انضم إلينا
اغلاق
العصر الأسود في تاريخ شركة مايكروسوفت

العصر الأسود في تاريخ شركة مايكروسوفت

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

 

أنهت شركة مايكروسوفت القرن العشرين مُتربّعةً على عرش الشركات التقنية، وامتلكت في ذات الوقت شهرة واسعة، كيف لا ونظام تشغيلها، ويندوز هو الأكثر استخدامًا وانتشارًا في ذات الوقت. وبكل تأكيد لم يكن اسم بيل جيتس غريبًا أيضًا، فهو كان الأيقونة التقنية في ذلك العصر، ومن أعظم الأمثلة التي يطمح الشباب للاقتداء بها.

 

وبعد انقضاء أكثر من 16 عامًا على تلك الأحداث نجد أن مايكروسوفت لا تزال موجودة، وهو أمر يُبشّر بالخير بكل تأكيد؛ لكنها لم تعد بتلك القوّة، أو بطريقة أُخرى، لو استمرت مايكروسوفت بنفس الأداء والقوّة التي أنهت القرن العشرين بها، لكان حالها أفضل بكثير مما هو عليه الآن.

 

ويجب التنويه إلى نقطة هامّة جدًا تتمثل بمرور 41 عاما -تقريبًا- على تأسيس شركة مايكروسوفت، فهي بدأت عام 1975 على يد بيل جيتس وباول آلين [Paul Allen) [1)، وتعاقب على رئاستها ثلاثة أسماء فقط لا غير. الأول هو جيتس الذي استمرّ في قيادة الشركة بمنصب الرئيس التنفيذي حتى عام 2000، ليعقبه بعدها ستيف بالمر الذي جاء لينسف جهد جيتس خلال 25 سنة قضاها في إدارة الشركة.

 

أرقام مايكروسوفت في أول 25 سنة
لسنا بحاجة لتفصيل جميع أرقام مايكروسوفت في الفترة ما بين 1975 حتى 2000، فأغلبية الحواسب كانت تعتمد على نظام ويندوز، وحزمة أوفيس، دون نسيان مُتصفح إنترنت إكسبلورر الذي اعتُبر الواجهة الأساسية لتصفح الإنترنت للكثير من المستخدمين.


وعلى الهامش، يعتبر البعض أن كلمة ويندوز هي دلالة على نظام التشغيل، فكثير من الأشخاص كانوا يستفسرون عن سبب وجود ويندوز بأشكال ثانية على جهازهم غير الذي اعتادوا عليه في السابق، إشارة منهم إلى نظامي ماك أو اس (macOS) من آبل، ولينكس (Linux) التي تأتي بتفاصيل مُختلفة بعض الشيء، فجملة "لدي ويندوز آخر على جهازي" يُقصد بها لدي نظام تشغيل آخر.

 

أما وبالعودة إلى الأرقام من جديد؛ فإن مايكروسوفت دخلت الألفية الجديدة بمبيعات تصل إلى 26 مليار دولار أمريكي تقريبًا، وأرباح وصلت إلى 9 مليارات دولار تقريبًا [2]، وهي أرقام كبيرة جدًا على الصعيد المادي. أما على صعيد انتشار المُنتجات، فنظام تشغيل ويندوز كان موجودًا وقتها؛ أي مع نهاية الألفية السابقة، على أكثر من 95٪ من الحواسب الموجودة حول العالم [3]، وهو أيضًا رقم كبير لا يجب الاستهانة به إلى جانب أرقام متصفح إنترنت إكسبلورر الذي سيطر هو الآخر على أكثر من 96٪ من سوق المُتصفحات [4].

 

باختصار؛ سيطرت مايكروسوفت تقنيًا بمنتجاتها على الألفية السابقة ودخلت الألفية الجديدة بقوّة مالية كبيرة تكفيها لتهديد أي شركة، خصوصًا أنها كانت عُنصرًا لجذب المواهب، فالجميع كان يتسابق للعمل فيها، وتقديم موهبته، وتحويل فكرته ومنتجه إلى واقع ملموس.

 

ستيف بالمر


هناك مفارقات عجيبة في تاريخ بالمر مع شركة مايكروسوفت، فهو أولًا لم يكن حديث العهد؛ بل انضم للعمل فيها منذ عام 1980 [5]؛ أي أنه عمل أكثر من 20 سنة في مناصب مختلفة قبل أن تتم ترقيته للوصول إلى منصب الرئيس التنفيذي للشركة. هذا يعني -بطريقة أو بأخرى- أنه شخص يمتلك الخبرة الكافية، وتشرّب رؤية وأهداف الشركة، وقادر 100٪ على المُضي قدمًا لتحقيقها، إلا أن الفترة التي قضاها -والتي استمرّت لـ 14 عاما تقريبًا- لم تعكس ذلك أبدًا.

 

أما المُفارقات القادمة فهي الأعجب بكل تأكيد، فبالمر نجح في رفع مبيعات شركة مايكروسوفت بنسبة ثلاثة أضعاف؛ أي أن مبيعات مايكروسوفت في عهده وصلت إلى 78 مليار دولار أمريكي بعدما استلمها وكانت 22 مليارا فقط. أما على صعيد الأرباح فالشركة وصلت إلى 22 مليار دولار أمريكي بعدما كانت الأرباح 9 مليارات فقط. وبالنظر أيضًا إلى الأرقام خلال الأرباح المالية، سنجد أن الشركة كانت في تحسّن مُستمر، دون وجود مؤشّرات كبيرة لإخفاقات أو مشاكل على الصعيد الداخلي [6].

 

مُشكلة مايكروسوفت بالأساس لم تكن بالأرقام المالية، فالشركة لو احتاجت لمساعدات مالية لحصلت عليها دون شروط؛ لأنها مثال للشركات التي بنت نفسها بنفسها، واعتمدت على الابتكار أولًا وأخيرًا، الذي بدأ بالغياب مع تضاؤل دور جيتس في الشركة وتقلّد بالمر مزيدًا من المسئوليات واتخاذه للقرارات الحاسمة.

خسر بالمر في مجال محركات البحث لصالح شركة جوجل، وخسر في مجال الهواتف الذكية لصالح شركة آبل التي استهزأ بهاتفها آيفون بعد الإعلان عنه

غيتي 

لم ينجح جيتس، ولا حتى ستيف جوبز مؤسس شركة آبل؛ لأنهما خرجا بمنتجات مُميّزة، أو حتى لأنهما حوّلا أفكارهما إلى حقيقة فقط؛ بل لأنهما امتلكا رؤية للمستقبل، وخاطرا بحذر شديد بعد فهم الاتجاه التقني، وبالتالي نجحت منتجاتهما على مدار السنوات الطويلة وخلّدت اسميهما في صفحات التاريخ. أما بالمر، فهو لم يمتلك هذه الهبة الربانية، فالقرن الحالي حمل -منذ بداياته- تغييرات كثيرة مثل مُحركات البحث، والشبكات الاجتماعية، والهواتف الذكية، والتخزين السحابي، إضافة إلى المحتوى الرقمي وبثّه على الإنترنت.

 

بالمر لم يُدرك أهمية مثل هذه الصيحات أبدًا، وأغلق عينيه عليها وكأنه لا يُشاهد ما يدور حوله،  فهو خسر في مجال محركات البحث لصالح شركة جوجل، وخسر في مجال الهواتف الذكية لصالح شركة آبل التي استهزأ بهاتفها -آيفون بعد الإعلان عنه [7]، كما أنه خسر في مجال أنظمة تشغيل الهواتف الذكية لصالح آبل وجوجل، والمحتوى الرقمي لصالح شركات مثل نت فليكس (Netflix)، وأخيرًا خسر التخزين السحابي لصالح شركة أمازون.

 

يُمكن غُفران وتجاهل كل شيء باستثناء أنظمة التشغيل، فنظام ويندوز الذي سيطر على أكثر من 95٪ من سوق الحواسب مع بداية الألفية الجديدة، لم ينجح خلال 15 عاما سوى في الحصول على 1٪ من سوق أنظمة تشغيل الهواتف الذكية! [8]

 

ما الذي أثقل كاهل بالمر ومايكروسوفت؟
بكل تأكيد لم تكن خسارة تلك الفرص بسبب عناد أو رؤية شخص واحد، فشركات بحجم مايكروسوفت تعمل بنظام مجلس الإدارة الذي يُبدي رأيه في القرارات المصيرية؛ أي أن بالمر لم يكن التفاحة الفاسدة.

 

بالمر استلم مايكروسوفت وهي تواجه 20 دعوة قضائية بتهمة الاحتكار في ولايات مختلفة داخل أمريكا لوحدها [9]، لكن هذا ليس مُبررًا للأخطاء الكثيرة التي أرتُكبت بحق منتجات الشركة الأساسية والتي على رأسها نظام ويندوز فيزتا (Windows Vista) الذي يعتبره بالمر أحد أكبر الأخطاء التي قام بها خلال قيادة الشركة، ويندوز فيزتا كلّف مايكروسوفت أكثر من ثمانية أعوام من العمل المُضنِي، فمهندسو ومبرمجو مايكروسوفت عملوا لمدة ست سنوات -تقريبًا- للخروج بالنسخة المُستقرة من ويندوز فيزتا، وعملوا بعدها لعامين تقريبًا لترقيع المشاكل الموجودة فيه، والخروج بويندوز 7 الذي حسّن الصورة إلى حد ما [10].


لكن يبدو أن الفرحة لا ترغب بملازمة بالمر، فهو وبعد عبور عاصفة الانتقادات باستخدام ويندوز 7، قرر خوض واحدة أُخرى بنظام ويندوز 8 الذي تخلّى لأول مرّة عن علامة شامخة من علامات نظام ويندوز. قائمة ابدأ  التي لازمنتا لفترة طويلة ذهبت بشكل مُفاجئ، وظهرت لنا شاشة ابدأ التي كان من الصعب جدًا تقبّلها. ما قام به بالمر هو تغيير تجربة الاستخدام بالكامل دون تمهيد أبدًا [11]، فهو استشرق أهمّية الحواسب اللوحية وصعوبة تعاملها مع قائمة ابدأ التقليدية؛ لكنه لم يفرض خيارات أمام المُستخدم، بل أجبره على استخدام شاشة ابدأ أيًا كان نوع الحاسب، ولم يأخذ بعين الاعتبار العادة والهوية، وبالتالي سقط ويندوز 8 وعاد لإغراق مايكروسوفت من جديد.

 

جميع هذه التخبّطات دفعت ثُلة كبيرة من مُبرمجي مايكروسوفت للعمل والتركيز فقط على إخراجها من هذه الورطة، وفي وقت كانت شركات مثل آبل وجوجل تعمل على تطوير أنظمة تشغيلها للأجهزة الذكية، كان بالمر مُنشغلًا بنظام تشغيله للحواسب الذي كان من المفترض أن يكون مُستقرًا باسطًا سيطرته المُطلقة عليه؛ لكن وللأسف ضاعت فرصة الأجهزة الذكية على مايكروسوفت، بعدما كادت فرصتها في أنظمة تشغيل الحواسب في طريقها للضياع أيضًا.

 

مايكروسوفت في عهد بالمر أخفقت أيضًا في منصّة الألعاب أكس بوكس (Xbox)، فالجيل الأول من المنصّة أُطلق عام 2001، ثم جاء الجيل الثاني أكس بوكس 360  في عام 2005، لكنها وحتى عام 2010 لم تحقق أية أرباح من هذا القطاع نتيجة للمبالغ الطائلة التي استثمرتها في هذا المجال [12]، صحيح أن أرقامها أمام منصّة سوني بلاي ستيشن قوّية، لكنها من الناحية المادية ليست كذلك أبدًا.

بيل غيتس وستيف بالمر

غيتي 


هذه عوامل ساهمت بشكل كبير بإغراق مركب مايكروسوفت في أكثر من دوّامة، فكلما خرجت من واحدة تأتي الأُخرى؛ لكن الخطأ الأكبر أو العامل الأكبر الذي ساهم بإغراق مايكروسوفت هو ستيف بالمر نفسه، بالمر قالها صراحة: "لقد وقعنا بالكثير من الأخطاء نتيجة لخطأ أساسي يتمثّل في تقلّدي لإدارة الشركة، وصولي للرئاسة التنفيذية كان الخطأ الأول، وجميع ما جاء بعد ذلك بُني على هذا الأساس" [13].

 

مايكروسوفت الآن
انتهت حقبة بالمر في عام 2014، ليأتي بعده الرئيس التنفيذي الثالث في تاريخ مايكروسوفت، ساتيا ناديلا (Satya Nadella)، الذي غيّر الكثير من الأمور داخل الشركة العريقة، وأعادها تقريبًا إلى الطريق الصحيح في الكثير من المجالات، والأهم من هذا كُله هو العودة التدريجية لثقة المستخدمين بمايكروسوفت ومنتجاتها.

 

أما على الصعيد الداخلي، فمع نهاية 2013 كانت نسبة رضا العاملين في مايكروسوفت عن الرئيس التنفيذي تصل إلى 51٪ فقط، لكن وبعد عامين تحت قيادة ناديلا، وصلت نسبة الرضا إلى 88٪، وعادت مايكروسوفت لتكون محورًا تقنيًا يستقطب أبرز العقول في هذا المجال [14].

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار