انضم إلينا
اغلاق
بيل غيتس.. عبقري البرمجة الذي يتصدر أثرياء العالم

بيل غيتس.. عبقري البرمجة الذي يتصدر أثرياء العالم

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض
إن كُنت من مُطوّري التطبيقات والبرامج الذين يتقاضون مُقابلاً مادّياً لقاء هذا العمل فإن الفضل في هذا يعود لشخص واحد، أما إن كُنت من كارهي نموذج ترخيص البرامج والحاجة لدفع مبالغ عالية من أجل الحصول عليها، فاللوم كُلّه يقع على عاتق نفس الشخص الذي نجح بدوره في تغيير شكل الحواسب وتحديدًا أنظمة تشغيلها.

 

بيل غيتس مؤسّس شركة مايكروسوفت اُختير لسنوات طويلة كأغنى رجل في العالم، دون نسيان مُساهماته الكبيرة في عالم الحواسب وتحديدًا نظام ويندوز، النظام الأكثر استخدامًا في عالم الحواسب المكتبية والمحمولة.

 

لكن غيتس لم يجمع ثروته من فراغ ففي حكايته ما تزال تُكتب الكثير من التفاصيل حتى يومنا الحالي، صحيح أن المجالات اختلفت لكن الهدف واحد ويتمثّل في تغيير حياة البشر للأفضل.

 

مُبرمج منذ سن 13

تعلّم غيتس بنفسه لغة بيزك (BASIC) وبدأ بكتابة برامج مُختلفة على حاسب المدرسة ونشر وقتها لعبة "تيك تاك تو" الشهيرة التي تسمح للمُستخدم باللعب ضد الحاسب

مواقع التواصل

لم يكن غيتس عاديًا أبدًا فقد كان مُشاكسًا بدرجة كبيرة داخل المنزل وكان يعشق القراءة كذلك، حتى أن والداه منعاه من جلب الكتب معه إلى مائدة الطعام، وهي عادة حرص عليها لفترة طويلة من شدّة تعلّقه بهذا الأمر [1]، لكن مسار حياة غيتس تغير بعدما وضع يداه للمرّة الأولى على حاسب شركة "جنرال إلكتريك" الذي توفّر بكميّات محدودة وقتها، ونجحت المدرسة التي ارتادها في ذلك الوقت بالحصول عليه.

 

تعلّم غيتس بنفسه لغة بيزك (BASIC) وبدأ بكتابة برامج مُختلفة على حاسب المدرسة ونشر وقتها لعبة "تيك تاك تو" الشهيرة التي تسمح للمُستخدم باللعب ضد الحاسب، لكن استخدام الحاسب لم يكن مجانياً في تلك الفترة وبالتالي كانت فترة استخدامه للحاسب محدودة ومُقيّدة بوقت.

 

لم يعجب ذلك غيتس ومن هُنا قرّر الاستفادة من خبراته وقام باختراق نظام الحاسب وتعديل أوقات استخدامه له، وهو ما سمح له بالجلوس لفترة أطول دون أن يدفع مزيدًا من النقود، لكن ما أن علمت المدرسة بذلك حتى منعته من الدخول.

 

وبعد انتهاء فترة المنع رأت المدرسة أن غيتس يمتلك مهارات مُختلفة، ولهذا السبب يجب الاستفادة منها وبالتالي قدّمت له فرصة للعودة واستخدام الحواسب شريطة أن يقوم باكتشاف الثغرات الموجودة بداخل نظام التشغيل مع إغلاقها، وهو أمر استغلّه غيتس وقام وقتها بقراءة الشيفرة المصدرية للكثير من البرامج المكتوبة بلغات برمجة مُختلفة موسّعًا مداركه بشكل كبير في هذا المجال.

 

عادت الروح المُشاكسة من جديد لغيتس عندما طلبت منه مدرسته برمجة نظام لإنشاء جداول الطلاب وتنظيمهم بداخل الفصول الدراسية، لكنه عندما انتهى من برمجة المطلوب منه قام بتعديل النظام للتعرّف على الصفوف التي تحتوي على نسبة أكبر من الإناث لوضع اسمه فيها، وبعد أن تخرّج من المدرسة الثانوية أيقن أن الحواسب هي كل شيء بالنسبة له [2].

 

الولد سِر أبيه
قرر بيل غيتس ترك الدراسة في سنته الدراسية الثانية ليبدأ إنشاء شركته الخاصة، ودعم والداه هذا القرار (رويترز)


كان والد غيتس يعمل في مجال المُحاماة ولهذا السبب رُسم مُستقبله على أنه مُحامي مثل والده تمامًا، وبعد أن تقدّم لاختبار سات (SAT) الخاص بالقبول الجامعي في الولايات المُتحدة الأميركية نجح في الحصول على 1590 من أصل 1600 نقطة، وقام بالتسجيل في برنامج التحضير لدراسات القانون.

 

ارتاد غيتس بعض الصفوف الخاصّة بالرياضيات وعلوم الحاسب ونجح في كتابة خوارزميات ما زالت تُعتبر من الحلول المُثلى حتى يومنا الحالي، وهو ما دفعه للتعلّق أكثر وأكثر في هذا العالم، ليُقرّر في سنته الدراسية الثانية أن يترك الجامعة ويبدأ شركته الخاصّة في مجال البرمجيات.

 

دَعَم والداه هذا القرار بعدما شاهدوا الكثير من النتائج أمام أعينهم، دون نسيان أن عودته للجامعة كانت مُمكنة في أي وقت إذا ما فشلت مايكروسوفت.

 

تظاهر بما لا تملك

إذا كُنت تعتبر ستيف جوبز بارعًا في التسويق للمنتجات وتحويلها إلى حاجة وضرورة عند الزبائن فيجب أن تُعيد النظر في هذا الأمر مع وجود غيتس.

حاسب "ألتير 8800" ، والمصنّع عام 1975 (مواقع التواصل)


خطف حاسب ألتير 8800 (Altair 8800)، الذي يعتمد على مُعالج 8080 من شركة إنتل، قلب غيتس وهو الأمر الذي دفعه للاتصال بالشركة المسؤولة عن إنتاجه وسؤالها عن اهتمامها بالحصول على نظام تشغيل مبني بواسطة لغة بيزك.

 

الإجابة من قبل صاحب الشركة كانت نعم "نحن بحاجة هذا الأمر ونرغب برؤية نسخة تجريبية منه"، لكن الطامّة الكُبرى كانت أن غيتس لم يمتلك هذا النظام، بل كان الأمر برمّته مُجرّد اختبار لمعرفة تطلّعات الشركة والشواغر الموجودة في السوق، ومع ذلك لم يستسلم للواقع، فجلس هو ورفيقه باول آلين -شريكه في تأسيس مايكروسوفت- وقاما ببرمجة نظام تشغيل لاستعراضه لاحقًا أمام شركة "إم آي تي إس" (MITS) المُطوّرة لحاسب ألتير 8800 [3].

 

هذا النجاح كان السبب الرئيسي وراء إنشاء مايكروسوفت التي حملت وقتها العلامة التجارية (Micro-Soft) قبل أن تتحوّل إلى (Microsoft) حتى يومنا الحالي، وهنا يجب التنويه إلى أن هذه الأحداث كانت في عام 1976 تقريبًا.

 

بعدها تقدّمت آي بي إم (IBM) التي كانت تُعتبر من أكبر الشركات المُصنّعة للحواسب، لطلب ود مايكروسوفت والحصول على نظام تشغيل خاص، وكالعادة لم يمتلك غيتس أي شيء وقتها لكنه وعدهم بوجود النظام وقام بالحصول على 86-دوس (86-Dos)، وهو نظام من تطوير شركة سياتل كومبيوتر بروداكتس، لكن غيتس قام بالحصول على حقوقه الحصرية وطوّره فيما بعد قبل أن ينجح في الخروج بنظام ويندوز [4].

 

كانت الفترة الأولى في حياة غيتس المهنية مليئة بالعمل، فقد عمل 16 ساعة يوميًا وأشرف بنفسه على قراءة كل أمر برمجي موجود بداخل النظام، واستمرّ على هذا الحال قُرابة الخمس سنوات قبل أن يبدأ بالتفرّغ للأمور الإدارية بشكل أكبر.

 

شخصيّته القيادية
 بيل غيتس 1998 (رويترز)


يتشارك غيتس مع جوبز كذلك في الشخصية القيادية المُتعجرفة، حيث أكّد الكثير من العاملين في مايكروسوفت أن ردوده أثناء الاجتماعات كانت قاتلة، ودائمًا ما كان يسخر من الأفكار الغبية مع كره الكبير للتأجيل والتأخير في إنجاز المهام المطلوبة.

 

وفي قضية الشركة الشهيرة ضد الحكومة الأميركية بعد اتهام مايكروسوفت بالاحتكار، ذكر الكثير من الحضور أن غيتس كان مُستفزًا ومُضحكًا في نفس الوقت أثناء استجوابه، فقد كان يتهرّب من الإجابة على أسئلة القاضي بجملة "لا أذكر تمامًا"، كما كان يُراوغ الأسئلة بأسئلة؛ أي عندما يقول القاضي كلمات مثل "مُنافسة" أو "نحن" كان غيتس يسأله عمّا يقصده من تلك الكلمات، دافعًا إياه للحديث أكثر وبالتالي التشتّت عن النقطة الرئيسية.

الأخوة الأعداء
صورة قديمة تجمع بيل غيتس وتيسف جوبز (مواقع التواصل)


هناك حقيقة يعترف بها العالم التقني وهي أنه لولا آبل لما وجدت مايكروسوفت، ولولا مايكروسوفت لما وجدت آبل، فهناك علاقة بين الشركتين المتنافستين بشكل يومي على جميع الأصعدة، وعلاقة بين المؤسسين -غيتس وجوبز- لا يُمكن أن تكون طبيعية أبدًا.

 

عمل غيتس وجوبز معًا لفترات طويلة جدًا، ففي السنوات الأولى لآبل طوّرت مايكروسوفت برامج لحاسب آبل "II"، كما كان غيتس دائم الزيارات لمقر آبل الرسمي للاجتماع مع جوبز وتبادل وجهات النظر التقنية.

 

لكن العلاقة بدأت بالاحتدام بين الاثنين عندما سافر جوبز للقاء غيتس ليطلب منه تطوير برامج حواسب آبل، لكن غيتس وصف ذلك اللقاء بأنه مُراوغ بل واستخدام جوبز فيه حنكته التسويقية، فقد دخل بمبدأ أننا لسنا بحاجة لمايكروسوفت، ولسنا سعيدين بهذا التعاون كذلك لكننا نرغب بأن تكون مايكروسوفت معنا.

 

خلال نفس الفترة -بداية ثمانينات القرن الماضي- اجتمع جوبز وغيتس في أكثر من حدث ومؤتمر تقني، ودائمًا ما كان التوتّر حاضرًا بينهما بغض النظر عن فكرة أن العاملين على تطوير برامج حواسب آبل في مايكروسوفت كانوا أكثر من عدد العاملين في آبل نفسها في هذا المجال.

 

انهار كُل شيء عندما كشفت مايكروسوفت عن النسخة الأولية من نظام ويندوز عام 1985 المبني باستخدام الواجهات الرسومية (GUI)، وكان ذلك بعدما طوّرت آبل نظام تشغيلها بنفس الفكرة.

عادت علاقة ستيف وبيل إلى سابق عهدها مع حلول 1997، فغيتس ساعد آبل في الخروج من أزمتها المالية، وهو ما دفع جوبز لشكره في مؤتمر ماك ورلد

مواقع التواصل

لم يتوانى جوبز منذ ذلك الوقت عن نعت غيتس بالسارق لأنه كان يزور آبل باستمرار ويطّلع على آخر ما وصلت إليه، لكن غيتس لم يكترث ليس بسبب شخصيته المُتعجرفة، بل لأنه لا يعتبر الأمر سرقة بل لخّصه بالإجابة التالية "أعتقد أن موضوع السرقة بإمكاننا النظر إليه بطريقة أُخرى، مايكروسوفت وآبل حظيّتا بجار ثري وهو شركة زيروكس (Xerox)، وأنا دخلت لأسرق التلفاز لأفاجئ أنك سرقته قبلي". 


ما أشار إليه غيتس هنا هو أن جوبز أخذ فكرة الواجهات الرسومية من شركة زيروكس، وبالتالي فإن آبل ليست من ابتكر الأمر، ولا توجد سرقة من قبل مايكروسوفت في هذه الحالة.

 

تراشق الطرفان الكلام مرارًا وتكرارًا فالأول وصف الثاني بعدم الخجل، ليرد الثاني بنفس الكلام أو بعدم الاهتمام، لكن غيتس صعّد من تصريحاته فيما بعد واعتبر أن جوبز لا يفهم شيئًا في الهندسة، وهو مُجرّد مُسوّق بارع لا أكثر ولا أقل.

ولم يقف الخلاف عند هذا الحد بل ذهب غيتس للرئيس التنفيذي لشركة آبل في ذلك الوقت -جيل آميليو- ناصحًا إياه بعدم شراء شركة نيكست (NeXT) التي أنشأها جوبز بعد خروجه من آبل لتطوير نظام تشغيل للحواسب، إذ قال وقتها إن نظام تشغيله مبني على يونيكس (UNIX) ولن يعمل على أجهزة الشركة أبدًا لأن جوبز لا يفقه شيء في الأمور التقنية.

 

عادت المياه لمجاريها فيما بعد مع حلول 1997 بين جوبز وغيتس أو بين مايكروسوفت وآبل، فغيتس ساعد آبل في الخروج من أزمتها المالية، وهو ما دفع جوبز لشكره في مؤتمر ماك ورلد [5].

 

حياة الثراء
لأن الثراء ليس كُل شيء في حياة غيتس، فقد سعى إلى إنشاء مؤسّسة خيرية تعنى بتطوير الدول والمناطق النائية، إضافة إلى التعليم والرعاية الصحّية كذلك (وكالة الأنباء الأوروبية)

تصل ثروة غيتس إلى 85 مليار دولار أميركي تقريبًا، مُحتلًّا بذلك المرتبة الأولى على صعيد الولايات المُتحدة الأميركية في 2017، كما يُعتبر من أبرز الشخصيات ذاتية التكوين التي نجحت في الوصول إلى هذا النجاح بجهد شخصي.

 

وعلى الرغم من خروجه تمامًا من مايكروسوفت منذ 2014، إلا أن ثروته ما تزال تنمو مع مرور الوقت بفضل شركته الاستثمارية "كاسكيد إنفستمن" التي تستثمر في شركات مُختلفة مثل "كوربيس كورب" المُتخصّصة في مجال المحتوى الرقمي، إضافة إلى استثمارات في سلسلة فنادق "فور سيزونس".

 

ولأن الثراء ليس كُل شيء في حياة غيتس، فقد سعى إلى إنشاء مؤسّسة خيرية تعنى بتطوير الدول والمناطق النائية، إضافة إلى التعليم والرعاية الصحّية كذلك، وهي أمور يُشرف عليها غيتس بنفسه [6].

 

لا شيء مُطلق

قدّم غيتس درسًا آخر بعيدًا عن النجاح والفشل يتمثّل في اتّباع الشغف قبل كل شيء

رويترز

قد تبدو حياة غيتس بسيطة جدًا أو سهلة إن صحّ التعبير، لكن الواقع ليس كذلك أبدًا بسبب المُنافسة العالية في البدايات التي استطاع تخطّيها بإصراره على النجاح، فقد قدّم غيتس على سبيل المثال مُتصفّح إنترنت إكسبلورر في نظام ويندوز، وهو مُتصفّح فشل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكنه نجح في حصد حصّة لا بأس بها لأنه مُثبّت بشكل افتراضي مع نظام ويندوز.

 

إضافة إلى ذلك فشل غيتس في سوق مُحرّكات البحث لصالح شركة غوغل، فهو قدّم مُحرّك "إم إس إن لايف"، متبوعًا بمُحرّك "بينج" (Bing) الذي ما زال يشق طريقه بصعوبة بالغة، وهذا يعكس أن العلاقة بين غيتس ومايكروسوفت لم تكن النجاح بشكل دائم.

 

قدّم غيتس درسًا آخر بعيدًا عن النجاح والفشل يتمثّل في اتّباع الشغف قبل كل شيء، فهو لم يمتلك نظام تشغيل، لكنه ادّعى ذلك ونجح في كسب ود شركة "إم آي تي إس" التي كانت سببًا رئيسيًا في رؤية مايكروسوفت للنور، كما كرر نفس الأمر مع "آي بي إم" ليُبرهن أن اعتماد الفرد على نفسه وعلى فريق عمله أمر قد يُقدّم للعالم شركة كبيرة، أو ليست كبيرة فحسب بل أكبر شركة برمجيات على صعيد العالم.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار