هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
جوجل ستصنع للبشر "جينات إلكترونية" من سجلات التصفح

جوجل ستصنع للبشر "جينات إلكترونية" من سجلات التصفح

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

تعالت الأصوات كثيرًا بعد مؤتمر غوغل الأخير (I/O 2018) بسبب تقنية "دوبلكس" (Duplex) التي كشفت عنها، التقنية التي تُتيح للآلة إجراء المُكالمات لحجز المواعيد أو إجراء الطلبات عوضًا عن المُستخدم. لكن الأيام التي تلت المؤتمر زادت الريبة في نفوس الحريصين على الخصوصية بعد تسريب فيديو لمشروع حالم داخل غوغل يُعرف بـ "السجل الأناني" (The Selfish Ledger)(1).

المشروع الحالم
تمتلك شركة غوغل مُختبرات حالمة تُعرف باسم "إكس" (X)، سابقًا "غوغل إكس" (Google X)، ويعمل المُهندسون فيها على تطوير مشاريع مُستحيلة، مشاريع يُمكن مُشاهدتها في أفلام الخيال العلمي فقط، إلا أن المواهب والعقول الموجودة داخل تلك المُختبرات كفيلة بتحويل أي خيال إلى حقيقة؛ فتطوير سيّاراة ذاتية القيادة، أو طائرة صغيرة لنقل الطلبات بشكل آلي وفوري، أو حتى عدسات لاصقة للعين قادرة على معرفة نسبة السُكّر في الدم، كانت في يوم من الأيام مشاريع حالمة نجح مُهندسون غوغل في تحويلها إلى حقيقة ببراعة تامّة(2).

وخلال الإعوام الأخيرة، قام "نيك فوستر" (Nick Foster)، المسؤول عن التصميم في "إكس"، بالعمل على المشروع الجديد، "السجل الأناني"، الذي سُمّي بهذا الاسم نسبة إلى كتاب الجين الأناني (The Selfish Gene) الذي يتناول انتقال الجينات وتطوّر الكائنات الحيّة، وهو مشروع يطمح إلى زيادة تمكين الذكاء الاصطناعي في حياة البشرية قاطبة. أما عن سبب اختيار كلمة "السجل" (Ledger)، فهذا يعود للسجل الإلكتروني الخاص بالمُستخدمين، السجل الذي يحتوي على كل شيء يقوم به المُستخدم على الشبكة من أفعال وبيانات وما إلى ذلك، وهو سجل شخصي في الوقت الراهن، أي أن كل شخص لديّه سجلّه الخاص.

لكن ماذا لو خرج ذلك السجل من النطاق الشخصي وانتقل لنطاق أكبر، نطاق يستهدف البشريّة بشكل كامل، فالمُستخدم هو جزء من البشرية في الوقت الراهن، وما يقوم به يُمكن إسقاطه على أنماط تفكير وأفعال قامت بها أجيال سابقة، وهذا يعني أن ما يقوم به الشخص حاليًا، سيتم الأخذ به من قبل الأجيال المُقبلة، وهذا بشكل جيني طبيعي، إلا أن غوغل ترغب في الاستفادة أيضًا من الذكاء الاصطناعي، فالحمض النووي والمورثّات هي السجل الطبيعي للإنسان، وبيانات المُستخدم في العالم الرقمي هي السجل الإلكتروني الذي لا يجب أن يُترك سُدى.



جمع بيانات المُستخدمين
قامت شركة غوغل، أو جزء كبير منها، على جمع بيانات المُستخدم وتتبّع نشاطه على شبكة الإنترنت لتغذية شبكتها الإعلانية وتقديم إعلانات يحتاج المُستخدم بالفعل لها، فعند إجراء عملية بحث، أو زيارة لموقع ما، تقوم خوارزميات غوغل بمحاولة فهم تلك العملية، فالبحث عن جزيرة ما يعني أن المُستخدم يرغب في قضاء عطلة خلال الفترة المُقبلة. ولا تقف الخوارزميات عند هذا الحد، فالتحليل يجري أيضًا على الجزيرة ذاتها لمعرفة خصائصها التي تُميّزها عن غيرها، وبالتالي عرض إعلانات لجزر أُخرى تحمل نفس تلك الخصائص.

ولا يقف نشاط غوغل عند مُحرّك البحث فقط، فبريد "جي ميل" (Gmail) يقوم أيضًا بقراءة رسائل المُستخدم لاقتراح ردود ذكية وسريعة، مع عرض اقتراحات لجُمل آنية أثناء الكتابة لتوفير الجهد على المُستخدم، وهذا عبر تحليل لغة الرسالة، والرسائل السابقة، بحيث تكون الاقتراحات متوافقة مع نوع الحديث إن كان رسمي أو عادي. نفس الأمر يتكرّر في تطبيق صور غوغل (Google Photos)، التطبيق الذي أصبح قادرًا الآن على اقتراح إرسال الصور للأشخاص الموجودين فيها بفضل خاصيّة التعرّف على الوجه، إضافة إلى اقتراح بعض التعديلات اللونية والتأثيرات للحصول على صور أفضل. وعلاوة على ما سبق، يقوم التطبيق باقتراح ألبومات تحتوي على أفضل الصور من ناحية التوازن اللوني من جهة، وذوق المُستخدم من جهة أُخرى.

وإذا لم يكن تدخّل غوغل في سلوك المُستخدم كافيًا في الأمثلة السابقة، فإن مُساعدها الرقمي هو مثال آخر يقوم باقتراح التطبيقات عند استخدام نظام أندرويد، وبطلب سيّارة أُجرى نيابة عن المُستخدم للوصول للموعد في الوقت المُناسب، دون نسيان إمكانية إتمام الحجوزات في المطاعم والفنادق نيابة عن المُستخدم أيضًا، سواءً عبر التواصل إلكترونيًا مع المطعم، أو عبر التواصل صوتيًا بعد استخدام تقنية "دوبلكس". لكن ومن جديد، فإن جميع الأمور السابقة محصورة في المُستخدم ذاته، صحيح أن غوغل تمكّنت من تطوير مجموعة من الأنماط بناءً على أفعال المُستخدمين كإجراء حجز في مطعم ما عند استلام رسالة بين شخصين يتحدّثون عن تناول العشاء معًا في يوم ما. لكنها لم تعد تكتفي بهذا القدر وترغب في تمكين الآلة أكثر في حياة جميع البشر، ورُبما التحكم في سلوكهم أيضًا.

السجل الأناني
عوضًا من أن تستخدم غوغل سجل كل مُستخدم على حدة، ترغب الشركة عبر مشروع السجل الأناني في جعل تلك السجلّات جزء من سجل أكبر، سجل يُمثّل البشرية بشكل كامل يحتوي على تجارب حياتية مُختلفة يُمكن الاستفادة منها فيما بعد من قبل الأجيال القادمة، أو حتى من قبل الأجيال الحالية في مناطق مُختلفة حول العالم.

يعتمد المشروع الجديد على الأهداف التي يرغب المُستخدم في تحقيقها في حياته، فعبر تطبيق متوفّر للأجهزة الذكية يطلب المُستخدم من غوغل مُساعدته مثلًا في الحفاظ على البيئة، لتقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي بالبحث في قاعدة المعرفة عن جميع المُمارسات التي قام بها مُستخدمون آخرون للحفاظ على البيئة، لتقترح بعد ذلك بعض الأمور على صاحب الطلب، فعندما يرغب في طلب سيّارة أُجرة على سبيل المثال، سيقوم التطبيق بعرض اقتراح لاختيار السيّارة الأنسب، أو وسيلة النقل الأنسب، لتحقيق الغاية الأكبر وهي الحفاظ على البيئة.

ولو وضع المُستخدم هدفًا للحصول على جسم رياضي صحّي، سيقوم التطبيق بشكل آلي عند طلب الطعام باقتراح الخضراوات والفواكه العضوية عوضًا عن العاديّة لأنها تحتوي على قيم غذائية أعلى. ولأن بيانات المُستخدم كالطول، الوزن، أو كتلة الجسم، مطلوبين لتحقيق مثل تلك الأهداف، ستقوم الخوارزميات باقتراح شراء ميزان للوزن في حالة عدم وجود وزن المُستخدم ضمن سجّله وهذا عبر اقتراح متاجر قريبة تبيع مُنتجات مُناسبة للمُستخدم من ناحية السعر بناءً على أداءه المالي وحسابه في المصرف. ما يُثير الريبة أكثر من ذلك هو إمكانية قيام الخوارزميات بتطوير الجهاز في حالة عدم العثور عليه، وهذا بعد الاستفادة من الطابعات ثلاثية الأبعاد، أي أنها ستقوم بتصميم الميزان وتطوير الدارات اللازمة ثم اقتراح السعر على المُستخدم لتأكيد الطلب أو رفضه.

وظيفة الخوارزميات والتطبيق لا تقف عند الأشياء الماديّة فقط، بل المعنوية أيضًا، فهي ستكون قادرة على اقتراح طُرق لعلاج بعض الأمراض النفسية كالاكتئاب على سبيل المثال عبر الاستفادة من تجارب بقيّة البشر. ومع وجود اختلاف في أساليب العلاج، ستختار غوغل العلاج الأنسب للمُستخدم بناءً على ظروفه المُختلفة، كنوع الصدمّة التي أدّت للاكتئاب، والمستوى المعيشي للفرد ونمط حياته، وبالتالي تكون الاقتراحات أكثر مصداقية وواقعية وليست عامّة.


باختصار، فإن "السجل الأناني" هو مشروع للتحكّم بسلوك البشر بشكل كامل عبر تقديم اقتراحات للمُستخدم مبنيّة على تجارب مُستخدمين آخرين، وهذا يعني أن البيانات التي تُجمع في الوقت الراهن، ومُستقبلًا، ستُربط كوحدة كاملة فيما بعد تأخذ بعين الاعتبار اختلاف ظروف كل فرد عن الآخر، وهذا من أجل تقديم اقتراحات منطقية، تمامًا مثل نظام الإعلانات الذي كان عامًّا في البداية قبل أن يتحوّل فيما بعد لنظام عميق جدًا يقترح تقريبًا ما يبحث المُستخدم عنه على طبق من ذهب.

تفاصيل مشروع "السجل الأناني" خرجت بعد تسريب فيديو تم إنتاجه في 2016 يروي فيه "فوستر" الخلفية العلمية وراء التفكير بمثل هذا المشروع الذي سيعتمد على الاقتراحات فقط، أي أنه لن يفرض نمط حياة على المُستخدم، وسيجري كل شيء بعد موافقته. لكنه يُظهر من جهة أُخرى التوجّه القادم الذي يبدو أنه لمُستقبل أفضل، مُستقبل تتشارك فيه البشرية خبراتها ضمن أداة مُنظّمة دون معرفة موعد مُحدّد لوصولها، أو فيما إذا كانت تنوي غوغل بالأساس في إخراجها خارج المُختبرات(3).

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار