرها برامج مثل "إم أس أن مسينجر" أو "ياهو مسنجر" اللذين كانا أشبه بتطبيق "واتس آب" في ذلك الوقت.

 

لكن بعدها بفترة حُجِبَ التطبيق ولم نعد قادرين على استخدام خاصية المكالمات الصوتية دون الالتفاف على الاتصال من خلال استخدام خادم وسيط أو ما يُعرف بـ "بروكسي" من أجل الوصول إلى خوادم الاتصال في ياهو  لإجراء المكالمات.

 

كنت في الـ 13 من عمري في ذلك الوقت، حين صببت غضبي على وزارة الاتصالات التي ترغب في السيطرة على كل شيء والخروج بمنفعة مادية منه، فاستخدام الاتصال في ياهو مسنجر كان ممكنا لو حصلت على عنوان إلكتروني ثابت، لكن مع مرور السنوات تغيّرت نظرتي للأمور نوعا ما، ونظرية حرية التعبير التي توردها الأفلام الأجنبية ضُربت عرض الحائط بعدما زرت أكثر من مدينة عالمية ووجدت أن هناك قيودا هوجاء في كل مكان وليس فقط في وطننا العربي الحبيب.

 

عالم إلكتروني بلا قيود
(pixabay.com)

لو نظرنا إلى المشهد التقني العالمي لوجدنا أن الجميع يُصدّر صورة واحدة إلى أذهاننا وهي أن الغرب يعيش في بحبوحة تقنية وواحة لا حدود لها، بينما نحن العرب نعيش ضمن قيود خانقة نحتاج إلى التخلص منها، لكن هذه الصورة لم تعد كذلك خصوصا بعدما أصبحت الأخبار التقنية موجودة في كل مكان ومترجمة أيضا إلى لغتنا الأم من مصادر موثوقة تعطي لنا الصورة الكاملة لاستخدام التقنية في الغرب.

 

لو اطلعنا على تلك الأخبار في فترة نهاية العام أو بدايته سنجد أن "تقارير الشفافية" تعدّ جزءاً لا يتجزأ من دورة حياة أي شركة خلال السنة [1]، خصوصا الشركات الكبيرة مثل "غوغل" و"فيسبوك" و"مايكروسوفت" و"آبل" وغيرها، فجميع تلك الشركات تتسلم طلبات من الحكومات المختلفة للحصول على بيانات بعض المستخدمين، وليست جميعها طلبات نظامية أو مدعومة بأوامر  رسمية من المحكمة.

 

كما أن بعض الدول مثل تركيا فرضت حظرا على بعض المواقع الإلكترونية الكبيرة طالما أنها لا تمتلك مكاتب رسمية داخل الأراضي التُركية [2]، وهو ما أجبر كثيرا من الشركات على الخضوع لأوامر الحكومة التركية لضمان عمل خدماتها بالشكل الأمثل، ومثل هذه المُمارسات أو الأخبار جعلت ذلك الشاب  -الذي ظن وهو في الـ 13 من عمره أن الربح المادي هو الهدف من حظر الخدمات- يدرك أن هناك أمنا قوميا لحماية الدول يدفع أي دولة مهما كانت مُتطورة إلى القيام بالممارسات نفسها، وحجب التطبيقات الكبيرة التي يعتمد عليها المستخدمون في تلك الدولة دون خوف أو تردد طالما أنها تُهدد بشكل أو بآخر الأمن الرقمي والوطني هناك.

 

تركيا ليست الوحيدة، فهناك البرازيل أيضاً [3]، ولا ينبغي نسيان شرق آسيا وتحديدا الصين التي تعد من أفضل منُفّذي الحجب على الخدمات الكبيرة، فبمجرد أن تصل الصين يتوقف الاتصال بخدمات مثل غوغل، جيميل، فيسبوك، إنستغرام، سناب شات وغيرها [4].

 

فنون الحجب الصينية

تفنّنت الصين من الناحية التقنية في حجب أكبر المواقع العالمية وعلى رأسها شبكة "فيسبوك" التي لو عملت في الصين لتضاعف عدد مستخدميها بسرعة كبيرة نظرا للتعداد السكاني الكبير، لكن للحكومة الصينية رأيٌ مغاير تمامًا.

 

كل خدمة نستخدمها أنا وأنت اليوم هي تقريبا محجوبة في الصين، ويجب استخدام خوادم افتراضية "في بي أن" للوصول إليها، مع العلم أن العثور على خادم افتراضي غير محجوب هو حكاية أُخرى بذاتها. سنجد أن البعض يتحدث عن ديكتاتورية الحكومة هناك، أو ديكتاتورية أي حكومة تحجب خدمات عالمية وتمنع حرية التعبير أو تقضي على فكرة العالم الإلكتروني المفتوح، وهو شيء صحيح نوعًا ما، لكن الديكتاتورية هي أن تكتفي بالحجب فقط.

 

لا تعتبر الصين ديكتاتورية لأنها وفرت بدائل للمستخدمين هناك للتواصل فيما بينهم، فهي عاصرت الصيحات العالمية لتطبيقات المحادثة الفورية مثل واتس آب وقدّمت تطبيق "لاين"، دون نسيان محرك البحث "بايدو" بديل محرك بحث غوغل المحجوب هناك أيضا، وشبكة "ويبو " الاجتماعية التي حلت مكان فيسبوك بسهولة كبيرة، كل هذه الخدمات لم تكن تقليداً بقدر ما كانت مُحاكاة مع عدم إهمال الثقافة الصينية، والحرص على دمجها داخل هذه المنتجات ليكون المنتج متوافقاً تماما مع البيئة الشرق آسيوية، وهو ما نجح بالفعل. ليس هذا فقط، بل رسمت تطبيقات -مثل لاين- خريطةَ مستقبل تطبيقات المحادثة الفورية، فقد تحوّل لاين من تطبيق للمحادثات الفورية إلى منصة اجتماعية كاملة يُمكن من خلالها حجز بطاقات السفر، أو إدارة حساب المصرف دون مغادرة التطبيق، وهو ما تقوم به شبكة فيسبوك حاليا عبر تطبيق مسنجر.

 

وانطلاقا من هذا وعندما يتحدّث البعض عن الحجب الصيني للخدمات العالمية يمكننا التصديق أن الخوف على الأمة من الإعلام الإلكتروني القادر على تدمير كل شيء بسهولة تامة والتلاعب بالعقول هو جزء من الأسباب، وهذا في الوقت نفسه لا يعني أنها -أي الحكومات الحاجبة- الملاك البريء، لكن توفير بدائل قوية يسمح بغض البصر وتجاوز هذه المُمارسة.
 

ماذا عن آسيا الأخرى؟

بعض الدول العربية وتحديدا دول الخليج العربي حجبت خدمات مثل "فيس تايم" من آبل، والمكالمات الصوتية والمرئية في أية تطبيقات أُخرى مثل فايبر وواتس آب.

 

مواقع التواصل الاجتماعي


ولو انتقلنا على الخريطة باتجاه الغرب في القارة الآسيوية لوجدنا أن هذه القارة كُتب على قاطنيها أن يعيشوا الحجب الإلكتروني أينما كانوا، فالحكومات في بعض الدول العربية وتحديدا دول الخليج العربي حجبت خدمات مثل "فيس تايم" من آبل، والمكالمات الصوتية والمرئية في أية تطبيقات أُخرى مثل فايبر وواتس آب [5]، وطبعا لكل حكومة حقها الطبيعي في أن تحمي مواطنيها بالطريقة التي تراها مناسبة.

 

لكن ما يعيب تلك الدول التي تمتلك طاقات شبابية رائعة هو عدم التوجه إلى توفير بدائل، وعدم رسم الخطوط أو إعلان مبادرات لتشجيع الشباب للخروج ببدائل على غرار التجربة الصينية الرائعة التي اكتفت ذاتيا، والتي دفعت شبكة فيسبوك إلى مراجعة حساباتها مؤخرا والبدء بالتحرك نحو طلب ود الحكومة الصينية هناك من جديد.

 

أما في دولنا الحبيبة فنحن نجهل دائما الأسباب التي تدفع إلى الحجب، والتي تبرَّر بشكل أولي بأنها خطأ تقني لامتصاص الغضب العام، ثم تستمر الممارسة نفسها إلى أن يتم الحديث عن خطورة هذه التطبيقات على الأمة والمجتمع، ورفض الشركات للامتثال إلى الطلبات الواردة من قبل الحكومة.

 

لماذا لن تُسمع أصواتكم؟


ستجد ضمن بيان الحجب الذي طال خدمة إلكترونية جديدة في وطننا العربي الحبيب بندًا يتحدث عن رفض التطبيق والقائمين عليه بسبب طلبات الحكومة، لكن ما تلك الطلبات؟ لا أحد يدري، هل من المعقول أن تطلب صلاحيات للاطلاع على أي رسالة في الوقت الذي ترغب فيه؟ أي اختراق خصوصية المستخدم بحجة حماية الأمن القومي؟ أو هل يعقل طلب الحصول على خوارزميات التشفير الخاصة التي لو تسربت للعموم بشكل من الأشكال ستؤدي إلى اختراق خصوصية جميع المستخدمين، وهذا كله بسبب الرغبة في مراقبة تصرفات بضعة آلاف من المستخدمين؟

 

لن تأخذ أي شركة جهات حكومية عربية على محمل الجد طالما أنها لا تضع نفسها مكان تلك الشركات وتحاول التعاون معها، فعوضا عن طلب مفاتيح التشفير كان من الأفضل جلوس الخبراء معا ومحاولة الخروج بحلول تقنية تمنع الاستخدام المنافي للديانة الإسلامية مثلا، أو الخروج بحلول تقنية للحد من استخدام الإرهابيين لتلك المنصات من أجل حماية الأمن القومي وقطع طريق الاتصالات عليهم، والأفضل من هذا كله أن تُري تلك الحكومات أمثلة للشركات الكبيرة من خلال الخروج بتطبيقات خاصة بمواطنيها، مثلما حصل في الصين.


وبالتالي عندما تشعر شركة بحجم فيسبوك أو آبل أن هناك منتجًا وطريقة لتطويع التقنية وفقا لقانون بلد عربي ما، فإنها قد تُسارع للعمل جنبا إلى جنب مع الحكومة لتوفير خدماتها أيضا في تلك المنطقة، أما إذا لم ترغب تلك الشركات العالمية بالتنازل، فعلى الأقل لم يُترك المستخدمون في تلك الدول كأنهم خرجوا لتوّهم من الكهف، وتوفرت لديهم بدائل يعتمدون عليها للتواصل فيما بينهم، تحافظ في الوقت نفسه على الأمن القوي الخاص بتلك الدول.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار