انضم إلينا
اغلاق
كيف تضبط كاذبا على الإنترنت؟

كيف تضبط كاذبا على الإنترنت؟

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض

مقدمة المترجم
أصبح تزوير الحقائق اليوم أسهل من أي يوم مضى بفضل التكنولوجيا، لكن كشفه صار أسهل كذلك. منشورات فيسبوك وتغريدات تويتر والمقالات الإخبارية ومقاطع الفيديو حولك في كل مكان، لم يكن نشر الشائعات ممكنا في أي زمن كما هو الآن، ضغطة زر واحدة، وتبدأ العجلة في الدوران. لكن لا تخف، فهذا التطور التكنولوجي نفسه هو ما يقوم بدور جهاز كشف الكذب أيضا.  

 

نص المادة
بدأت المشكلة، كما تبدأ دائما، مع برنامج المسابقات "ذا برايس إز رايت". ففي عام 2009، ظهرت ساعية البريد كاثي رينش كاشويل في البرنامج، ورفعت ذراعيها، لتمسك العجلة الدوارة، وتديرها بقوة. إليك المشكلة: في عام 2004، رفعت كاشويل دعوى للحصول على أحد تعويضات العمال، بزعم إصابتها أثناء العمل. لتقدم بعدها مستندات تثبت أن الإصابة جعلتها عاجزة عن القيام بمهامها الوظيفية (بما فيها: الوقوف، والجلوس، والسير، والانحناء، والركوع، والتسلق، والإمساك بالأشياء، وقيادة السيارة).

 

لكن العجلة الدائرة بجوارها تشير إلى عكس ذلك، كذلك صورها وهي تتدلى مع زوجها من حبل على ارتفاع كيلومترات من الأرض خلال كرنفال في عام 2010، وهي الصور التي نشرتها على الفيسبوك لاحقا. عام 2012 اتُّهمت كاشويل بالاحتيال بغرض الحصول على تعويض أمام محكمة فيدرالية بولاية كارولاينا الشمالية، وأصدرت المحكمة حكما بإدانتها في يونيو الماضي. إن كذبت كاشويل فصورها لم تكذب.

 

 
يمارس أغلبنا الكذب بانتظام مذهل. فوفق مسح أجري عام 2011، يمارس الأميركيون الكذب بمتوسط 1.65 مرة يوميا. لكن الأميركيين -أو البشر عموما- ليسوا وحدهم من يلجأ إلى الخداع: توصلت دراسات حديثة على 24 من أنواع الرئيسيات إلى أن الكذب يجري بين أفرادها بشكل منتظم. ويرجح الباحثون أن السلوك الخداعي لعب دورا في تحقيق التعاون الاجتماعي مما قادنا إلى الازدهار.

 

سواءً كنت داروينيًّا أم لا، فلنعترف أن خداعنا يشهد حاليا نقلة رقمية لا خلاف فيها. توصلت دراسة قادها الأستاذ الجامعي جيف هانكوك -الذي أجرى بحوثا واسعة النطاق على آليات الغش- إلى أن واحدة من كل عشر رسائل نصية تتضمن كذبة من نوع ما. ووفقا لمسح أجرته مؤسسة تقارير المستهلكين الأميركية، اعترف واحد من بين كل أربعة أشخاص بتسجيل معلومات كاذبة على موقع فيسبوك. كما وجدت دراسة عن المواعدة الإلكترونية، أن 81% من المُشاركين في هذه المواقع يبالغون عند تسجيل سماتهم على صفحاتهم الخاصة.

 

توفر مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل الاتصال الرقمي -بطريقة أو بأخرى- بيئة مثالية المبالغة في سرد الحقائق. يقول هانكوك إننا نجد سهولة أكبر في الكذب ونحن بعيدون عمّن نتفاعل معهم. كذلك يميل الناس إلى الإكثار من الكذب خلال التعاملات التي تجري في الزمن الآني، لذا تزداد احتمالية ممارستنا الغش عبر الهاتف، أو برامج الرسائل الفورية، مقارنة بحالنا مع الخطابات قديمة الطراز.

 

لكن يلزمنا إلى جانب هذه النتائج توضيح نقطتين. أولا، قد يكون التكميم الدقيق للكذب عملا عسيرا، نظرا إلى صعوبة إقناع الناس بالتزام الصدق خلال حديثهم عن أكاذيبهم. ثانيا، وهو الأهم، الكذب الذي نمارسه عامة ليس كذبا صريحا يسهل فضحه: ذلك أن حصتنا اليومية من الغش تتضمن أكاذيب تكون بغرض تجنب نقاشات لا طائل منها، من قبيل "أنا بخير"، وكذبات لتسيير المعاملات اليومية "سأصل هناك قريبا"، وكذبات للمجاملة "بالطبع لا تبدين سمينة في هذا الثوب". وجدت الدراسة الخاصة برواد مواقع المواعدة الإلكترونية أن كثيرا منهم يبالغون في سرد الحقائق بطرق بسيطة، حيث يغالون -أو يقللون- في السن أو الطول أو الوزن (وهي تحريفات افتُضحت عندما وزن الباحثون المشاركين وقاسوا أطوالهم في المختبر). وأفادت نيكول إليسون، إحدى المشرفات على هذه الدراسة إنه "رغم الحضور الهائل لهذه الأكاذيب، إلا أن الفروق كانت هينة جدا".

 

يبدو أن ذلك صحيح أيضا خارج عالم المواعدة، سواء كان إلكترونيا أم واقعيا. يقول عالم الاقتصاد السلوكي دان آريلي، مؤلف كتاب "الحقيقة الصادقة بخصوص عدم الصدق: كيف نكذب على كل من حولنا"، لا سيما أنفسنا، إن " لدى الجميع قابلية للخداع، ويمارس كل شخص -تقريبا- الغش" لكن "على نطاق صغير".

 

 
لكن ما نناقشه الآن هو ظاهرة فريدة من نوعها تخص هذه الحقبة التكنولوجية: فجأة، وجد نزوعُنا إلى سرد كثير من الأكاذيب الصغيرة طرقا عديدة للتحقق في أرض الواقع. حيث يوفر العالم الرقمي مجموعة مذهلة من أساليب الخداع، تتراوح بين رسالة نصية مفادها "حبستني مهام الوظيفة العالقة في المكتب" (سبب التأخير: موقع يوتيوب)، والبريد الإلكتروني "اللعنة على صندوق بريد الرسائل المشبوهة" (سبب عدم الرد: النسيان)، ومنشور فيسبوك "نحن نحتفل!" (مكان الاحتفال: الأريكة). ربما تكذب القردة على بني جنسها، لكن الإنسان هو من برع في استحداث طرق لجعل هذه الأكاذيب أكثر وفرة وتنوّعا وخطورة بمعدل 1.65 مرة يوميا.

 

إنما هاكم الأخبار الجيدة. إذ يرجح البحث أن فرص الغش المتزايدة التي خلقناها تعادلها زيادة مقابلة في فرص افتضاح الأكاذيب. ولتسل فتاة الكرنفال المتحمسة "كاثي رينش كاشويل"، أو نجم كرة القدم بالجامعة "مانتي تيو" الذي اتضح مؤخرا -عبر مواقع التواصل الاجتماعي- أن صديقته المصابة بالسرطان لم تكن سوى خدعة متقنة. أو سل كثيرا من طلاب المدارس العليا الذين افتُضحت أعمالهم المزيفة عبر برامج كشف الانتحالات، والذين كُشِف غشُّهم عبر إجراء تحليل بيانات لنتائج الاختبارات. أو سل "ديفيد بترايوس" الذي انتشرت أخبار علاقته الجنسية بكاتبة سيرته، وكان أحد أسباب ذلك هو البيانات الوصفية للبَريد الإلكتروني.

 

إن كان بالإمكان كشف كذب مدير وكالة الاستخبارات المركزية نفسه، فذلك ممكن في حالة أي شخص آخر. إذ أن اتصالاتنا تترك خلفها اليوم آثارا أكثر من أي يوم مضى. حيث تخلف جداول فيسبوك الزمنية ومراسلات البريد الإلكتروني وسجلات الهاتف المحمول أرشيفا تفصيليا لحياتنا، سواء تخيلناه "عوادم رقمية" مثلما يطلق عليه مُنظِّرو التكنولوجيا، أو علفا للأخ الكبير الرقمي مثلما كان جورج أورويل ليطلق عليه.

 

يعني ذلك أن ما ندّعيه عن أنفسنا، الجليل منه والحقير، يمكن مقارنته بالواقع لقياس صدقه، أكثر من أي وقت مضى. يعطلك الزحام المروري؟ لكن هذه الخريطة التفاعلية تقول غير ذلك. لم يصلك البريد مطلقا؟ لكن إشعار الاستلام هذا يثبت العكس. أنت في الخامسة والعشرين من عمرك؟ كان هذا صحيحا -طبقا لبحث غوغل- قبل خمس سنوات!

 

 
كثيرا ما ينسب إلى أبراهام لينكولن، أشد الصادقين شهرة، عبارة "لا يملك أي شخص ذاكرة جيدة كفاية ليصبح كاذبًا ناجحا". إلا أن الذاكرة الجمعية هي التي تفضح الكاذب. تقل ممارسة الناس للكذب عبر البريد الإلكتروني مقارنة باللقاء الشخصي، وترجح الدراسات التي أجراها هانكوك أن سبب ذلك هو ديمومة الرسالة الرقمية مقارنة بالحديث العابر، رغم حضور عنصر البعد المكاني في حالة الرسالة الرقمية.

 

كذلك وجدت دراسة أخرى لهانكوك أن السير الذاتية المنشورة على موقع لينكد إن تحوي أكاذيبا أقل من مثيلاتها المطبوعة. فمجرّد إدراك المرء أن مجموعة ضخمة وغير محددة من الأشخاص سوف تتطلع على زعمه قد يدفعه إلى الصدق. هكذا تلعب الشبكة الإلكترونية دور جهاز كشف الكذب في بعض الأحيان. إنها نقطة أساسية. سواء كنا نتواصل باستخدام ألواح صلصال أو أسلاك تلغراف أو خطوط ألياف ضوئية، سيظل خداعنا في صراع مع حقيقة رئيسية لا علاقة لها بالتكنولوجيا، بل بالمجتمع: نحن نريد كسب ثقة الآخرين. ربما نكذب أحيانا، لكننا لا نريد للآخر أن يرانا كذلك.

 

طلب مسح كلاسيكي من المشاركين ترتيب 555 من السمات الشخصية المختلفة حسب الرغبة فيها. فجاءت "كاذب" في قعر القائمة، بعد 555 سمة. في نهاية الأمر، يظل الآخرون هم القوة التي تبقينا أمناء، أكثر من أي تكنولوجيا ممكنة. كان من بين المدخلات المبهجة في حوليات الأبحاث التي تعالج مسألة الغش، هو أن مقدار الاقتراب من العيون (حتى صور العيون، المعلقة على الجدران) يشجع على ما يطلق عليه الباحثون "السلوك المعياري"، وهو الأمانة في هذه الحالة.

 

لو أن في مسارنا الرقمي أمرا واحدا مؤكدا، فهو أننا سنزداد تواصلا مع بشر آخرين خلال الشهور والأعوام القادمة. وسيجري توثيق هذا التواصل بصورة جيدة وكفاءة متزايدة. أشار هانكوك إلى أن ابنته "ستنشأ في عالم لا يسجل كثيرا مما تقوله فقط، بل كثيرا مما تفعله أيضا". ذلك أن التكنولوجيا التي غيرت رؤيتنا للخصوصية، ستغير كذلك رؤيتنا للأمانة لا محالة. سوف تسلط مزيد من الأنظار علينا. سيعرفنا مزيد من الأشخاص. قد يظل الكاذب الناجح في حاجة إلى ذاكرة استثنائية، لكن السؤال هنا يتعلق بما سيحدث عندما يواجه هذا الكاذب تكنولوجيا تأبى النسيان.

 -----------------------------------------------------------------

المقال مترجم عن: الرابط التالي

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار