انضم إلينا
اغلاق
هل تكفي تغريدة واحدة لحماية الحقائق والتخلّص من الأخبار الكاذبة؟

هل تكفي تغريدة واحدة لحماية الحقائق والتخلّص من الأخبار الكاذبة؟

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

تُلاحِق كُبرى الشركات التقنية على غرار فيسبوك وتويتر، رفقة غوغل ومايكروسوفت، مجموعة مُختلفة من الهيئات القضائية تارة لخرقها قواعد المُنافسة وعدم الاحتكار، وتارة لعدم احترام خصوصية المُستخدمين، وتارة أُخرى لقصورها في مُحاربة الأخبار الكاذبة التي غيّرت الرأي العام ذات مرّة في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وهذه مُشكلة يُنظر لحلولها وكأنها مُستحيلة، إلا أنها قد تكون بسيطة جدا وفي مُتناول الجميع.

   

أصل الحكاية

لا تُعتبر مُشكلة الأخبار الكاذبة حديثة العهد أبدا، فشبكة الإنترنت منذ انتشارها وهي تُعتبر وسطا مُلائما لهذا النوع من الشائعات خصوصا مع الوصول إلى الجيل الثاني من تطبيقات الويب (Web 2.0)، الجيل الذي يعتمد على التشاركية وإنشاء المحتوى بعد سنوات من المحتوى الثابت الذي يتغيّر عن طريق هيئات محدودة فقط.

  

وبالعودة إلى الوراء قليلا، يُمكن اعتبار المُنتديات والبريد الإلكتروني من أول أوساط انتشار الأخبار الكاذبة، فالمُنتديات كانت عبارة عن منصّة تسمح لأي شخص بإنشاء حساب وهمي ونشر أي شيء دون أي قيود في مُعظم الأوقات، في وقت ترتبط فيه صحّة المعلومة بعدد مُشاركات صاحب الموضوع وتقييمه السابق، دون نسيان التعليقات على المعلومة نفسها والتي في بعض الأحيان قد تؤيّده دون أي مراجع، لعدم وفرتها إلكترونيا في ذلك الوقت.

  

       

أما البريد الإلكتروني، فالمجموعات كانت هي المصدر الرئيسي لجزء كبير من المعلومات والحقائق، وحتى الغرائب، التي تنتشر، دون نسيان قائمة الأصدقاء التي كانت تتبادل الرسائل فيما بينها دون التأكّد من مصداقية أي شيء أيضا، وهذا عن طريق زر إعادة التوجيه (Forward) الذي شقّ طريقه بنجاح إلى تطبيقات مثل "واتس آب" في الوقت الراهن. وما هي سوى سنوات قليلة حتى جاءت فيسبوك، وبعدها تويتر، فاسحين المجال أمام الجميع لنشر مُشاركات على حسابهم الشخصي يُمكن أن تصل إلى ملايين الأشخاص عن طريق إعادة النشر، إلا أن المصداقية هنا أعلى قليلا نظرا لارتباط الحسابات بأشخاص حقيقيين في مُعظم الأوقات. لكن هذا لا يعني أن نشر المعلومات المغلوطة وصل لنهايته.

 

حلول بنّاءة

لم تكن كثافة تدفّق البيانات على شبكة الإنترنت متروكة دون رقيب، فالكثير من الهيئات حاولت بشكل أو بآخر التدخّل لحماية المعرفة البشرية التي اعتمدت على الكُتب المنحوتة على الصخر في عصور، والمطبوعة على الورق في عصور أُخرى -على الشيء الملموس بمعنى آخر-، والتي واجهت لأول مرّة فكرة انتشار المعلومة بشكل آني كالنار في الهشيم.

 

بناء على ما سبق، خرجت مجموعة من المواقع التي كانت تتطرّق لموضوع واحد فقط، كالموسوعة الطبّية مثلا، أو دليل التعليم، أو المعاجم الرقمية التي تُتيح البحث عن معاني الكلمات على الإنترنت، وغيرها الكثير. إلا أن موسوعة "ويكيبيديا" (Wikipedia) قدّمت للعالم فكرة حماية المعرفة بشكل تشاركي عبر إتاحة إمكانية المُساهمة في أي مادّة موجودة على الموسوعة مع تقديم مراجع تُثبت صحّة تلك المُساهمة. كما يتطوّع أفراد لمُراجعة تلك المُساهمات للتأكّد من اعتمادها على مراجع ذات مصداقية أيضا.

 

تلك الجهود لم تكن كافية، فحتى الآن، أي في 2018، والمعلومات المذكورة في بعض المواضيع ليست صحيحة، ولا تعتمد على مراجع موثوقة. صحيح أن الموسوعة تضع عبارة "تحتاج إلى توثيق" (Needs Citation) أمام المُساهمات الجديدة، إلا أن هذا لم يمنع من إثارة المشاكل الأمر الذي دفع بعض الدول، مثل تركيا على سبيل المثال لا الحصر(1)، إلى حظر الموسوعة كاملة بسبب مُخالفة بعض المواضيع لقوانين الدولة هناك، الأمر الذي قد لا يجعل نموذج "ويكيبيديا" خيارا صحّيا لمعالجة مشاكل الوقت الراهن.

  

   

الشبكات الاجتماعية

تسارع تدفّق البيانات من جهة، وتزايد عدد مُستخدمي شبكة الإنترنت من جهة أُخرى، جعل الجهود على الموسوعات الإلكترونية غير كافية، وهو ما أدّى إلى شرخ واضح على الشبكات الاجتماعية كانت مُشكلة الأخبار الكاذبة من نتاجه، الأمر الذي دفع كل شركة تقنية إلى حمل راية التغيير للبحث عن حلول معقولة تقضي على المُشكلة من جذورها. لجأت فيسبوك، ومثلها غوغل، للاستعانة ببعض الهيئات المسؤولة عن تقصّي الحقائق وتأكيد صحّة المعلومات المذكورة في أي رابط يشهد إقبالا عاليا من قِبل مُستخدمي الشبكة الاجتماعية، أو مُحرّك البحث، إلا أن هذا يعني بالأساس أن الرابط والمعلومات بداخله وصلت لشريحة من الناس قبل اكتشاف أمرها، وهذا يعني أن انتشار الأخبار الكاذبة لا يزال موجودا، ولو بتأثير أقلّ(2).

 

آبل بدورها، رفقة "نتفليكس" (Netflix) على سبيل المثال لا الحصر، بصحبة بفيسبوك من جديد، قرّرت القضاء على المُشكلة من المنبع، فعوضا عن انتظار انتشار المعلومة، قرّرت كل شركة البدء في إنتاج برامج، أو منصّات، لنشر الأخبار، لتكون هي المصدر الذي يُمكن للمُتلقّي الاعتماد عليه دون صعوبات، على اعتبار أن مجموع مُستخدمي خدمات وأجهزة تلك الشركات يتجاوز حاجز المليارين تقريبا.

 

ولتحقيق تلك الغاية، استحوذت آبل على شركة "تيكستشر" (Texture) المسؤولة عن نشر مقالات مُختارة بعناية مصدرها أكثر من 200 مجلّة حول العالم(3)، أملا في إطلاق خدمة باشتراكات شهرية تُتيح للمُستخدمين الاطلاع على آخر الأخبار أولا بأول، ومن أكثر من مصدر، دون المرور بتلك الروابط المُخادعة التي تسعى لترويج الأكاذيب. أما "نتفليكس"، فهي ستقوم بإنتاج برنامج يومي يُعنى بالأخبار حول العالم، دون تحديد موعد وصوله بسبب حساسية هذا النوع من المحتوى(4)، في وقت تنوي فيسبوك تخصيص جزء من تطبيق "ووتش" (Watch) الخاص بالفيديو لعرض الأخبار الواردة من بعض المصادر الموثوقة عالميا، ومحلّيا كذلك(5).

    

  

الحل بتغريدة

لم يُنظر إلى معالجة مشاكل الأخبار الكاذبة برهبة إلا لأنها كبيرة بالفعل، فجميع الجهود والحلول تعتمد على دور للنشر لتكون مصدر المعلومة، وعلى منصّة لنشر تلك المعلومة، مع جهة مُنظّمة مسؤولة عن الربط والتنسيق. لكن أمثلة من أرض الواقع تُثبت أن هناك حلولا بسيطة ومنطقية وذات مصداقية أيضا موجودة على شبكات إجتماعية مثل تويتر، على سبيل المثال لا الحصر.

 

استغلّت حكومات مثل السويد واليابان شبكة تويتر الاجتماعية لمُلاحقة الأخبار الكاذبة أولا، ولمحاربة المعلومات المغلوطة ثانيا، فما أن تُذكر في تغريدة، أو رابط، معلومات عن تلك البلدان، حتى يتدخّل الحساب فورا لتأكيد، أو نفي، المعلومة مع دليل رسمي يؤكّد صحّة كلام القائمين على الحساب. بمعنى آخر، تغريدة لا يزيد طولها على 280 حرفا قادرة على إثبات حقيقة، أو نفي معلومة، بفضل جهود بعض الأشخاص المُتفّرغين لهذه المهمّة.

 

تخصّص تلك الحسابات بدولة ما سهّل مهمّتها. كما أن وجود موسوعة وقانون ساعد القائمين عليها على إرفاق دلائل بسهولة تامّة جدا. وهنا تبرز أهمّية مُبادرات مثل موسوعة "ويكيبيديا" على الرغم من مشاكلها المُختلفة، رفقة مُبادرات أُخرى جاءت بفكر مُعاصر وبحل منطقي يتماشى مع صيحات استهلاك المحتوى في 2018. "بيم بانيلز" (Beme Panels) كانت مُبادرة تهدف إلى الاستفادة من الاعتماد على المحتوى المرئي لطرح نقاش حول موضوع ما وتلقّي آراء المُستخدمين حوله. إلا أن تلك المُبادرة اختفت بعد أن قامت شبكة "سي إن إن" (CNN) بالاستحواذ على التطبيق وحوّلته إلى قناة على يوتيوب تطرح فيها تحقيقا كاملا عن موضوع ما لا تتجاوز مُدّته حاجز الـ 15 دقيقة بشكل وسطي.

 

منصّة "جمهرة" العربية أيضا تبدو كحل منطقي قد يكون قادرا على حل تلك الفجوة، فالموقع يُتيح المُساهمة في نشر مواد لا تتجاوز حاجز الـ 600 حرف، وهذا يتماشى مع صيحة استهلاك المحتوى في العصر الحديث وعتبات التنبيه المُتناقصة، والتي يحتاج المُسوّقون دائما إلى استغلالها بأسرع وقت مُمكن(6). نشر المواد في "جمهرة" لا يتم إلا بعد تأكيد الحقائق الواردة في الموضوع عبر روابط ذات مصداقية، لتكون مرجعا يُمكن العودة إليه والتأكّد في أي وقت من صحّة أي شيء موجود فيه، وكأنها "ويكيبيديا" مع لمسة عصرية تأخذ بعين الاعتبار أن قراءة آلاف الأسطر لا يستهوي الكثيرين.

 

   

يُمكن لمُستخدمي شبكة الإنترنت المُساهمة فعلا في القضاء على ظاهرة الأخبار الكاذبة عبر نشر تغريدة مزوّدة برابط يكشف الحقيقة كاملة، أو التوجّه لمنصّات صناعة المحتوى -القابل لإعادة النشر بسهولة- التي تطلب من مُرتاديها تزويد معلوماتهم بمصادر قبل نشرها. ومع وجود أكثر من 3 مليارات مُستخدم لشبكة الإنترنت، يُمكن أن يكون الإنسان هو الحل بعيدا عن ذكاء الآلة التي فشلت مرارا وتكرارا في حماية المعرفة البشرية(7).

تقارير متصدرة


آخر الأخبار