هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
خوادم أبل وصلت الصين.. هل باعت الشركة خصوصيتها؟

خوادم أبل وصلت الصين.. هل باعت الشركة خصوصيتها؟

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

لسنوات طويلة، تغنّت شركة آبل بالخصوصية وحماية بيانات المُستخدمين وبالجهود التي تبذلها في تلك المجالات. لكنها مؤخّرًا، وبعد سنوات من تخزين بيانات المُستخدمين في خوادم آمنة في أمريكا، قرّرت نقلها إلى أُخرى موجودة في الصين استجابة لأوامر الحكومة(1)، وهو ما أثار الذعر بين أوساط مُستخدمي أجهزة آبل على مستوى العالم. وقبل النقاش حول ما أثارته خطوة نقل الخوادم للصين، علينا فهم آليات الأمان والتشفير التي تعتمدها آبل.

    

الأمان والتشفير
حرصت آبل خلال السنوات الماضية على الإشارة إلى وجود نظام لتشفير البيانات داخل كل ميّزة -أو نظام تشغيل-تقوم بالكشف عنها، فهي تعتمد على بروتوكول لتشفير بيانات المُستخدم مع مفاتيح تشفير يُمكن توليدها عن طريق جهاز المُرسل والمُستقبل فقط، أي أن وجود طرف آخر في المُنتصف لن يفي بالغرض، لأن مفاتيح التشفير غير موجودة.

   

ومن الناحية العملية، فإن الشركة كانت تُخزّن البيانات المُشفّرة على خوادم، ومفاتيح تشفيرها على خوادم أُخرى. ومن هنا، فإن الوصول للمفاتيح يتم أولًا عبر جهاز المُرسل أو المُستقبل. كما أن لآبل وصولًا لتلك المفاتيح على اعتبار أنها موجودة على خوادمها الخاصّة، لكنها لا تقوم بمثل تلك الأمور إلا عند وجود طلبات رسمية من الجهات الحكومية، أو أوامر من المحكمة، لتقوم بأخذ مفاتيح التشفير لفك البيانات المُشفّرة وتقديمها للجهة التي تطلبها. وهنا تجدر الإشارة إلى أن تلك المُمارسات، أي الاستجابة لطلبات الحكومة وتقديم البيانات المطلوبة، تُذكر ضمن تقرير سنوي تنشره آبل يُعرف بتقرير الشفافية يُظهر عدد الطلبات الحكومية التي استلمتها خلال العام مع ذكر أسماء الجهات أيضًا(2).

    

وتختلف أنواع البيانات التي تُخزّن على خوادم آبل السحابية والمُرتبطة بحساب المُستخدم في آبل، فبيانات التطبيقات التي قام بتحميلها، واستخدامها، والاشتراك بها، موجودة، إضافة إلى قوائم التشغيل الخاصّة به في خدمة موسيقى آبل (Apple Music)، إضافة إلى بيانات أُخرى مثل الملاحظات، وقائمة الأسماء، والبريد الإلكتروني، دون نسيان سجل المُكالمات وملفّات بعض التطبيقات. ويُمكن إضافة النسخ الاحتياطية أيضًا للبيانات التي تُخزّن على خوادم آبل.

        

          

تخزين تلك البيانات ليس بالشيء الإجباري، أي أن المُستخدم بإمكانه تعطيلها جمعيها واختيار ما يناسبه فقط، فآبل لا تُجبر المُستخدم على القيام بأي شيء. أما سجل الرسائل، "آي مسج" (iMessage)، فما يتم تخزينه بالوضع الطبيعي هو المُرسل والمُستقبل والتاريخ والوقت فقط لأن الرسائل بحد ذاتها تُشفّر على هاتف المُرسل ويفكّ تشفيرها على جهاز المُستقبل فقط، ومفاتيح التشفير موجودة على تلك الأجهزة فقط، وبالتالي لا آبل، ولا غيرها، قادرين على قراءة محتويات الرسائل إلا في حالة واحدة فقط عندما يأخذ المُستخدم نسخة احتياطية من بيانات جهازه ويقوم بتخزينها على خدمة "آي كلاود" (iCloud)، ففي هذه الحالة، يُمكن لأي جهة حكومية طلب بيانات المُستخدم بشكل قانوني، لتقوم آبل بتقديم كل شيء، وبالتالي معرفة الرسائل التي قام المُستخدم بتبادلها.

    

ما سبق يُمكن عرضه بشكل آخر؛ حيث يُمكن للمستخدم اختيار البيانات التي يرغب بتخزينها على خوادم آبل السحابية، والرسائل مُشفّرة بشكل كامل ولا يُمكن لأحد قراءتها إلا في حالة أخذ نسخة احتياطية وتخزينها على السحاب. أما الوصول لتلك البيانات، فهو يتم وفق أوامر رسمية عملًا بالقانون الأمريكي، ولا يُمكن لأي جهة أن تُطالب ببيانات شخص مُحدّد دون سبب مُقنع.

     

زمن أول تحوّل!
تُقسّم شركة آبل بيانات مُستخدميها جُغرافيًا بحسب بلد الحساب، وليس على حسب البلد الذي يُستخدم الجهاز منه، فالمستخدم قادر على إنشاء حساب أمريكي واستخدام جهازه في قَطَر، أو إنشاء حساب في تركيا واستخدامه في لبنان دون مشاكل، طالما أنه قام بتزويد آبل ببيانات صحيحة أثناء عملية إنشاء الحساب. لكن وفي جميع الحالات، تُخزّن البيانات في خوادم أمريكية تتحكّم آبل بها، ومن هنا فإن مُطالبة الحكومة الفرنسية -على سبيل المثال- ببيانات أحد مُستخدمي أجهزة آبل تتم عبر طلب رسمي من المحكمة يتم إرساله عبر رسالة رسمية لآبل لتقديم البيانات اللازمة. لكن زمن أول تحوّل، على الأقل، منذ (فبراير/شباط) 2018، وتحديدًا في جمهورية الصين.

    

كانت لشركة آبل اليد العُليا بشكل دائم، فلا توجد قوّة أو جهة تُجبرها على القيام بأي شيء إلا بالقانون، ولعل قضيّتها مع مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) كانت خير مثال على ذلك، فالشركة رفضت إنشاء أبواب خلفية لفك قفل هاتف أحد الإرهابيين لمعرفة البيانات المُخزّنة عليه، على الرغم من الضغوطات الكبيرة التي أثقلت كاهلها في ذلك الوقت(3). لكنها، ومنذ مُنتصف 2017، بدأت بتحرّكات كانت غير مفهومة في الصين، وهذا بعدما أعلنت عن إنشاء مركزًا للبيانات فيها بالتعاون مع شركة محلّية أيضًا، الأمر الذي اعتبره البعض تودّدا من الحكومة الصينية لا أكثر.

    

    

وما هي سوى أسابيع منذ تلك التحرّكات حتى قامت الشركة بإزالة بعض التطبيقات من متجر التطبيقات الصيني (App Store)، وهذا نتيجة لمُخالفتها لقوانين الحكومة هناك على حد تعبيرها. تلك المُمارسات بدأت مع بداية 2017 بعد إزالة تطبيق صحيفة "نيويورك تايمز" (The New York Times)(4). لكن الطامّة الكُبرى كانت بعدما أزالت مجموعة من تطبيقات الشبكات الافتراضية الخاصّة (VPN)، أيضًا استجابة لأوامر الحكومة هُناك، ليُصبح المُستخدمون مُجرّدين من إمكانية تشفير بياناتهم ومن منع أي جهة من التجسّس عليهم أثناء تصفّح الإنترنت(5). ولم تسلم تطبيقات بعض الشركات الكُبرى، مثل مايكروسوفت، من تلك الرقابة، فآبل أزالت لفترة من الزمن تطبيق "سكايب" (Skype) من المتجر، ومن جديد كان السبب أوامر من الحكومة الصينية(6).

    

تلك المُمارسات ليست بغريبة أبدًا على الحكومة الصينية، فهي من أجبر غوغل على توفير أبواب خلفية للتجسّس على بيانات خدماتها المُختلفة، الأمر الذي رفضته الشركة جُملة وتفصيلا، وهذا أدّى بدوره لتوقّف خدمات مثل يوتيوب، و"جي ميل" (Gmail)، عن العمل(7)، دون نسيان تطبيقات أُخرى مثل "واتس آب" (WhatsApp) أو فيسبوك، لأن تلك الشركات رفضت توفير أبواب خلفية أيضًا، فهل خضعت آبل وسلّمت بعد سنوات من الامتناع تارة، والتغنّي بقوة أنظمة تشفيرها تارة أُخرى؟

    

أحلاهما مُر
"وضعتنا الحكومة الصينية أمام خيارين؛ الاستمرار في تقديم خدمات لمُستخدمي أجهزة آبل شريطة الانصياع للأوامر، أو إيقافها بشكل كامل"، هذا ما قاله المُتحدّث الرسمي باسم آبل بعد سؤاله عمّا حدث(8)، فشركة آبل ومع نهاية 2017 أكّدت أنها ستقوم بنقل بيانات مُستخدميها في الصين لمراكز البيانات الموجودة هنا. ليس هذا فقط، بل ستُنقل أيضًا مفاتيح التشفير لخودام أُخرى موجودة هناك أيضًا، وبالتالي نقل الباب بقفله بمفتاحه للصين، الأمر الذي سيُغيّر المعادلة بشكل كامل للمرّة الأولى بالنسبة لشركة آبل.

      

    

الكلام السابق يعني أنه وبدءًا من نهاية (فبراير/شباط) 2018، أصبحت بيانات مُستخدمي حسابات آبل الصينية مُخزّنة على خوادم هناك رفقة مفاتيح تشفيرها، وهذا يعني من جهة سرعة في الوصول للبيانات، ولخدمات آبل المُختلفة. ومن جهة أُخرى، يعني أن الحكومة أصبحت قريبة جدًا من تلك البيانات، فالخودام لا تُدار من قبل آبل فقط، بل من قبل شركة محلّية على علاقة وثيقة جدًا بالحكومة. أما الوصول لتلك البيانات، فهو أسهل بالنسبة للحكومة لأن مثل تلك الأوامر في الصين لا تحتاج للمرور بالمحكمة أبدًا، ويُمكن لأي مركز شرطة إصدارها وتمريرها لآبل، التي ستجد نفسها مُضطرة لتقديم ما تحتاجه السُلطات دون تردّد.

    

يبقى السؤال الأبرز حول تسليم آبل وخضوعها مُقارنة بشركات أُخرى مثل غوغل، على سبيل المثال، التي فضّلت البقاء خارج اللعبة، إلا أن هذا الكلام ليس صحيح كُليًّا، فالشركة تعمل حاليًا على توفير نسخة خاصّة من متجر "غوغل بلاي" (Google Play) داخل الصين(9)، فهي بلد بأكثر من مليار نسمة، ويُمثّل فرصة عظيمة للنمو بالنسبة لأي شركة، ولهذا السبب يسعى الجميع للعثور على طُرق مُثلى للعمل جنبًا إلى جنب مع الحكومة هناك.

   

وبالعودة إلى آبل، فإن نظام آبل المُغلق هو من أوقعها بمثل تلك المشاكل، فمن أجل بيع هواتف "آيفون" مثلًا، تُسوّق آبل لقوة خدمات مثل "آي كلاود" أو متجر التطبيقات أو خدمة الموسيقى، وفي حالة توقّف تلك الخدمات عن العمل، فالمستخدمين الحاليين أول من سيتضرّر وسيفقد جزء كبير من الخدمات على أجهزته. ولن تُصبح الشركة قادرة على بيع أجهزة جديدة، وبالتالي خسارة شريحة أكبر مع نمو الشركات المحلّية هناك مثل هواوي أو "أوبو" (Oppo)، وهو أمر لن تقبل به آبل وفضّلت عليه الانصياع لأوامر الحكومة طالما أنها سارية على جميع الشركات الأجنبية دون استثناء.

    

       

وبعدما نجحت الصين في فرض قيودها على آبل، ستبدأ التساؤلات حول إمكانية فرض مثل تلك القيود في دول أُخرى كالاتحاد الأوروبي مثلًا أو في بعض الدول الأُخرى، العربية منها والغربية، وهو أمر لن تُكرّره آبل بنسبة كبيرة جدًا ولن يتضرّر منه مُستخدمو أجهزة آبل -إن حصل- للكثير من العوامل.

    

لو نجح الاتحاد الأوروبي مثلًا في فرض مثل هذا الأمر وطالب آبل بنقل بيانات المُستخدمين ومفاتيح التشفير لخوادم هناك فالخصوصية ستبقى بنفس المستوى بسبب صرامة القوانين والتشريعات، فأي جهة تُطالب ببيانات المُستخدمين تحتاج لموافقة من المحكمة العُليا، ولا يُمكن استصدارها من أي مركز شرطة مثل ما يحدث في الصين. أما لو طالبت دول مثل كندا أو مصر بإنشاء خوادم محلّية، فآبل قد تتخلّى عن تلك الدول نظرًا لتعدادها السُكّاني الذي لا يُمثّل أكثر من 5٪ إلى 10٪ في أحسن حالاته مُقارمة بتعداد الصين السُكّاني، وبالتالي خسارة جزء من الزبائن المُحتملين مُقابل الحفاظ على الخصوصية أمر ستُضحّي به آبل بكل تأكيد، وإلا ستفقد قطعة هامّة جدًا من أجهزتها وأنظمة تشغيلها وخدماتها على حد سواء.

   

يُمكن أن يتغيّر كل شيء بين ليلة وضُحاها، والصين التي أوقفت غوغل وفيسبوك تقف في موقف قوّة يجعل الجميع بحاجة للعثور على حلول وسطى للاستمرار. إلا أنه بحكم المؤكّد أن هذا الأمر لن يفتح أبوابًا خلفية ولن يُغيّر من سياسية الخصوصية الخاصّة بآبل، فالمُستخدمون هناك مُطالبون بالموافقة على شروط الاستخدام الجديدة، وإلا فحذف البيانات، أو حتى تغيير بلد الحساب، يفي بالغرض ليعود كل شيء كما كان، وتنتهي حالة الهلع التي تؤرق الجميع.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار