انضم إلينا
اغلاق
ثورة الآيفون.. قصة ولادة فريدة

ثورة الآيفون.. قصة ولادة فريدة

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض
شهد شهر يناير/كانون الثاني من عام 2017 الجاري احتفالات صاخبة عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع التقنية لأنه صادف الذكرى العاشرة منذ الإعلان رسميًا عن هواتف آيفون (iPhone) من شركة آبل، تلك الأجهزة التي غيّرت شكل الهواتف ومفهوم الحوسبة المحمولة بشكل كامل.

 

ولأن رحلة الهاتف في السوق صاحبتها شبكات التواصل الاجتماعي، فإننا بقينا مُطّلعين على آخر الأخبار، أو الشائعات، أو التسريبات، أو التحليلات السوقية، لتتحول هذه المواد إلى قالب واحد يبدأ بالظهور بُعيد الكشف عن الجيل الجديد من الهواتف، وينتهي بالإعلان عن الجيل الذي يليه، وهكذا.

 

لكن خلف هواتف آبل حكاية طويلة جدًا، لم تُذكر بشكل علني وصريح في جميع الأفلام التي تناولت حياة الراحل ستيف جوبز، ولا حتى في الكتب. لكن وبمناسبة انقضاء عقد كامل، بدأت تلك الأسرار بالظهور، كاشفة الكثير من التفاصيل التي تُبرر الاتجاهات التقنية التي سلكتها آبل في الهاتف، إضافة إلى بعض القرارات الغريبة التي كان بطلها جوبز، والتي كانت كفيلة بالقضاء على نجاح الهاتف بشكل كامل.

 

من رُقعة كرة الطاولة إلى هاتف في الجيب


أشرف اللبناني طوني فاضل على تطوير أجهزة آيبود (iPod) في شركة آبل، تلك الأجهزة الثورية التي زُوّدت بقرص رقمي للانتقال بين القوائم، وسمحت للمُستخدمين بتخزين مئات الملفات الموسيقية للاستماع إليها في أي وقت. لذا فاختيار جوبز لفاضل للخروج بجهاز ثوري لم يأت من فراغ أبدًا، خصوصًا أن جهاز آيبود كان بوقتها الجهاز الوحيد الاستهلاكي، عكس بقية الأجهزة التي كانت تقتصر على الحواسب بشكل أساسي. لم يكن فاضل لوحده في تلك المهمّة، بل عمل أيضًا معه سكوت فورستول (Scott Forstall)، أحد أهم مُهندسي البرمجيات في آبل. [1]

 

البداية كانت عندما طلب جوبز من فاضل التوجه إلى مكتبه الخاص، ليأخذه فيما بعد إلى غرفة سرّية كانت تحتوي على حاسب (Mac) بشاشة تعمل باللمس، لكنها لم تكن أي شاشة، بل كانت بحجم رُقعة كُرة الطاولة (Ping Pong). جوبز نظر وقتها إلى فاضل وقال له أُريد منك أن تحوّل هذا الشيء إلى مُنتج ثوري يتّسع بداخل جيوب المُستخدمين. هذا الحوار -بحسب فاضل- دار قبل ستة أشهر فقط من مؤتمر آبل (Mac World)، أي أن كل شيء كان يجب أن يتم خلال هذه الفترة، من هندسة، وتصميم، وتطوير نظام التشغيل وما إلى ذلك. [2]

 

طبعًا لم تكن هذه المرّة الأولى التي تبدأ الأحاديث فيها داخل شركة آبل عن الهواتف، فالشركة طوّرت الكثير من النماذج على يد فاضل وفورستول، ففي تسريبات ظهرت مؤخرًا، اختبرت آبل الكثير من النماذج، لكنها جميعها تشاركت بفكرة وحيدة، ألا وهي الشاشة التي تعمل باللمس، بدون أي شيء آخر [3]. بل حتى فكرة وجود لوحة مفاتيح على غرار هواتف شركة بلاك بيري (BlackBerry) كانت مرفوضة من قبل جوبز الذي وصل به الأمر لطرد كُل من يُخالفه بهذه النظرة، وقام بالفعل بطرد شخص من الاجتماع لأنه تشبّث بأهمية تزويد الهاتف بلوحة مفاتيح، وهو ما نبذه جوبز دون خوف أو تردد. [4]

شدّد جوبز على موضوع الخصوصية والسرّية، إذ لا يُمكن أن تخرج تفاصيل الهاتف أو نظام تشغيله إلى الخارج، وأي تسريب يقوم به المُوظّف يُعرضه للفصل من الشركة بشكل فوري

بيكساباي


وبعيدًا عن لوحات المفاتيح، كانت مايكروسوفت في أجهزتها المحمولة تعتمد على القلم الضوئي (Stylus) كوسيلة إدخال، وهو ما حاول فاضل الإشارة إليه أكثر من مرّة، لكن جوبز أصرّ على فكرة استخدام الأصابع فقط للتفاعل مع شاشات هواتف آيفون، وهو ما دفع فاضل للعمل على دعم الأقلام الضوئية بشكل سرّي في المُختبرات، مع ضمان أنها لن تؤثّر على دقّة اللمس باستخدام الأصابع أبدًا. [5]

 

في نفس الوقت، كان فاضل وفورستول يختبرون كذلك نماذج أُخرى للهاتف، أو أفكار أُخرى إن صح التعبير، فهم قاموا بتجربة هاتف آيفون بنفس شكل آيبود، أي مُزوّد بقرص رقمي، لكنهم وجدوا أنه لا يعمل، أو أن تجربة استخدامه سيئة جدًا، لذلك توقّفوا بشكل كامل عن تطوير النموذج الأوّلي داخل المُختبرات [6]. وبالتزامن مع هذه العملية، حرص فريق البرمجة في الشركة على تطوير نظام تشغيل يتوافق مع الأفكار والأجهزة في المُختبرات، هذا النظام كان وقتها نسخة مُصغّرة من أو اس اكس (OS X) الذي تعمل به حواسب شركة آبل.

 

وبالحديث عن نظام التشغيل، فإن جوبز عندما أوكل مهمة التطوير إلى فورستول منحه صلاحيات كاملة ليختار الفريق الذي يناسبه على أن يكون مُكوّن من موظفي شركة آبل فقط. كما شدّد جوبز على موضوع الخصوصية والسرّية، إذ لا يُمكن أن تخرج تفاصيل الهاتف أو نظام تشغيله إلى الخارج، وأي تسريب يقوم به المُوظّف يُعرضه للفصل من الشركة بشكل فوري، وهو قرار كاد أن يُصيب فاضل في وقت من الأوقات. [7]

 

حمل فاضل معه نموذج أولّي من هاتف آيفون لاختباره بشكل يومي، وبعد نزوله من الطائرة وضع يده على جيبه ليتفاجأ بعدم وجود الهاتف، وحينها علم أن فقدان الهاتف سيُكلّفه عمله وجهده، لأن جوبز عندما يعلم أنه فقد النموذج، فإنه لن يتردد ولن يُفكّر مرّتين لاتخاذ قرار طرد فاضل من الشركة. لكن الحظ أسعف فاضل وعثر على الهاتف بين مقاعد الطائرة دون أن يعلم جوبز بتفاصيل الحادثة. [8]

 

اللحظات الأخيرة ما قبل المؤتمر


كشفت آبل عن الهاتف رسميًا في 9 يناير/كانون الثاني 2007، لكنه وصل إلى أيدي المُستخدمين مع مُنتصف ذلك العام، وهو ما يعني أن مُهندسي الشركة امتلكوا الوقت الكافي لمعالجة المشاكل الكثيرة التي كانت تعصف بالنموذج النهائي الذي أمسكه جوبز بيده يوم التقديم الرسمي.

 

ذلك النموذج لم يكن يعمل بشكل سليم من الأصل، فما شاهده الحضور وقتها كان عبارة عن هاتف مُزوّد بشاشة تعمل باللمس، وتدعم اللمس المُتعدد. لكن الوظائف الأساسية للجهاز على غرار إجراء المُكالمات، أو تصفّح الإنترنت لم تكن تعمل بالشكل الأمثل. جوبز تدرّب لفترة وصلت إلى أسبوع تقريبًا على الخطاب الذي ألقاه للكشف عن الهاتف، وعمل مُهندسو الشركة معه عن قرب للتخلّص من المشاكل أولًا بأول.

 

بعد الكثير من المحاولات نجح مُهندسو آبل في التحايل على المشاكل الموجودة في الجهاز والنظام، فهم طلبوا من جوبز أن يقوم بإرسال رسالة بريدية عبر تطبيق البريد (Mail)، ثم فتح مُتصفح سفاري Safari لاستعراض كيفية تصفّح المواقع أمام الجمهور. الغريب أن عكس هذه العمليات، أي تصفّح المواقع ثم إرسال الرسالة سوف يؤدي إلى توقّف الجهاز عن العمل، وهو ما لا يرغب به جوبز بكل تأكيد. [9]

قام المُبرمجون بكتابة كود برمجي لكي تظهر التغطية وكأنها كاملة على شاشة الجهاز، أي أن خطوط التغطية الخمسة الموجودة في أعلى الشاشة ستظهر كاملة، دون وجود أي خط فارغ

رويترز


إضافة إلى ذلك، كانت شبكة الاتصال تختفي بشكل مُفاجئ، فالجهاز كان يفقد الشبكة دون سبب واضح، حتى وبعد إجراء الكثير من التجارب، لم يعرف القائمون على الجهاز السبب وراء ذلك. لذا لجأ فريق التطوير إلى تزويد قاعة المؤتمرات بشبكة لاسلكية للاتصال بالإنترنت مع إخفاءها والسماح لهاتف جوبز فقط بالاتصال بها لضمان أفضل أداء وتجنّب أية مشاكل غير محسوبة.

 

هذا ليس كل شيء، فشركة AT&T -الشريك الرسمي لإطلاق وبيع هواتف آيفون- قامت بجلب أبراج تغطية وأبراج اتصال إلى داخل القاعة لضمان إجراء المُكالمات باستخدام الهاتف دون إحراج جوبز الذي ما كان ليغفر مثل هذه المشاكل لو تعرّض لها. وتجنّبًا لغضب جوبز، قام المُبرمجون بكتابة كود برمجي لكي تظهر التغطية وكأنها كاملة على شاشة الجهاز، أي أن خطوط التغطية الخمسة الموجودة في أعلى الشاشة ستظهر كاملة، دون وجود أي خط فارغ. [10]

 

وبفضل هذه الجهود، خرج جوبز للجمهور مُلخّصًا تعب السنين بجملة بسيطة: "ثلاثة أشياء فقط، جهاز آيبود بشاشة عريضة تعمل باللمس. وهاتف ثوري، وجهاز قادر على الاتصال بالإنترنت. آيبود، وهاتف، وجهاز لتصفح الإنترنت." وكرر هذه الجملة مُتسائلًا هل فهتم الفكرة؟ ليضيف بعدها: "هذه ليست ثلاثة أجهزة مُنفصلة، بل هي في جهاز واحد، أطلقنا عليه اسم آيفون". [11]

 

ردود الأفعال ما بعد المؤتمر


نجح جوبز وفريق العمل الذي رافقه في خلق الإثارة اللازمة حول الهاتف الجديد، كيف لا وهو مُنتج ثوري غيّر مفهوم وآلية التعامل مع أجهزة الهاتف، وحوّلها إلى شيء جديد كُليًّا. لكن ردود الأفعال الواردة من قبل المُنافسين هي التي كانت صادمة بشكل أو بآخر، فهم على ما يبدو، لم يستطيعوا تقبّل الأمر كمُحبين للتقنية، بل أخذوه بشكل شخصي.

 

ستيف بالمر (Steve Ballmer) الذي سبق له وأن قاد شركة مايكروسوفت إلى متاهات مُظلمة تحدّث وقتها عن هاتف آبل الجديد بنوع من السخرية، فهو قال إن الهاتف لن يستطيع أن يحظى بحصّة في السوق بأي شكل من الأشكال، لأن سعره مُرتفع، فمن سيشتري جهاز بتكلفة 500 دولار أمريكي؟ إضافة إلى ذلك، قال بالمر إن الجهاز لن يفي بالغرض للشركات لأنه غير مُزوّد بلوحة مفاتيح، وبالتالي لا يعتقد أنه الجهاز المُناسب لكتابة الرسائل البريدية. [12]

 

بلاك بيري في المُقابل، ورئيسها التنفيذي قال وقتها إن هاتف آبل ما هو إلا جهاز جديد في سوق مُزدحم كثيرًا، لكنه استبعد أيضًا أن يؤثر الهاتف على مبيعات بلاك بيري أو على مُستقبلها كذلك [13]. وإلى جانب بلاك بيري، كانت نوكيا من أفضل الشركات المُصنّعة للهواتف دون مُنازع، وفي هذا الصدد قال رئيسها الاستراتيجي إن تطوير الهواتف سيكون مثل تطوير الحواسب، وآبل نجحت في حواسب (Mac) في جذب الانتباه في البداية، لكن حصّتها في السوق ما تزال محدودة، وهو ما توقعه أيضًا بالنسبة لهواتف آيفون. [14]

 

أخيرًا، على صعيد الشركات التقنية، كانت شركة (Palm) واحدة من الأسماء الرائدة في هذا المجال أيضًا، ورئيسها التنفيذي قال بعد الكشف عن آيفون إن شركة (Palm) قضت الكثير من السنوات للوصول إلى المُعادلة التي تُناسب المُستخدمين في الهواتف، ولا يُمكن لشركات صناعة الحواسب أن تصل إلى تلك المُعادلة ببساطة، ولن يتمكّنوا من الدخول إلى السوق بهذه السهولة. [15]

 

وبما أن الحديث عن ردود الأفعال التي جاءت ما بعد الكشف عن هواتف آيفون، فإن ردّة فعل جوبز نفسه حول مُستقبل الهاتف كانت مُفاجئة قليلًا، فالجميع يعلم أن الجيل الأول من هواتف آيفون لم يُزوّد بمتجر التطبيقات، إذ أصرّ جوبز على حصر التطبيقات الإضافية بداخل متصفح سفاري كنوع من الإضافات فقط، وهو ما حاول فيل شيلر Phil Schiller، نائب رئيس قسم التسويق في شركة آبل، تغييره في أكثر من مُناسبة.

لا يُمكن اعتبار هواتف آيفون مُجرّد أجهزة ذكية دخلت إلى السوق فقط، بل هي بيئة مُتكاملة بدأت بهواتف آيفون ونظام تشغيلها iOS

رويترز


جوبز دائمًا ما كان يُغلق الحديث عن فتح الباب أمام المُطورين قائلًا إنه لا يريد أن يجعل أجهزة آيفون مثل حواسب (Mac)، أي مفتوحة أمام المُستخدم لتثبيت أي برنامج. فمن وجهة نظر جوبز، يُمكن أن تؤدي تلك البرامج إلى أضرار في الهاتف بحيث تمنع المُستخدم من إجراء عمليات بسيطة كالاتصال أو إرسال رسالة نصيّة، ولهذا السبب كان دائمًا ما يقول إنه مُقتنع بالوقت الراهن -أي بعيد إطلاق النسخة الأولى- بنظام الإضافات في متصفح سفاري. [16]

 

لكن وبسبب إصرار شيلر ومن معه، قرر جوبز إعطاء الأمر فرصة، حيث قال وقتها حرفيًا "اذهبوا إلى الجحيم وطوّروا متجر التطبيقات، لكن لا تزعجوني مرّة أُخرى بهذا الأمر". ساهم هذا المتجر بدفع عجلة هواتف آيفون بشكل كبير في السوق، وساهم أيضًا بتحقيق المُطورين لأرقام كبيرة وصلت إلى 20 مليار دولار أمريكي خلال 2016 لوحده، وهو دليل على أهمّية متجر التطبيقات، وسوق العمل الكبير الذي يوفّره للمُطورين. [17]

 

لا يُمكن اعتبار هواتف آيفون مُجرّد أجهزة ذكية دخلت إلى السوق فقط، بل هي بيئة مُتكاملة بدأت بهواتف آيفون ونظام تشغيلها (iOS)، وتطوّرت فيما بعد لتشمل حواسب آيباد (iPad) اللوحية، ومتجر التطبيقات (App Store)، إضافة إلى ساعات آبل الذكية (Apple Watch)، وأجهزة (Apple TV)، وسمّاعات (AirPods) المُزوّدة بمعالج W1. دون نسيان المُساعد الرقمي سيري (Siri)، الذي قد يخرج ليُصبح جهازًا مُنفصلًا على غرار المُساعدات المنزلية من أمازون وجوجل.

أكثر الأفلام ترشيحا للأوسكار

تقارير متصدرة


آخر الأخبار