هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
مايكروسوفت وصفقة "GitHub".. هل يتجه العملاق للمصادر المفتوحة؟

مايكروسوفت وصفقة "GitHub".. هل يتجه العملاق للمصادر المفتوحة؟

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض
مرّة أُخرى وقعت شركة مايكروسوفت ضحيّة الانتقادات والسُخرية على يد شريحة واسعة من المُستخدمين، وهذا ليس بسبب مُشكلة الشاشة الزرقاء وتوقّف نظام ويندوز المُفاجئ عن العمل، إنما بسبب صفقة الاستحواذ على موقع "غيت هاب" (GitHub)، المنصّة التي تُتيح للمُطوّرين مُشاركة الشيفرات البرمجية والمُساهمة في تطوير التطبيقات بشكل مفتوح، وهذا أمر يتعارض من وجهة نظر المُتابعين مع سياسة مايكروسوفت القائمة على الاحتكار عبّر على إثره الكثيرون عن قلق غير مُبرّر بالنظر إلى الشركة وسياستها في الوقت الراهن(1).

           

       

مايكروسوفت الألفية

بعد سنوات من تحقيق النجاحات المُتتالية، اصطدمت مايكروسوفت بشبح ويندوز "فيزتا" (Vista) الذي بدأ بهدم كل شيء عملت الشركة عليه منذ نشأتها، فكميّة الأخطاء غير المُبرّرة في النظام شوّهت صورة الشركة، ودفعت بعض الجهات للانتقال لأنظمة تشغيل أُخرى كنظام لينكس الذي يتميّز بكونه مفتوح المصدر ومجّاني(8). وبالحديث عن المصادر المفتوحة، فإن مُناصري هذا المفهوم يعتبرون مايكروسوفت عدوّهم الأول نظرًا لسياستها الاحتكارية ورغبتها في تسعير أي مُنتج تقوم بإطلاقه، خصوصًا أنظمة التشغيل وحزمة أوفيس، دون نسيان بيئة "دوت نت" (.Net) التطويرية أيضًا.

    

وعلى الرغم من تدارك الموقف بعد "فيزتا" بسنوات قليلة عبر إطلاق ويندوز 7، كرّرت الشركة خطأها مع إطلاق ويندوز 8. لكنها هذه المرّة لم تبدأ بخسارة مُستخدمي الحواسب التقليدية فحسب، بل مُستخدمي الأجهزة الذكية على حد سواء لأن تلك الأحداث كانت بالتزامن مع صحوة نظام أندرويد، الذي يعتمد على نواة لينكس، لتنقلب الحكاية من جديد لحوار ومُنافسة بين المصادر المفتوحة والمُغلقة أيضًا.

     

ومن بين ثنايا تلك المُمارسات تخرج تصريحات قديمة لسيّء الذكر "ستيف بالمر" (Steve Ballmer)، الذي شغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، والذي وصف نظام لينكس بالسرطان مع بداية الألفية الجديدة(2)، في الوقت الذي كانت فيه مايكروسوفت تعيش أزهى أيامها تقريبًا، ليكون تصريحه، مع أحداث أُخرى كالحصول على غرامة مالية من مُصنّعي الأجهزة التي تستخدم أندرويد بسبب براءات الاختراع(9)، أسباب كافية لرسم صورة المُحتكر لمايكروسوفت التي لم تعد كذلك أبدًا منذ قدوم "ساتيا ناديلا" (Satya Nadella) الرئيس التنفيذي الذي جاء لتغيير كل شيء رأسًا على عقب، والذي جاء لتصحيح أخطاء من سبقوه عبر التقرّب من المصادر المفتوحة قدر الإمكان وخصوصًا نظام لينكس.

         

    

تصحيح المسار

ركّزت شركة مايكروسوفت كثيرًا على مُجتمع المصادر المفتوحة منذ عام 2014، العام الذي شهد تولّي "ناديلا" زمام الأمور في الشركة وهذا عبر الانضمام لمؤسّسة لينكس كخطوة أولى، كما قامت بفتح مصدر نواة بيئة "دوت نت" التطويرية، ثم تعاقدت مع شركة "كانونيكال" (Canonical)، المسؤولة عن تطوير توزيعة "أوبنتو" الشهيرة لجلب لينكس إلى ويندوز 10. ولم تكتفي بهذا القدر، بل حرصت على فتح مصدر بيئة "زامارين" (Xamarin) بعد الاستحواذ عليها، ثم وعدت بتوفير أشهر توزيعات لينكس للخوادم على منصّتها السحابية(3).

  

الخطوات السابقة لم تكن بنيّة التباهي أو استعراض القدرات، فالشركة قامت بخطوات فعلية بدأت بتوفير الشيفرة المصدرية لبعض مشاريعها(4)، قبل أن تقوم بتوفير موجّه أوامر لينكس داخل نظام ويندوز 10، بحيث يُمكن للمُطوّرين تحميل بيئة نظام "أوبنتو" إلى جانب ويندوز للاستفادة من الأوامر المتوفّرة دون الحاجة لاستخدام أكثر من نظام تشغيل أو التوجّه للبيئات الافتراضية التي كانت هي الحل في الماضي.

  

ولا تنتهي علاقة مايكروسوفت والمصادر المفتوحة عند هذا الحد، بل قامت الشركة بالمُساهمة بشكل كبير في المشاريع مفتوحة المصدر مع إقامة مُحاضرات أيضًا لشرح بعض التقنيات الجديدة المُستخدمة على نطاق واسع حول العالم(5)، لتكون بذلك مسؤولة عن تدريب الكوادر من جهة، وتطوير تلك المشاريع من جهة أُخرى، وهذا جنبًا إلى جنب مع مجموعة كبيرة من المؤسّسات المشهورة في هذا المجال مثل "موزيلا" (Mozilla) على سبيل المثال لا الحصر.

         

  

شرعية الاستحواذ

تؤكّد الخطوات السابقة التي قامت بها مايكروسوفت أن الاستحواذ على "غيت هاب" لم يكن حُبًّا في شراء مشروع ناجح وضمّه لمشاريع الشركة الأُخرى، فخطوات سابقة ولاحقة تؤكّد شرعية هذا الاستحواذ من الناحية المنطقيّة على الأقل، فالمُساهمة لوحدها قد لا تكفي في نظر البعض، لكن الأدلّة الملموسة ستُفسّر غموض الصفقة، تمامًا مثل الحيرة التي ارتسمت على وجه البعض بعد استحواذ الشركة على منصّة "لينكدإن" (Linkedin).

    

ذكر أكثر من موظّف داخل شركة مايكروسوفت عبر حساباتهم الرسمية على شبكات التواصل أن الشركة تعتمد على "غيت هاب" كمنصّة لتخزين المشاريع البرمجية عليها، وتدفع لقاء استخدامها أيضًا لتحظى ببعض الميّزات الإضافية من ناحية المساحة، وحماية المشاريع ومنعها عن العموم، فالاشتراك المجاني في "غيت هاب" لا يوفر هذا الخيار على سبيل المثال. وعلاوة على ما سبق، تتنافس مايكروسوفت مع غوغل من ناحية المُساهمة على المنصّة.

    

خلال عام 2017، تجاوز عدد موظّفي مايكروسوفت الذين ساهموا في مشاريع على "غيت هاب" حاجز الـ 1300 شخص، أما عدد المشاريع (المستودعات البرمجية) فهو بلغ 825 تقريبًا. وتتشابه تلك الأرقام مع أرقام غوغل التي تمتلك أكثر من 900 موظّف يُساهمون في المنصّة في أكثر من 1100 مشروع تقريبًا، وهذا يُظهر أن مايكروسوفت التي كانت في يوم من الأيام من ألدّ أعداء المصادر المفتوحة تتنافس مع واحدة من أكبر الشركات في هذا المجال(6).

       

    

بطُل العجب

جميع ما سبق يتناول شرعية مايكروسوفت في الاستحواذ على "غيت هاب" وأن ما قامت به ليس خطوة عشوائية أبدًا(7). لكن ماذا عن الأهداف الحقيقية للشركة؟ فدفع 7.5 مليار دولار أمريكي للاستحواذ على مشروع لا يعود بفائدة على الشركة ويهدف لتلميع صورتها فقط ضرب من الجنون ولن يقوم به أي رئيس تنفيذي أيًا كان، لذا فإن للصفقة أهداف أُخرى تفوق ما نُشاهده وما تحدّثت عنه وسائل الإعلام المُختلفة.

      

أيقنت شركة مايكروسوفت أن التوجّه التقني في المرحلة المُقبلة ذاهب نحو اللامركزية والتحرّر، خصوصًا على صعيد الأنظمة والتطبيقات، فالمُستخدم لم يعد يهتم لنظام التشغيل طالما أن التطبيقات التي يبحث عنها متوفّرة على الجهاز الذي ينوي استخدامه، ومن هنا، حرصت على توفير تطبيقاتها وخدماتها المُختلفة لأنظمة تشغيل أُخرى إذ يتوفّر الآن المُساعد الرقمي "كورتانا" (Cortana) لنظامي "آي أو إس" (iOS) وأندرويد، عكس آبل مثلًا التي تحتكر "سيري" (Siri) في أنظمتها فقط لجعلها عامل يجذب المُستخدمين.

        

    

وإضافة لما سبق، ازداد الاعتماد على المنصّات السحابية بشكل كبير جدًا. ومن هنا، فإن منصّة "آجر" (Azure) للتخزين السحابي من مايكروسوفت، والتي كانت تعتمد على توزيعات نظام ويندوز فقط، هي سبب من أسباب إتمام الصفقة، فتوفير تكامل بين "آجر" و"غيت هاب" سيمنح المُطوّرين حرّية أكبر طوال الوقت في تطوير التطبيقات، وهذا يُفسّر أيضًا جهود الشركة الكبيرة وتعاونها مع القائمين على توزيعات لينكس "ريد هات" (RedHat) و"أوبن سوس" (OpenSUSE)، فالهدف هو توفير تلك التوزيعات كبيئات تطويرية داخل "آجر"، وبالتالي تتحوّل المنصّة لمنافس قوي جدًا، فإلى جانب "ويندوز 10" الذي يدعم بشكل افتراضي موجّه أوامر لينكس، يُمكن للمُطوّر استخدام إحدى توزيعات لينكس، وهذه نقطة لصالح مايكروسوفت في مواجهة أمازون بالنظر للمنافسة القائمة بينهما على صعيد التخزين السحابي.-

     

الوقود الحقيقي للتقنية في الوقت الراهن، إلى جانب المُستخدمين، هم المُطوّرين أيضًا، ومايكروسوفت ترى أن التركيز على ويندوز كنظام تشغيل فقط لن يعود بفوائد حقيقية على المدى الطويل، ومن هنا كان لا بُد من تعزيز مكانتها لدى المُطوّرين تارة عبر توفير أدوات جديدة على جميع أنظمة التشغيل، وتارة عبر المُساهمة في لغات برمجة وتقنيات مُستخدمة على نطاق واسع، وتارة أُخرى عبر تعزيز منصّتها السحابية بأدوات كثيرة لتلبية احتياجات جميع المُطوّرين، لتتحقّق بذلك رؤية "ناديلا" الذي قال إن مايكروسوفت هي شركة للمُطوّرين أولًا(7).

    

الأكيد أن مايكروسوفت بصورتها القديمة التي كانت تهدف لبيع كل شيء واحتكار السوق عبر نظام ويندوز ذهبت دون عودة، فالتوجّه الآن نحو المُطوّرين لأن المُستقبل يعتمد على جهودهم أولًا وأخيرًا في خطوة مُشابهة لما قامت به شركات كُبرى مثل "آي بي إم" (IBM) التي انتقلت لتوفير حلول برمجية للشركات الكُبرى بعدما كانت يومًا من الأيام في سوق الحواسب الشخصية وأنظمة التشغيل. بعدما عُرف السبب بطُل العجب، وما قامت به مايكروسوفت هو مُجرّد خطوة للتحوّل من نموذج للآخر.

     

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار