انضم إلينا
اغلاق
سور الصين العظيم.. سد تتحطم أمامه شركات التقنية الأميركية

سور الصين العظيم.. سد تتحطم أمامه شركات التقنية الأميركية

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

لم تكن العلاقات الصينية الأميركية على الصعيد التقني بحاجة إلى وصول ترامب إلى سُدّة الرئاسة الأميركية -الذي فرض بدوره مزيدا من الضرائب على الإلكترونيات الصينية(1)-، أو لإيقاف عقود شركة هواوي واتهامها بالتجسّس لصالح الحكومة الصينية(2)، من أجل أن تضطرب، فالصين ومنذ سنوات عديدة كانت سدًّا منيعا على الشركات الأميركية، سدٌّ تجسد في أوضح صوره عبر فشل آبل في الحصول على حصّة أكبر في السوق الصيني، وهو السيناريو ذاته الذي عاشته أوبر، وقبلها فيسبوك، وأمازون، بالإضافة إلى غوغل أيضا.

 

أوبر وديدي

عَوّلت شركة آبل، ومثلها سامسونغ أو أي شركة تقنية ترغب في التوسّع وتحقيق نمو في المبيعات، على الصين المُكتظّة سُكّانيا بأكثر من مليار و300 مليون نسمة، ففرصة مثل هذه لا تُعوّض، صحيح أن الثقافة فيها مُختلفة بشكل كامل عن الثقافة الغربية، إلا أن عقلية تلك الشركات الفريدة (Unicorn) جعلتها تؤمن بإمكانية تخطّي ذلك الحاجز الكبير، فمن بعثر السوق التقني مرّة، بإمكانه بعثرته أكثر من مرّة. "أوبر" (Uber) بقيادة رئيسها التنفيذي السابق، وأحد مؤسّسيها، "ترافيس كالانيك" (Travis Kalanick) قرّرت دخول السوق الصينية لتغيير شكل النقل فيه وتقديم مفاهيم جديدة على غرار النقل التشاركي بعدما نجحت في القيام بهذا الأمر في أكثر من دولة ومدينة حول العالم.

 

أثار فشل الشركات التقنية الكُبرى حفيظة "كالانيك" الذي أراد دراسة السوق الصينية عن قُرب والتعلّم منه ليُصبح مثالا يُحتذى به، وبعدما سافر رفقة بعض المسؤولين في الشركة إلى الصين طلب من أحد المُطوّرين في الشركة إطلاق نسخة خاصّة بالصين، الأمر الذي لم يكن سهلا على الإطلاق لأكثر من عامل أهمّه نظام الخرائط، فتطبيق "أوبر" اعتمد على خرائط غوغل المحظورة في الصين، وهذا يعني ضرورة العثور على بدائل واستخدامها، وهو أمر سيستغرق كثيرا من الوقت الذي لم يمتلكه "كالانيك".

 

شركة  "ديدي" (Didi) الصينية المحلية للنقل التشاركي (رويترز)

 

وبعد عدّة محاولات، دخلت "أوبر" إلى بعض المُدن الصينية وحاولت التوسّع فيها شيئا فشيئا، ومع تأمين دعم مادّي من عملاق البحث الصيني "بايدو" (Baidu)، حصلت الشركة على أفضل شريك خصوصا بعد استخدام نظام الخرائط الذي يوفّره(3). ولم تكن الشركة الأميركية أول من يُقدّم خدمة النقل التشاركي في الصين، فشركات محليّة مثل "ديدي" (Didi) و"كوايدي" (Kuaidi) كانت هي الأُخرى في السوق وتُسيطر على جزء كبير منه.

 

صرفت "ديدي" و"كوايدي" مليارات الدولارات للحصول على حصّة أكبر من السوق الصينية، وتلك شركات دُعمت من "تينسنت" (Tencent) و"علي بابا" (AliBaba)، الشركات التي تُكمل مُثلّث الكبار في الصين رفقة "بايدو"، إلا أنها بعد توسّع "أوبر" التي حصلت على حصّة 1٪ مع نهاية عام 2014 تقريبا عملت بالمثل القائل: "أنا وابن عمّي على الغريب"، مُعلنة -أي "ديدي" و"كوايدي"- عن اندماجها تحت شركة واحدة لتقف بذلك في وجه "أوبر"(4).

 

 

يعيش "كالانيك" على التحدّيات، فهو لم يتراجع وقرّر رفع سقف التحدّي في سوق هو غريب تماما عنه، وحصل على استثمارات وصلت إلى 5 مليارات دولار أميركي لتصل قيمة شركته إلى 68 مليار دولار أميركي تقريبا، ليبدأ بالعمل على مبدأ الخسارة في السوق الصينية وعدم تحقيق أي أرباح أملا في التوسّع ومنافسة "ديدي"، وبعد عام تقريبا من المنافسة، وخسارة أكثر من ملياري دولار أميركي، رضخت "أوبر" للأمر الواقع ووافقت على بيع نفسها لشركة "ديدي" لأن المُنافسة لن تنتهي، وصرف المليارات على التوسّع لن يُفيد أحد، فالأفضل استثمارها في مجالات أُخرى كتقنيات القيادة الذاتية، لتخرج بذلك "أوبر" من السوق الصينية بشكل غير رسمي(5).

 

أمازون وفيسبوك

قبل "أوبر"، حاولت أمازون وفيسبوك، وغيرها من الشبكات الاجتماعية، دخول السوق الصينية أيضا، لكن الكثير من العوامل وقفت أيضا في وجهها. أمازون، الشركة التي نجحت في تغيير شكل التجارة الإلكترونية في أميركا، وفي جميع أنحاء العالم فيما بعد، تُعتبر من أبرز الشركات التي تمتلك دليلا للانتشار ولدخول البلدان الجديدة دون أي مشاكل، فهي دخلت المملكة المُتحدة وألمانيا واليابان وسيطرت عليها دون مشاكل تُذكر، فما الذي يمنعها من تكرار النموذج نفسه في الصين؟

 

لم تدخل أمازون السوق الصينية عام 2004 وحيدة، فهي قرّرت الاستحواذ على موقع "جويو.كوم" (Joyo.com) الذي كان آنذاك متجرا إلكترونيا لبيع الكتب، فبالاستفادة من خبرته في السوق، يُمكن للشركة تكرار نموذج توسّعها نفسه في أميركا عبر بيع الكتب أولا، ومن ثم البدء في الترويج لمُنتجات أُخرى(6).

اصطدمت أمازون بمشاكل قانونية بسبب الشركة التي استحوذت عليها. وبسبب جهلها في السوق الصينية، لم يكن سهلا عليها تدارك الأمر في ظل وجود مُنافسين بحجم "علي بابا" منذ عام 1999 و"جينغ دونغ" (JingDong) الذي انطلق عام 2004، والذي سيطر فيما بعد على جزء كبير جدا من التجارة الإلكترونية في الصين بفضل انتشار مخازنه في مُعظم المُدن الصينية، وتوفيره لحلول دفع تُلائم نمط الحياة هناك.

 

"جينغ دونغ" (JingDong) الصينية (رويترز)

 

متاجر مثل "تاوباو" (Taobao) و"تي مول" (Tmall)، التي تعمل تحت مظلّة "علي بابا"، نجحت في الانتشار والتوسّع لأنها خفيفة الحركة ولا تعتمد على المخازن، فهي توفّرت كمنصّات وسيطة تجمع بين البائع والمُشتري، ولا علاقة لها بحلول التخزين ولا حتى بحلول التوصيل، وبالتالي مصاريف أقل، الأمر الذي سمح لها بتحقيق أرباح أعلى استثمرتها في تطوير تقنيات أُخرى مثل "علي باي" (Alipay) للدفع الإلكتروني (7)(8).

 

أما فيسبوك، ومثلها تويتر وغوغل قبل ذلك، فهي عانت الأمَرَّين في السوق الصينية بسبب القيود الحكومية، فالشركة وجدت نفسها مُضطرة لتقديم بيانات بعض المُستخدمين والتعاون مع رقابة الحكومة الصينية الصارمة دون وجود أوامر قضائية دائما، وهو ما صعّب مهمّتها مع مرور الوقت. حاولت الشركة عموما أن تكون مرنة قدر الإمكان، لتصطدم بقبضة الحكومة وبحظر كامل لجميع خدماتها بما في ذلك شبكة "إنستغرام"، لتبدأ بخسارة حصّتها الصغيرة هناك شيئا فشيئا مع ظهور مُنافسين على غرار "وايبو" (Weibo) و"وي تشات" (WeChat)، دون نسيان "كيو كيو" (QQ) من "تينسنت"، لتخرج مهزومة رفقة تويتر أيضا.

حظر "فيسبوك" لم يكن في حقيقة الأمر بسبب عدم الامتثال لقوانين الحكومة هناك، فالتسوية كانت مُمكنة، إلا أن خوف الحكومة الصينية من انتشار فيسبوك وغوغل دفعها لهذا الأمر لأن مُعظم الشركات في الغرب تعتمد على واجهات تلك الشركات البرمجية؛ مثل واجهة تسجيل الدخول في فيسبوك أو خدمة خرائط غوغل، وبالتالي بيانات مُفصّلة عن سلوك المُستخدمين في الصين، الأمر الذي سيمنح تلك الشركات فهما أعمق للسوق الصينية ولمُستخدميه، وهو شيء لا ترغب به أي دولة، لأن تحريض الشعب والتحكّم به سيُصبح أسهل، ولعل تدخّل الحكومة الروسية في قرار الشعب الأميركي خير دليل على هذا الخوف.

 

سور الصين العظيم
عرض لبعض منتجات شاومي (Xiaomi) خلال مؤتمر صحفي في هونج كونج، الصين (رويترز)


وفي وقت عانت فيه الشركات آنفة الذكر من تدخّل الحكومة لصالح الشركات المحليّة تارة، ولرقابة عالية على خدماتها تارة أُخرى، كان لخسارة آبل، وسامسونغ أيضا، سبب آخر يتمثّل في سرقة التصاميم وتقليد الأجهزة دون وجود أي رادع قانوني يمنع هذا الأمر.

اعتمدت آبل منذ الكشف عن هواتف آيفون على سياسة التدرّج في توفير الأجهزة التي تتوفّر في أميركا وبعض الدول الأُخرى بداية، قبل أن تبدأ بالوصول إلى مجموعة جديدة من الدول بعد شهرين تقريبا من الكشف عنها. وبعدما كانت الصين من ضمن بلدان المجموعة الثالثة أو الثانية، تحوّلت فيما بعد لبلدان المجموعة الأولى التي يحصل مواطنوها على هواتف آيفون فور صدورها، وهذا أملا في كسب ود الكثير منهم، وهو ما لم يحصل مع آبل التي تتعامل وسائل الإعلام مع هزيمتها هناك على أنها الشيء الفريد الذي لم يشهد العالم التقني مثله من قبل.

 

أسعار هواتف آيفون المُرتفعة كان لها أثر سلبي أيضا في ظل وجود بدائل محليّة الصنع بمواصفات مُرتفعة، وبمزايا لا مثيل لها في بعض الأحيان، وبأسعار أفضل. فهذا العامل قضى أيضا على حظوظ شركة سامسونغ في الصين على الرغم من إنتاجها لهواتف من مُختلف الشرائح السعريّة، وبنظرة على الشركات الخمس الأولى هناك توجد هواوي في المُقدّمة بحصّة 23٪ تقريبا، متبوعة بـ "فيفو" (Vivo)، ثم "أوبو" (Oppo)، وشاومي (Xiaomi)، وأخيرا آبل في المركز الخامس بحصّة تقل عن 9٪(9)(10).

 

 

قائمة الشركات التقنية، الأميركية والعالميّة، التي فشلت في دخول السوق الصينية طويلة جدا، وقصص النجاح للقادمين من الخارج قليلة أو تكاد تكون معدومة، لأن إمبراطوريّة بحجم الصين تحتاج إلى لاعب داخلي قادر على توطيد علاقاته مع الحكومة هناك، وهو شيء قامت به "أوبر" عبر التقرّب من "بايدو"، وهو شيء لا تقوى عليه آبل مثلا أو غوغل، صحيح أنها تعتمد على شركات محليّة لتجميع أجهزتها الذكية هناك، إلا أن هذا الأمر لم ينفعها على المدى الطويل، لتلعب دور المُتفرّج وتُحوّل أنظارها إلى الهند التي قد تشهد هي الأُخرى ثورة صناعية وتقنية تُزيح فيها الأسماء الخارجية(11)، لتتبخّر بذلك أحلام التوسّع الخارجي لمُعظم الشركات التقنية وتُصبح الطرف الأضعف على طاولة المُفاوضات. لكن إذا عُرف السبب، بطل العجب.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار