انضم إلينا
اغلاق
كذبة الجيل الخامس للاتصال

كذبة الجيل الخامس للاتصال

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض
لم تترك الثورة التقنية -خلال العقد الأخير- مجالًا إلا وأثّرت فيه بشكل كبير؛ فبالتزامن مع التطور السريع الذي حصل في عالم الحواسب المكتبية والمحمولة، ومع ظهور الهواتف الذكية والحواسب اللوحية، تطوّرت شبكات الاتصال بشكل كبير لتخديم هذا العدد المُتزايد من الأجهزة.

 

شبكات الجيل الثاني (2G) استُخدمت منذ عام 1992 تقريبًا، وسارت ببطء؛ نتيجة للأجهزة المحدودة التي كانت تدعم هذا النوع من الاتصالات، كما أن تطبيقات الإنترنت كانت شبه معدومة. لكن وبعد الألفية الجديدة كان لا بُد من تسريع وتيرة التطوير؛ نظرًا للانفجار العظيم الذي أصاب شبكة الإنترنت، ومن هنا ظهر لنا الجيل الثالث الذي انتشر في عام 2007 بشكل كبير في مُختلف الدول حول العالم.

 

وهكذا، ومثلما هو حال المُنتجات التقنية، زُرع في مفهوم المُستخدم أن الأجيال يجب أن تتعاقب بسرعة كبيرة، فنحن كل سنتين تقريبًا نحصل على جيل جديد من الهواتف الذكية، وبالتالي من المفترض أن نحصل أيضًا خلال فترات زمنية مُتقاربة على أجيال اتصال جديدة. لذا وبما أننا نعتمد حاليًا على الجيل الرابع (LTE)، فالجيل الخامس (5G) هو المعيار الذي يجب أن يرى النور خلال السنوات القادمة، وهو ما تحاول جميع مُزوّدات خدمة الاتصال الترويج له على
الرغم من عدم وجود هذا الجيل من الأساس حتى هذه اللحظة !
 


خلفية بسيطة عن أنظمة الاتصالات
  يظهر لدينا جيل جديد من الاتصالات مع انقضاء عقد من الزمن تقريبًا، فالجيل الأول (1G) ظهر لأول مرّة عام 1982. أما الجيل الثاني (2G) فهو استخدم على نطاق واسع ابتداءً من عام 1992 حتى 2001 الذي شهد الاستخدامات الأولى للجيل الثالث (3G). الجيل الرابع وضِعت معاييره القياسية في عام 2012، لكن عملية تطويره بدأت منذ بداية عام 2001 تقريبًا؛ أي ما إن خرج الجيل الثالث للنور؛ حتى بدأ العمل على شبكات الجيل الرابع [1].

 

ما هو الجيل الخامس بالأساس؟

تطمح الشركات المُتخصصة في مجال الاتصالات إلى زيادة سرعة نقل البيانات عبر شبكات الاتصالات، وهو شيء يمكن ملاحظته ببساطة عند استخدام الجيل الثاني من اتصال البيانات (2G)، أو استخدام الجيل الثالث (3G). لكن في الجيل الخامس الأمر مُختلف قليلًا.

 

إلى جانب زيادة سرعة الاتصال في الجيل الخامس لتصل إلى 10 غيغابت في الثانية الواحدة تقريباً، فالطموح أيضًا يذهب نحو زيادة حجم البيانات التي يمكن نقلها عبر الترددات نفسها، وبالتالي يمكن لشريحة أكبر من المستخدمين الاستفادة من نطاق الترددات، إلى جانب الحصول على كمية بيانات كبيرة جدًا لكل مُستخدم. فمزودات خدمة الاتصال تفرض رسومًا شهرية على حجم البيانات؛ لأنه شيء مُكلف بالأساس، لكن وبسبب ازدياد عدد مُستخدمي الأجهزة الذكية، وعدد الأجهزة التي تحتاج اتصالًا بالإنترنت، فدعم الجيل الخامس لحجم بيانات أكبر، ومجموعة مستخدمين أكثر؛ شيء أساسي بكل تأكيد [2].
 

تهدف شبكة الاتصال في الجيل الخامس إلى زيادة سرعة الاتصال، وزيادة حجم البيانات التي يمكن نقلها 

بيكساباي
الجيل الخامس وفنون التسويق
 تتبارى مُعظم مُزوّدات خدمة الاتصال بالحديث عن الجيل الجديد من الاتصالات (5G)، وكأنه بين أيديها بالفعل؛ بل وذهبت بعض المُزوّدات للحديث بأنها بدأت تجاربها الخاصّة؛ لكي تكون جاهزة 100٪ في الموعد المُحدد، لكن وللأسف لم تصدر حتى الآن معايير تُحدد ما هو الجيل الخامس للاتصال، وبالرغم من أن هذه التقنية تستطيع نقل بيانات أكثر بسرعة أكبر، إلا أنه بدون معايير قياسية قد تذهب جهودها سدى، فبظهور تقنية واحدة جديدة يمكن أن يتغير كل شيء. 

 

المعايير القياسية تتضمن في العادة سرعة نقل البيانات عبر الجيل المُحدد، وكمية البيانات التي يُمكن تحميلها على الإشارة نفسها؛ دون نسيان التردد ومجال الترددات التي يجب أن تنتقل الإشارة ضمنه؛ بحيث لا تتداخل مع غيرها من الإشارات، فتنظيم هذه العملية تقف خلفه مؤسسات مثل اتحاد الاتصالات الدولي (ITU)، ومؤسسة (3GPP)، وهما مؤسستان ستتساعدان معًا لوضع معايير الجيل الخامس التي لم توضع بعد [3].

 

بحسب اتحاد الاتصالات الدولي و(3GPP)، فإن المعايير يجب أن تكون جاهزة مع حلول عام 2020، وبالتالي ما يزال هناك مُتّسع من الوقت؛ لظهور تقنيات وأفكار جديدة قد تُساعد في الخروج بجيل جديد، خصوصًا مع الثورة المتوقعة في عالم إنترنت الأشياء (IoT)، والسيارات ذاتية القيادة (Autonomous Cars)، وهي مجالات ما زالت تحت الاختبار وبحاجة إلى تنظيم خاصّ بها أيضًا.
 



من الناحية النظرية، فمشكلة الجيل الخامس لا تتمثل بعدم وجود معايير؛ بل بسبب حاجتها الماسّة إلى اتصالات عبر الألياف الضوئية (Fiber Optics)، صحيح أن هذا النوع من الاتصالات موجود في الوقت الراهن؛ لكنه ليس بالحجم أو المستوى الذي يسمح بتغطية احتياج شبكات الجيل الخامس، فبحسب الرئيس التنفيذي لشركة فيرايزون وايرلس (Verizon)، التي تُعتبر واحدة من أهم شركات الاتصال في العالم، الجيل الخامس هو عبارة عن ألياف ضوئية لا سلكية[4].
 

مصاعب في وجه الجيل الخامس

فيزيائيًا، ولكي تعمل شبكات الجيل الخامس فهي بحاجة إلى وجود شبكات ألياف ضوئية مُتقاربة جدًا. السبب في ذلك هو مجال الترددات الذي ترغب مُزوّدات الاتصالات باستخدامه، والذي تتذبذب الإشارة عبره بسرعة كبيرة جدًا في الثانية الواحدة، وهي -أي الإشارة- قادرة على الانتقال مسافة قصيرة جدًا، لكنها في نفس الوقت سهلة الاعتراض، أي أنها يُمكن أن تتأثّر بالماء، أو الأشجار، أو الحائط، أو حتى جسم الإنسان نفسه على اعتباره كتلة مُتحرّكة من السوائل، وبالتالي لا بد من وجود أبراج أو أجهزة لاستقبال الإشارة وإعادة إرسالها مرّة جديدة لتجنّب ضياع البيانات الكبيرة المحمولة عليها.

 

أما من الناحية التقنية، فالطريقة الوحيدة لزيادة حجم البيانات التي يُمكن نقلها عبر شبكات الاتصال هو تغيير طريقة ترميز (Encode) تلك البيانات. في شبكات الجيل الثالث (3G)، والرابع (LTE)، تُستخدم تقنيات لترميز البيانات داخل الموجة الواحدة -أو التي تُقاس بالهيرتز (Hertz)-، وهو أمر مقدور عليه بكل تأكيد. كما أن مُستقبلات الترددات العالية المستخدمة في شبكات الجيل الخامس يمكن أن تكون صغيرة جدًا؛ بحيث يمكن وضع 8 أو 16 مُستقبلا في جهاز واحد؛ بحيث تعمل على هيئة مصفوفة تستقبل المعلومات وتقوم بفك ترميزها لتحويلها إلى بيانات مفهومة.

 

يجب على الشركات أن تعتمد معايير جديدة في هواتفها وأجهزتها، حتى تتمكن من تحقيق الربح من استخدام الجيل الخامس

بيكساباي
 

أين المشاكل إذن؟ المُشكلة في أنّ وجود دارة مؤلّفة من 16 مُستقبلا لهذا النوع من الترددات؛ يتطلب أن تُستخدم تلك الدارة داخل الهواتف الذكية على سبيل المثال لا الحصر، وبالتالي يجب على الشركات أن تعتمد المعايير الجديدة في هواتفها وأجهزتها؛ لكي تستطيع شبكات الاتصال من تحقيق الربح من استخدام الجيل الخامس. وفي ظل عدم وجود معايير حتى هذه اللحظة، لن تُجازف أي شركة بتطوير دارات أو تضمينها ضمن أجهزتها طالما أن مؤسسات مثل اتحاد الاتصالات الدولي أو (3GPP) لم تضع معايير قياسية لتنظيم هذا الجيل.

 

وكمعلومة جانبية، تتضمن مُعظم الأجهزة الذكية مُستقبلات قادرة على التقاط الإشارات التي لا يزيد ترددها عن 6 جيجاهيرتز (GHZ)، في حين أن الجيل الخامس سيعتمد على نطاق ترددي فوق الـ 24 جيجاهيرتز، وبالتالي هناك فرق كبير جدًا في الأطياف ولا يمكن للأجهزة الحالية أن تتوافق مع الجيل القادم بهذه السهولة التي تُروّج لها مُزوّدات الخدمة [5].

 

مؤتمر برشلونة 2017

كانت تقنيات الجيل الخامس الشغل الشاغل لمُعظم الشركات المُشاركة في مؤتمر برشلونة، فشركات مثل نوكيا وسامسونج وإيريكسون وكوالكوم استعرضت نماذجها الخاصّة خلال الحدث الأهم بالنسبة لصنُاع تقنيات الاتصالات حول العالم.

 

سامسونج على سبيل المثال قدّمت موزّع إشارة -راوتر (Router)- للجيل الخامس، وهو ما بدا للبعض أنه وبمجرد الحصول على الجهاز سيصبح في الإمكان استخدام الجيل الخامس في المنزل. لكن ما يجهله البعض أن هذا الموزّع تجريبي -أي تحت الاختبار- للجيل الخامس في المملكة المُتحدة والولايات المُتحدة الأمريكية. كما أنه متوفر بكمية محدودة جدًا للراغبين بتجربته، إذ تنوي الشركة توفيره لخمسمئة شخص فقط [8].

 

آلوك شاه (Alok Shah)، نائب رئيس قسم الشبكات في سامسونج قال إن المعايير القياسية للجيل الخامس قد يتم اعتمادها مع بداية 2018، على أن تكون سنة 2019 موعدًا لبدء اعتماده عالميًا.

 

أما شركة زد تي إي (ZTE) فتحدثت عن أنها ستقوم بعرض أول هاتف ذكي بسرعة تفوق 1 غيغابت في العالم، لكن ما حصل في مؤتمر برشلونة (MWC) هو أن نموذج الشركة لم يكن هاتفًا، بل كان شاشة تعرض تطبيق يقيس سرعة الاتصال بالإنترنت من جهاز آخر. ذلك الجهاز بالأساس يتصل بالإنترنت عبر تجميع أكثر من اتصال (LTE) في نفس الوقت، وهو ما أظهر حزمة البيانات كبيرة على الشاشة [9].

 

بدوره قال نيفيل راي (Neville Ray)، رئيس قسم التقنية في شركة تي-موبيل (T-Mobie) للاتصال: "إن الجيل الخامس ليس جاهزًا حتى الآن، صحيح أنه يتطوّر بسرعة كبيرة، لكنه غير جاهز للاستخدام أبدًا". وأَضاف أنه من الأفضل أن تُركّز الشركات على الاستفادة من الجيل الرابع الحالي الذي ما زال بالإمكان تطويره [10].

ما ورد أعلاه يُمكن تلخيصه بالآتي، كل شيء يبدأ عندما توضع معايير قياسية للجيل الخامس، وطالما أن المعايير غير متوفرة حتى الآن، لن تقوم أي شركة بتطوير دارات لاستقبال هذا النوع من الإشارات، وهذا يعني أننا لن نرى دعمًا للجيل الخامس داخل الأجهزة الذكية.

 


أخيرًا، وبما أن اعتماد الجيل الخامس سوف يكون على الألياف الضوئية، فإن دولاً بحجم الولايات المتحدة الأمريكية لن يكون بمقدورها اعتماده بسهولة تامة. فمزوّد خدمة الاتصال بحاجة للحصول على ما يُعرف بالألياف السوداء (Dark Fiber)، وهي عبارة عن ألياف ممدودة دون استخدامها، أي ألياف فائضة عن الحاجة. هذا النموذج من الألياف أو حتى شبكات الجيل الخامس يُمكن أن يُطبّق في مدن مثل العاصمة اليابانية -مدينة طوكيو- حيث تحتوي على شبكة كاملة من الألياف السوداء [6]، حالها حال العاصمة السويدية ستوكهولم [7].

 

أجهزة استقبال الإشارة يجب أن تكون قريبة جدًا من بعضها البعض مثلما ذكرنا سابقًا، ويجب أن تكون موصولة بدورها بالألياف الضوئية؛ لتحمّل كمية البيانات الكبيرة المنقولة لا سلكيًا، وهذا أمر هام جدًا خصوصًا في الأبنية، فالإشارة لن تكون قادرة على اختراق الجدران، وبالتالي يجب أن يتم توفير حزمة من الألياف الضوئية خاصّة بكل بناء، على أن تتفرع حزمة لكل منزل لضمان نقل بث الإشارة واستقبالها بأفضل جودة مُمكنة.

 

لذا، فدعم الشبكات الحالية للجيل الرابع أمر جيّد جدًا على مستوى السنوات الأربع القادمة، فنحن وحتى عام 2020 تقريبًا، لن نرى استخدامات على أرض الواقع، أو على نطاق واسع -إن صحّ التعبير- للجيل الخامس، وبالتالي هواتفنا وحواسبنا اللوحية الحالية ستدعم جيل الاتصالات الحالي لمدّة ثلاث سنوات على الأقل، ولا يوجد أي داعٍ للانخداع بكلمات التسويق التي تلعب عليها بعض الشركات.

آخر الأخبار