انضم إلينا
اغلاق
تقنيات التشفير.. هل استثمر الإرهاب تطبيقات المحادثات الفورية؟

تقنيات التشفير.. هل استثمر الإرهاب تطبيقات المحادثات الفورية؟

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

ما أن يبدأ الحديث عن تقنيات التشفير الحديثة (End-to-End Encryption) المُستخدمة في تطبيقات المحادثات الفورية حتى تخرج الأصوات المُعارضة من جهة السياسيين مُطالبة بإلغاء استخدام هذا النوع من التقنيات لدواعي أمنيّة وخوفًا من الإرهاب الذي يمتلك تاريخًا طويلًا يعود لما قبل ظهور التقنيات الحديثة، فهل هناك فعلًا علاقة وثيقة بين الإرهاب والتشفير؟ أم أنه حجّة تسعى فيها السُلطات لإيجاد أي طريقة لمُراقبة المُستخدمين ورسائلهم؟

    

الإرهاب في العصر الحديث

سهّلت وسائل التواصل الاجتماعي عمليّة نقل الأخبار، ونشر الإشاعات، حتى دون التأكّد من مصداقيّة ما ورد فيها بشكل كامل، فأي خرق أمني يحدث في بلد ما يُنقل بداية على أنه عملية إرهابيّة انتقامية. ومن هنا، فإن حوادث الطعن وإطلاق النار التي حدثت في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الأعوام الخمسة الأخيرة سجّلت جميعها على أنها عمليات إرهابية تستهدف أمن أرض الأحلام(1). وعندما تُثبت السجّلات عكس ذلك، قيل أن مُنفّذ العملية يُعاني من اضطرابات نفسيّة وتنتهي الحكاية(2).

   

   

المملكة المُتحدة شهدت منذ عام 2011 أكثر من حادثة خارجة عن المألوف، إرهابيّة، ففي عام 2011 تم الاعتداء على رجل شرطة أيرلندي من قبل مُنشقّين عن الجيش عبر زرع قُنبلة أسفل سيّارته. بينما اعتدى جهاديّون على ضابط في الجيش الإنكليزي وقاموا بقتله، وهذا في عام 2013. في 2016، شهدت البلاد حادثتين، بينما شهدت في عام 2017 ثلاث حوادث نفّذها مُتشدّدون راح ضحيّتها ما بين 40 إلى 50 شخص تقريبًا، مع عشرات الجرحى وهذا عبر استخدام سيّارة لدهس المُشاة تارة، أو استخدام الأحزمة الناسفة تارة أُخرى(3).

 

فرنسا بدورها لم تسلم من الهجمات الإرهابية في العصر الحديث، ففي عام 2015، وتحديدًا في (نوفمبر/تشرين الثاني)، شهدت العاصمة باريس أسوأ حادثة إرهابية بعدما استهدف جهاديون ينتمون لتنظيم الدولة مُباراة كُرة قدم بين المُنتخب الفرنسي والألماني، تاركين ورائهم أكثر من 130 قتيل، وأكثر من 350 جريح. في وقت شهد فيه شهر (يوليو/تموز) من عام 2016 كارثة أُخرى في مدينة نيس بعد هجوم إرهابي خلّف أكثر من 90 قتيل و400 جريح(4). وبالمُجمل، فإن عدد الحوادث الإرهابية هناك، منذ عام 2010، يتراوح بين 150 و160 حادثة تقريبًا، في وقت لا يتجاوز فيه الرقم حاجز الـ 70 حادثة في المملكة المُتحدة خلال نفس الحقبة(3).

   

   

قائمة الحوادث الإرهابية تطول في الفترة الأخيرة، ليس بسبب انتشار التقنية، بل بسبب التغيّرات السياسيّة التي طالت مُعظم بقاع الكُرة الأرضيّة. إلا أن الولايات المُتحدة الأمريكية وروسيا، كانتا من أشدّ المُعادين لتطبيقات المحادثات الفورية التي توفّر خاصيّة التشفير الكامل، فالسُلطات الروسية قامت بحظر تطبيق ”تيليغرام“ (Telegram) بسبب رفض القائمين عليه توفير أبواب خلفيّة أو إرسال مفاتيح التشفير للجهات المُختصّة لتبقى على اطلاع كامل على محادثات المواطنين هناك(5). ولم تتوقّف القبضة الأمنيّة على تطبيقات المحادثات الفورية، فمزوّدات خدمة البريد الإلكتروني مثل ”بروتون ميل“ (ProtonMail) حُظرت مؤخّرًا بسبب إرسال رسائل تهديد لمراكز الشرطة باستخدامها(6). ولأن ”بروتون ميل“ يوفّر تقنيات تشفير عاليّة، من الصعب جدًا تحديد هوية المُرسل لإلقاء القبض عليه.

 

نفس الأمر كرّرته الولايات المتحدة الأمريكية، لكن بدون حظر أي خدمة، وهذا بعدما دخل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في سجال طويل مع شركة آبل بسبب تقنيات التشفير المُستخدمة في نظام ”آي أو إس“ (iOS)، بعدما حاول المكتب مرارًا وتكرارًا فك قفل هواتف ذكيّة تعود مُلكيّتها لمُنفّذي عمليات إرهابيّة أملًا في العثور على أي معلومات تُفيد في الوصول لبقيّة أفراد الخلايا. كما دخلت شركات مثل غوغل وفيسبوك في نفس السجال الذي لم، ولن، ينتهي بسهولة(7)(8).

   

   

الإرهاب ما قبل التشفير

اعترف القائمون على تطبيقات مثل تويتر، وفيسبوك، وحتى ”تيليغرام“، باستغلال تقنيات التشفير من قبل الإرهابيين للتواصل فيما بينهم، مؤكّدين جميعهم أن الحل يكمن في مُحاربة تلك الحسابات وفي منعها من الوصول أساسًا للمنصّة لتجنّب الترويج لأية أخبار وشعارات تطرّفيّة تؤدّي إلى مثل تلك الحوادث(9). إلا أن التاريخ ما قبل عام 2010، يُثبت عدم وجود علاقة مُباشرة بين الإرهاب والتشفير.

   

في أوروبا على سبيل المثال، ازدادت نسبة الوفيّات شهريًا جراء العمليات الإرهابية ما بين عامي 1999 و2004 بمُعدّل 21٪ تقريبًا. بينما ازدادت النسبة بمُعدّل 14٪ تقريبًا في الفترة ما بين 2004 و2014(10). ولرُبّما يذكر التاريخ تفجيرات مدريد في عام 2004 التي راح ضحيّتها 200 شخص تقريبًا، مع أكثر من 2000 جريح، وتلك تفجيرات رُبطت بداية بتنظيم القاعدة، قبل أن يتم ربطها بالأحزاب السياسيّة فيها(11).

   

   

وقبل مدريد، عاشت ولاية ”نيويورك“ (New York) أعنف حادثة في تاريخها المُعاصر، والقديم بنسبة كبيرة، بعد تفجيرات 11 (سبتمبر/أيلول) التي خلّفت أكثر من ثلاثة آلاف قتيل وأكثر من 6000 جريح، دون نسيان انهيار مركز التجارة العالمي بشكل شبه فوري بعد اصطدام الطائرات فيه، ليُعلن تنظيم القاعدة مسؤوليته عن الهجوم الذي غيّر تاريخ الشرق الأوسط بلا عودة.

 

استمرّت الهجمات الإهابية على نفس الوتيرة، ففي عام 2002 هزّ مدينة بالي الأندونيسية تفجيرين راح ضحيّتهما أكثر من 200 شخص، قبل أن تتعرّض مدينة اسطنبول التركية لتفجيرين آخرين في 2003 رح ضحيّتهما أكثر من 50 شخص تقريبًا. أما العاصمة الإنكليزية لندن، فهي تعرّضت في عام 2005 لسلسلة تفجيرات إرهابيّة في شبكة ميترو الأنفاق راح ضحيّتها أكثر من 50 شخص أيضًا، ليأتي الدور في 2008 على مدينة ”مومباي“ الهندية في هجوم راح ضحيّته أكثر من 160 شخص(12).

 

البيضة أم الدجاجة؟

  

لا يمكن لوم تطبيقات المحادثات الفورية وتقنيات التشفير الكامل فيها واعتبارها السبب الرئيسي في الإرهاب، فالأرقام لا تكذب، والحوادث لم تتغيّر بشكل جذري مع انتشار شبكة الإنترنت والأجهزة الذكية، فلكل حقبة زمنية وسائل تواصلها الخاصّة التي لن تقف سدًّا منيعًا في وجه الراغبين في تنفيذ عمليات من هذا النوع. كما أن اعتبارها مُذنبة يعني إمكانية لوم شركات الطيران التي نقلت مُنفّذي تلك العمليات من مكان للآخر، أو لوم النفادق التي آوتهم قبل الشروع فيها، لأنهم لم يتفقّدوا تاريخ زبائنهم أو سلوكهم خلال تلك الفترة.

   

الهندسة العكسيّة قد تكون مُفيدة في مثل هذه الحالات، فمُعظم تلك التطبيقات تطلب من المُستخدم عند تسجيل حساب جديد استخدام رقم هاتف لإرسال رمز التأكيد. ومن هنا، فإن فرض قوانين -وهو أمر موجود في مُعظم البُلدان- تُجبر شركات الاتصالات على عدم بيع أي خط دون وجود وثيقة شخصيّة يتم التأكّد من صحّة إصدارها من قبل نظام موحّد قد يحد بشكل أو بآخر من إنشاء الحسابات، إلا أن التركيز على هذه النقطة لوحدها لن يكون له فائدة، لأن هذه الشريحة من البشر ستجد طريقة للتواصل بأي شكل من الأشكال.

     

في تطبيقات مثل ”تيليغرام“، تُعتبر القنوات من أفضل الأوساط التي تنشط فيها تلك الخلايا، فعبرها يُمكن تبادل الروابط والأخبار ومقاطع الفيديو دون قيود

رويترز
   

تزايد أعداد المُنضمّين لهذا النوع من الجماعات ساهمت فيه بكل تأكيد الشبكات الاجتماعية عبر الأخبار الكاذبة من جهة، وعبر الحملات الترويجية من جهة أُخرى. وبالتالي، فإن تكثيف العمل على الحد من انتشار الأخبار الكاذبة من شأنه التقليل من انتشار تلك الجماعات. وهو أمر تسعى الشبكات الاجتماعية، وغوغل، على تطويره عبر أكثر من طريقة تضمن أن لا يجد المحتوى الإرهابي طريقه بسهولة(13)(14).

   

وفي تطبيقات مثل ”تيليغرام“، تُعتبر القنوات من أفضل الأوساط التي تنشط فيها تلك الخلايا، فعبرها يُمكن تبادل الروابط والأخبار ومقاطع الفيديو دون قيود. كما يُمكن الوصول لها باستخدام مُحرّك البحث، وبالتالي فهي تُعتبر الخطر الأكبر الذي يعمل مُهندسوا التطبيق على القضاء عليه قدر الإمكان، حالهم حال مُهندسي تويتر، وبقيّة التطبيقات بطبيعة الحال، الذين قاموا بتطوير خوارزميات قادرة على اكتشاف المحتوى الذي يدعوا للعنف ويحثّ على تنفيذ العمليات الإرهابية المُتطرّفة(15).

   

وبالعودة من جديد إلى تسليم مفاتيح تشفير المحادثات للجهات الحكومية، فهذا إن حدث يعني أنها -أي الجهات الحكومية- بحاجة لمُراقبة كل رسالة صادرة وواردة بشكل آني مع تحليل محتواها للعثور على كلمات مُفتاحيّة قد تُدين أصحابها وتُبطل مفعول خططهم، وهو شيء قد يكون له تأثير إيجابي محدود نظرًا لعدد المُستخدمين والرسائل المُتبادلة يوميًا. لتبقى خطوات مثل الحد من الحسابات الوهميّة، رفقة تحليل الروابط والقنوات ومحتواها أفضل وأكثر فاعلية، لأن الخوف ليس ممن تلطّخت عقولهم، بل بالأشخاص الذين قد يسيروا على نفس الخُطا لأنهم تربّوا على تقبّل أي جديد وشائع دون التفكير فيه بشكل منطقي وعقلاني.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار