انضم إلينا
اغلاق
كيف تفوّقت أمازون على جوجل وآبل في الابتكارات التقنية؟

كيف تفوّقت أمازون على جوجل وآبل في الابتكارات التقنية؟

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض
عندما يبدأ الحديث عن الشركات التقنية، فإن أول ما نتخيّله هو شركات على شاكلة مايكروسوفت ومؤسسها بيل جيتس أو شركة آبل ومؤسّسيها ستيف جوبز وستيف فوزنياك وهم في مرآب السيّارات في منزل جوبز. كما أن لسامسونج، وجوجل مكانًا بكل تأكيد في هذه المُخيّلة.

 

فرضت تلك الشركات نفسها في الساحة التقنية بفضل المُنتجات التي تعكس هذا الاهتمام والتخصص، لكن شركة أُخرى أبت أن تقف وتتفرّج فقط، بل حرصت أن تكون لاعبًا مُهمًا كذلك، فهي لم تكتفي بجانب واحد، بل ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك.

 

أمازون التي بدأت كمتجر إلكتروني لبيع الكتب، تحوّلت مع مرور الزمن إلى واحدة من أهم الشركات على مُستوى العالم، ليس فقط على هذا الصعيد، بل على الصعيد التقني أيضًا، فهي باتت الآن مرجعًا لتلك الشركات الكبيرة والرائدة التي ذكرناها في الأعلى، بل وتدفعها في بعض الوقت لتقليدها والسير على خُطاها.

 

أمازون باختصار


باستعراض سريع لتاريخ شركة أمازون على الصعيد التقني بترتيب عكسي، نجد أن المُساعد الرقمي المنزلي  أمازون أيكو (Amazon Echo) كان من أبرز المُنتجات التي دخلت السوق به قبل الجميع، تحديدًا في عام 2014. لكن وبعد عامين تقريبًا نجحت في جذب الانظار وبيع كمية كبيرة جدًا من هذه المُساعدات التي أجبرت جوجل، ومايكروسوفت، وآبل -حسب الشائعات- إلى تطوير نماذج لنفس الأجهزة [1].

 

وبالعودة للخلف قليلًا فإن أمازون كانت أول من قدّم فكرة الحواسب اللوحية، ولو بشكل مُبسّط، فهي جمعت بين أهمّية قراءة الكتب والتقنية من خلال قارئ الكتب الإلكترونية كيندل (Kindle)، الذي حاولت من خلاله توفير تجربة فريدة، ونجحت بذلك دون أدنى شك. أما أقدم مُحاولاتها في هذا المجال فكان في حزمتها للتخزين السحابي التي تُعرف اختصارًا بـ (AWS)، وهي حزمة تُقدّم ميّزات فريدة من نوعها، وتعتمد كُبرى الشركات -مثل آبل- عليها في بعض الخدمات كذلك [2].
 

لكن وبعيدًا عن جميع المحاولات والأجهزة السابقة، فإن الشركة أطلقت مؤخرًا اختراعًا فريدًا من نوعه، تقني واستهلاكي في نفس الوقت. أمازون قدّمت متجر امازون جو (Amazon Go) مع نهاية عام 2016، وهو متجر دون موظّفين أو نقاط محاسبة [3]. بكل بساطة ومن أجل الدخول إلى المتجر، يحتاج الزبون إلى فتح التطبيق الموجود على هاتفه ومسح رمز الاستجابة السريع (QR Code) على البوابة لكي تفتح، ومن هنا يبدأ النظام المكوّن من بعض الكاميرات، وأجهزة تحديد الموقع الجغرافي، بالإضافة إلى المُستشعرات فوق البنفسجية، وأجهزة التقاط الصوت -مايكروفون- بتحديد مكان المُستخدم والمُنتج الذي قام الزبون بوضعه في عربة التسوّق. وبعد الانتهاء يمكن للزبون الخروج مباشرة دون الحاجة لفعل أي شيء، إذ سترسل الشركة مجموع الفاتورة على التطبيق لتأكيده وإتمام الدفع دون الحاجة للوقوف والانتظار.

 

باختصار، نجحت أمازون في مجالات تقنية شتّى، بدءًا من متجرها الالكتروني، ومرورًا بالمخازن التي تعمل بتقنيات آلية، وانتهاءً بالمشاريع السابقة التي ذُكرت قبل قليل. وهو ما يؤهّلها للوقوف كند حقيقي أمام تلك الشركات التقنية الكُبرى.

