انضم إلينا
اغلاق
كيف تفوز أبل في سباق العمالقة رغم تراجع منتجاتها؟

كيف تفوز أبل في سباق العمالقة رغم تراجع منتجاتها؟

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

عاشت شركة آبل، ومُحبّيها، حالة من تضارب المشاعر مع بداية شهر (أغسطس/آب) 2018 بعدما كشفت الأرقام أن هواوي الصينية تجاوزتها لتُصبح الثانية عالميًّا من ناحية إنتاج الهواتف الذكية(1). لكن ما هي سوى ساعات قليلة حتى أصبحت آبل نفسها أول شركة على مستوى العالم بقيمة 1 تريليون دولار على الرغم من أنها في الوقت الراهن ليست في طليعة أي من الأسواق التي تُنافس فيها(2).

     

   

آبل اليوم

شاركت شركة آبل نتائجها المالية للربع الثالث من عام 2018 مع بداية شهر (أغسطس/آب) مُعلنةً عن وصول الأرباح إلى 53.5 مليار دولار أميركي، كاسرة بذلك التوقّعات الموضوعة من قبل المُحلّلين، وتلك أرقام جاءت بعدما باعت الشركة أكثر من 41.3 مليون هاتف آيفون خلال نفس الربع فقط، الجهاز الذي يُعتبر المُساهم الأول في عائدات الشركة سنويًا بنسبة تجاوزت الـ 60٪ خلال الأعوام الماضية، ووقفت عند 56٪ خلال هذا الربع(3).

  

المُفاجأة لم تكن لا في المبيعات ولا في الأرباح، بل في العائدات من قطاع الخدمات لدى الشركة الذي يتضمّن خدمات مثل ”آبل ميوزك“ (Apple Music) و“آبل باي“ (Apple Pay) و“آي كلاود“ (iCloud)، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، والذي شكّلت عائداته 18٪ من إجمالي أرقام آبل بنسبة نمو لا تقل عن 28٪، وهذا يعني أن الشركة بدأت شيئًا فشيئًا في العثور على مورد بديل لهواتف آيفون. أما الحواسب، فهي لا تُشكّل أكثر من 10٪ من إجمالي واردات آبل الفصلية، أضف إليها 9٪ من عائدات حواسب آيباد اللوحية، ليكون إجمالي هذا القطاع 19٪ تقريبًا على الرغم من اختلاف التوجّه في كل واحد، ففي الأول، تُركّز آبل على نظام ”ماك أو إس“ (macOS)، بينما تعتمد على نظام ”آي أو إس“ (iOS) في الثاني.

   

    

لكن وبعيدًا عن قوقعة آبل، قد لا يكون لتلك الأرقام معنى كبيرا جدًا، فأرقام الشركة في قطاع الهواتف الذكية يجعلها في المركز الثالث على مستوى العالم خلف سامسونغ وهواوي بعدما كانت حبيسة المركز الثاني لفترة طويلة من الزمن خلف سامسونغ. وبالمثل، فإن أرقام نظام ”آي أو إس“ تجعله في المركز الثاني بنسبة استخدام 15٪ تقريبًا مُقابل اكتساح كامل لنظام أندرويد بنسبة لا تقل عن 85٪. أما قطاع الخدمات فهو بقيمة إجمالية تصل إلى 10 مليار دولار، إلا أن شركة ”سبوتيفاي“ المُتخصّصة في مجال الموسيقى فقط، والتي تُنافس خدمة ”آبل ميوزك“، حقّقت عائدات بلغت 1.2 مليار دولار أميركي خلال الربع المالي الثاني(4).

  

وعلى صعيد الحواسب، تترنّح آبل على مستوى العالم بين المركزين الرابع والخامس باستمرار، بحصّة تُقدّر بـ 7٪ تقريبًا عالميًا، في وقت يقبع فيه نظام تشغيل تلك الحواسب، ”ماك أو إس“، في المركز الثاني أيضًا عالميًا بنسبة 12.5٪ تقريبًا(5)(6).

 

جميع تلك الأرقام تُظهر أن آبل ليست صاحبة المركز الأول في أي من المجالات التي تُنافس فيها. لكنها وعلى الرغم من ذلك نجحت في الوصول لقيمة تريليون دولار من جهة، وفي صناعة مكانة يحرص الجميع على الوصول لها من جهة أُخرى من خلال تقليد بعض الصيحات التي تقوم بها!

  

آبل ”ستيف جوبز“

”سقوط آيقونة أميركية“ (The Fall of an American Icon)، بهذا العنوان تزيّنت أغلفة صحيفة ”بيزنس ويك“ (Business Week) في عام 1996، في إشارة منها لاقتراب نهاية عصر آبل التي بدأت في ثمانينات القرن الماضي مُحقّقة شُهرة كبيرة بفضل فكرها الثوري الذي حملته في بداياتها، والذي بدأ بالاختفاء شيئًا فشيئًا خصوصًا مع رحيل ”ستيف جوبز“ (Steve Jobs) بعد طرده من الشركة التي كان من أحد مؤسّسيها.

   

   

مسيرة آبل يُمكن تقسيمها إلى ثلاث فترات رئيسية، الأولى ما بعد التأسيس وهي فترة ذهبية، وبعدها فترة مُظلمة تضمّنت رحيل ”جوبز“ عن الشركة واستلام أكثر من رئيس تنفيذي لدفّة القيادة، متبوعة بحقبة ثالثة شهدت عودة ”جوبز“ وتصحيح المسار مع انتهاء تسعينات القرن الماضي، وهي مُستمرّة إلى الوقت الراهن.

  

”جوبز“ قاد الشركة بمفهوم مُختلف كثيرًا عن البقيّة، ففي وقت كان فيه نموذج ”بيل غيتس“ (Bill Gates)، القائم على ترخيص استخدام نظام ويندوز وبيعه لأكثر من شركة في نفس الوقت، ناجحًا ويدرّ الملايين على صاحبه، عاند ”جوبز“ تلك الفكرة وأكّد أن نظام ”ماك أو إس“ هو ملك لشركة آبل ولحواسبها فقط، ولن يسمح بترخيصه أو ببيعه لأي شركة أُخرى أيًا كانت على الرغم من حاجته الماسّة للمال وللانتشار خصوصًا في ذلك الوقت(7).

   

نفس الأمر اتّبعه مع الحواسب التي أنتجتها الشركة، فعوضًا عن السعي وراء تقديم مُنتج بسعر مُنافس، ابتعدت آبل عن اللعب بالنار وسعت لبيع القيمة التي سيحصل عليها المُستخدم عبر شراء تلك الأجهزة، وتلك إستراتيجيّة نجحت تارة، وأخفقت تارة أُخرى. لكنها صنعت مكانة خاصّة لشركة آبل في سوق الحواسب المكتبية والمحمولة ما زالت مُستمرّة حتى يومنا الحالي(8).

 

وبالقفز إلى 2007، العام الذي كشف فيه الراحل ”جوبز“ عن هواتف آيفون، فإن أول شيء قام به هو استخدام نفس مُعادلة التسعير المُستخدمة في الهواتف، وهذا عبر طرح الجهاز بسعر 600 دولار أميركي تقريبًا، في وقت كانت فيه أسعار الهواتف الذكية تبلغ وسطيًّا 150 دولار أميركي فقط. نفس الأمر تكرّر مع نظام ”آي أو إس“، فعوضًا عن ترخيصه وبيعه للشركات التي كانت بحاجة لنظام يُساعدها على إنتاج هواتفها الذكية الخاصّة، امتنع ”جوبز“ عن منح هذا الأمر لأحد، ليأتي نظام أندرويد على صفيح من ذهب لكسب المُنافسة.

     

   

وبالنظر إلى الفكر السابق، وإلى الأرقام التي حقّقتها الشركة عالميًا، فإن الهدف لم -ولن- يكن احتلال المراكز الأولى في جداول الإحصائيات، فالشركة تبحث عمّا هو أعمق من ذلك، القيمة، التي تجعل المُستخدم راغبًا في تقييد نفسه داخل بيئة آبل غير المرنة إلى حد كبير، والتي تُجبره مثلًا على استخدام تطبيقات حصريًا من المتجر في نظام ”آي أو إس“، وعلى استخدام أسلاك توصيل خاصّة تُخالف العرف السائد في الأسواق، ”لايتنينغ“ (Lightning) مُقابل ”يو إس بي سي“ (USBC)، دون نسيان تخلّيها فجأة عن بعض التقنيات لأنها من وجهة نظرها أصبحت قديمة ويجب التمهيد لما هو قادم.

     

ذلك التعنّت لم يمنع آبل من الوصول لغايتها لتكون بذلك الأولى عالميًا بعد سنوات من المنافسة على المركز الثاني وما بعده، مؤكّدة بذلك أن فكرها خلال العقود الأربعة الماضية لم يكن باليًّا، ورهانها كان في محلّه على المدى الطويل خصوصًا بعدما قال ”تيم كوك“ (Tim Cook)، الرئيس التنفيذي الحالي للشركة، إنه لا يكترث لقيمة سهم آبل كثيرًا بقدر ما يكترث لنموّه الذي يعني أن الشركة تعمل بشكل صحيح وتُقدّم مُنتجات مرغوبة، وتلك العوامل التي تؤثّر بشكل رئيسي على قيمة السهم لا العكس(9).

  

في جميع الأحوال، فإن تبدّل الصيحات التقنية يبدو أنه لا يؤثّر على الشركة أبدًا، فارتفاع نسبة مُساهمة قطاع الخدمات في عائدات الشركة يؤكّد أنها عثرت على نموذجها الجديد، دون نسيان المشاريع السرّية التي تتمثّل في نظام للسيّارات ذاتية القيادة وفي نظّارات الواقع المُعزّز، المجالات التي سترسم المعالم التقنية خلال العقد المُقبل، وتلك مجالات تبدو آبل جاهزة للمنافسة فيها بنفس الفكر الذي لعبت فيه منذ تأسيسها والذي أوصلها لما هي عليه اليوم؛ وعوضًا عن السعي خلف أكثر نسبة استخدام أو أكثر عدد أجهزة، سعت خلف القيمة التي سيشعر بها مُستخدمو أجهزة الشركة فقط.

     

تقارير متصدرة


آخر الأخبار