 

جوجل وآبل والنجاح في مضمار واحد فقط
لو نظرنا إلى شركة جوجل ومُنتجاتها الناجحة على غرار بريد جيميل، ومُحرك البحث، ومُستندات جوجل (Google Docs)، بالإضافة إلى موقع يوتيوب ونظام أندرويد نجد أنها بشكل أو بآخر تتمحور حول الخدمات الإلكترونية، أو تطبيقات الويب إن صحّ التعبير.

 

جوجل استحوذت على جزء من تلك المشاريع، وطوّرت بعضها الآخر، لكنها تقبع تحت تصنيف واحد. في حين أنها طوّرت واستحوذت على شركات أُخرى في تصنيفات مُختلفة وفشلت، أو على الأقل لم تُحقق -حتى هذه اللحظة- الانتشار التجاري المطلوب أو المُنتظر.

 


نظّارات جوجل مثال للمشاريع المجنونة التي لم ترى النور حتى بداية 2017. حالها حال الهاتف ذو القطع القابلة للاستبادل (Project Ara) الذي أوقفت الشركة تطويره كذلك [4]. كما لا يجب أن ننسى مشروع سيّارتها الذكية، صحيح أن نماذجًا سارت في الطُرقات، واختُبرت على نطاق واسع وتسبّبت بحوادث مرورية، لكنها حتى هذه اللحظة لم تُثمر تجاريًا، وهو ما دفع أبرز القائمين على المشروع إلى مغادرته على فترات مُتقطّعة، وتأسيس شركة خاصّة في هذا المجال، حالهم حال المسؤول الأول عن المشروع، الذي لحقهم فيما بعد وأسس هو الآخر شركته الناشئة في مجال القيادة الذاتية [5].
 

أخيرًا، يُمكننا الحديث عن شركة نيست، المُتخصصة في تطوير الحسّاسات الإلكترونية، والتي استحوذت جوجل عليها لقاء 3.2 مليار دولار أمريكي تقريبًا دون أن تنجح في الخروج بمنتجات ثورية مثلما توقع الجميع، خصوصًا أن العمل تحت جناح جوجل أمر رائع ويفتح آفاقًا من ناحية التسويق أولًا، والموارد ثانيًا.

 

وبعيدًا عن جوجل ومؤسسيها لاري بيج وسيرجي برين لدينا آبل كمثال آخر. فعلى الصعيد التقني، تبرع آبل في إنتاج أجهزة إلكترونية بتصاميم رائعة وعصرية قادرة على جذب الزبائن إليها، دون تجاهل أو إهمال التفاصيل التقنية والأداء العالي جدًا، والذي تُساهم به أنظمة تشغيل آبل في أجهزتها الذكية.

 

لكن أين آبل خارج هذا المجال؟ فهي عانت لفترة طويلة في إنجاح حزمتها السحابية الخاصّة التي عُرفت أولًا بـ موبايل مي (MobileMe)، لتتحوّل فيما بعد إلى حزمة آي كلاود (iCloud) التي بدأت في 2016 بالصعود والارتقاء. بكل تأكيد لا يُمكن مُطالبة آبل أن تسعى في جميع المجالات، لكنها، مثل جوجل، غير قادرة على التحرّك بالسرعة في غير المجالات التي لا تبرع بها.

 

أين تبرع أمازون؟
لو تناولنا مؤسسي شركة جوجل على سبيل المثال، سنجد أنهم يأتون من خلفية هندسية بحتة، حالهم حال فوزنياك الشريك المؤسس مع جوبز في آبل، وبالتالي فإن نظرتهم للمنتجات أو الأفكار هي هندسية بحتة قبل كل شيء. أما جيف بيزوس، مؤسس شركة أمازون، فهو عمل في بعض الشركات المُتخصصة في المجال المالي بشكل أساسي قبل أن يؤسّس أمازون، وبالتالي تعلّم أن الأفكار والمنتجات تعيش عندما يتم تحويلها لمنتج حقيقي وجس نبض السوق ومُلامسة الزبون النهائي بشكل أو بآخر، فالأفكار داخل المُختبرات ليست مُنتجات، ولن تُطعم الشركة خُبزًا كما يُقال بالعاميّة.

 

بمعنى آخر، جوجل ومثيلاتها تسعى إلى حل المشاكل التقنية الكبيرة أولًا، ثم تحاول تحويلها إلى مُنتجات للربح ماديًا منها، وهو ما يجعلنا نُشاهد الكثير من الأفكار المجنونة ونماذجًا لها كذلك. لكن بعد سنوات قليلة، تُعلن الشركة عن موت المشروع وتوقّف العمل عليه لأسباب كثيرة. أما أمازون، فهي تسير مثل الشركات الناشئة التي حققت نجاحًا باهرًا في السنوات الأخيرة. فلو سألت أي رائد أعمال أو صاحب مشاريع عن تحويل فكرتك إلى حقيقة، فإن أول نصيحة سيقولها لك هي تحديد النموذج الربحي قبل أي شيء آخر، وهو ما تقوم به أمازون في جميع مشاريعها الجديدة.
 

أما من الناحية الإدارية، فجميع تلك الشركات كبيرة جدًا، لكن أمازون ميّزت نفسها ولم تقع في فخ جوجل، وآبل، وغيرهما الكثير من الشركات الكبيرة التي نجحت البيروقراطية في التغلغل إليها، دون نيسان الروتين وتلك الأمور التي تقتل الإبداع بسهولة كبيرة.

 


في أمازون، وبحسب بعض المصادر الداخلية، فإن المُهندس لو جاءت بباله فكرة يقوم بعرضها مُباشرة على بعض المسؤولين في الشركة ليقوموا بنقلها كما هي لبيزوس ليصدر القرار النهائي بالسرعة القصوى. وما أن يحصل المهندس على الموافقة حتى يبدأ بالعمل عليها مُباشرة بفريق صغير جدًا، فالشركة وعملياتها شيء، والأفكار الجديدة شيء منفصل تمامًا. بيزوس معروف بقاعدة "فريق طبقي البيتزا" (Two-Pizza Team)، أي أن عدد أعضاء فريق العمل على الفكرة الواحدة يجب ألا يكون كبيرًا، بحيث يُمكن أن يشبع إذا ما قُدّم له طبقين من البيتزا فقط [6].

 

تسعى أمازون كذلك إلى عدم إضاعة الكثير من الوقت في الدراسة والتحليل والتخطيط، فالفريق يبدأ بالعمل مُباشرةً للخروج بمنتج يُمثّل الفكرة الأساسية، وإذا ما نجح الفريق بذلك، فإن الشركة تقوم بعدها بتوفير موارد أكبر له لتطوير الفكرة بسرعة وإطلاقها، ثم الترويج له لرصد ردود الأفعال والتعلّم من الأخطاء، ومعرفة فيما إذا كان المُنتج يُلامس حاجات المُستخدمين بالفعل.

 

هذه العقلية لا تنجح دائمًا بكل تأكيد، لكنها كفيلة بتسريع عجلة الفشل، فعوضًا عن تطوير المنتج ودراسة جميع الاحتمالات، وتكرار سؤال ماذا لو، وإضافة ميّزات جديدة للمنتج، يتم طرح الفكرة أولًا، ثم تحويلها إلى منتج حقيقي إن أمكن لرصد كل شيء على أرض الواقع. وكمثال على هذا الأمر لدينا هاتف (Fire Phone) الذي فشل فشلًا ذريعًا، لكن الشركة قدّمت أفكار جديدة ولمست ردود الأفعال وتعلّمت من الدرس دون خجل، فالكل مُعرّض لمثل هذه الأمور.
 

بيزوس نجح في تحويل أمازون إلى وحدات داخلية، بحيث تعمل كل وحدة بصورة مُنفصلة عن الأُخرى، وتستخدم الأدوات ونموذج العمل الذي يناسبها هي، صحيح أن هذا الأمر يعني التشتت داخل الشركة، لكنه كفيل بدفع عجلة الابتكار على غرار الشركات الناشئة التي تنجح لأنها بدأت بفريق عمل صغير وبسيط.

 

هل جوبز، أو بيج وبرين، أو جيتس عاجزين عن النجاح إداريًا؟



مع تغلغل مفهوم الشركات الناشئة ووثوق المُستثمرين بهذا النموذج من الشركات، بدأت الكثير من الأسماء بالخروج من شركات كبيرة جدًا، وهذا لم يأتي من فراغ، لأن الشركات الكبيرة تحوّلت بالفعل لنماذج روتينية مُملّة تقف في طريق الإبداع في معظم الأوقات. فإذا لم ينجح الموظّف بالوصول إلى رئيسه في العمل وعرض فكرته وخلق نفس الحماس حولها، لا يُمكن -على الأغلب- تحويل تلك الفكرة إلى حقيقة، وبالتالي يجد الموظّف نفسه مُضطرًا للخروج من الشركة وتأسيس شركته الخاصّة، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ القائمين مثلًا على تطوير مُساعد سيري في آبل، تركوها وأسّسوا شركة ناشئة حملت اسم Viv [7]، وهو مُساعد رقمي جديد أكثر تطوّرًا من سيري، لكن وعلى ما يبدو تعارضت مصالح الفريق مع مصالح آبل، وبالتالي رحلوا وكسبوا ود سامسونج فيما بعد.

 

وبحسب بعض المصادر من داخل جوجل، فإن الشركة تُركّز على استخدام أدوات مُحدّدة لتطوير المشاريع، وتحرص كذلك على تدريب الوافدين الجدد على استخدامها. تلك الأدوات مُميّزة ومفيدة للراغبين بتطوير مشاريع مُتعلّقة بالويب، لكنها لن تصلح لما هو غير ذلك، وهو ما يُفسّر تعثّر بعض المشاريع التي تُصنّف خارج هذا المجال، مع نجاح أمازون بنموذجها القائم على الوحدات التي تستخدم الأدوات التي تجدها مُناسبة فقط [8].

 

أمازون جاهزة للتحدي المُستقبلي
نجحت أمازون في نبذ الروتين الذي يطال الشركات الكُبرى، وحافظت على نفسها كشركة ناشئة، أو حافظت على التفكير بعقيلة الشركات الناشئة، وهو ما ساعدها في النجاح بأكثر من مجال واحد في نفس الوقت، وهو ما سيسمح لها بكل تأكيد في المنافسة في عصر الشركات الناشئة والتنفيذ السريع للأفكار خلال المرحلة القادمة.

 

مُعظم الشركات التقنية الكبيرة في الوقت الراهن بدأ نجاحها في الفترة ما بعد الألفية الجديدة، وهي فترة انفجار الإنترنت وخدماته. فيسبوك أو جوجل على سبيل المثال أمثلة على تلك الشركات التي تحوّلت من لا شيء، إلى شركات بقيمة تتجاوز المليارات، لماذا؟ لأن توسعة القدرة الاستيعابية لشبكة فيسبوك على سبيل المثال يُمكن أن يتم عبر الاستعانة بالمزيد من الخوادم فقط، ولا يحتاج للكثير من الجهود الجبّارة.

 

لكن التوجّهات التقنية القادمة تتمحوّر حول التقنية الملموسة، الآلية أو ذاتية القيادة بالأخص، فتطوير نظام للسيّارات للقيادة الآلية يعني تطوير النظام أولًا، والمُستشعرات ثانيًا، إضافة إلى نظام الملاحة والتواصل مع المُنتجات الأُخرى، دون نسيان تطوير المعايير القياسية والتشريعات القانونية كذلك. أمازون وجوجل على سبيل المثال وجهًا لوجه في هذا التوجّه، وتحديدًا في تطوير تقنيات للتوصيل الآلي باستخدام طائرات دون طيّار. فلتحويل هذا الحلم إلى الحقيقة يجب معالجة أكثر من مُشكلة في نفس الوقت، وهو ما تقوم به أمازون بسرعة أكبر من جوجل، فهي بدأت باختبار هذه التقنيات قبل جوجل بفترة طويلة تقريبًا [9].

 


هذا لا يعني الانتقاص من قدر ومكانة الإبداع في آبل ومايكروسوفت، أو جوجل وسامسونج، فجميعها شركات يُمكن تدريس أساليبها في العمل واتّباعها كذلك لتحقيق النجاح. لكن نموذج تفوّق الشركات الصغيّرة ونجاحها في جذب رؤوس الأموال الكبيرة بمجرد حلّها لمشكلة تقنية أو تقديم تطبيق مُميّز يجب ألا يُهمل أبدًا. صحيح أن الشركات الكُبرى قد تكون واحدة من الأسماء الكبيرة وتستحوذ على تلك الناشئة، لكن مصيرها قد يكون الفشل إن لم تُغيّر من عقليّتها.

 

جوجل في 2015 قامت بإعادة هيكلة، لتُصبح ألفابت (Alphabet) هي الشركة الأُم لشركة جوجل، أي أن جوجل تعمل تحت جناح ألفابت. وبالتالي، ومع مرور الوقت قد نرى بالفعل تغييرًا في هيكلة ألفابت ومشاريعها الجديدة، التي قد تتحول لنموذج الشركات الناشئة المُتّبع ليس في أمازون فقط، بل في فيسبوك التي نجحت في استغلال هذا النموذج بأفضل صورة مُمكنة من خلال تقديم تطبيقات جديدة، وتحويل أفكار مجنونة إلى مُنتجات واقعية تُحسّن حياة المُستخدمين.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار