انضم إلينا
اغلاق
"غوغل ستاديا".. منصة ألعاب أم فخ للتجسس ودراسة سلوكنا؟

"غوغل ستاديا".. منصة ألعاب أم فخ للتجسس ودراسة سلوكنا؟

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

حصلت منصّة "ستاديا" (Stadya) للألعاب من غوغل على ما يكفي من المديح منذ الإعلان رسميا عنها قبل أسابيع قليلة لأنها جاءت لتقديم تجربة غير مسبوقة للألعاب الإلكترونية. لكن، وبما أن الحديث عن غوغل، فالوجه الآخر سيكون حاضرا. والضحيّة، كما جرت العادة، هم المُستخدمون الذين سيُصبحون فئران تجارب في مُختبرات غوغل الجديدة للأسف.

  

أيقونات آيفون

بدأت شركة آبل قبل عقد ونصف من الزمن تقريبا بالعمل على تطوير أول هاتف ذكي لها داخل مُختبراتها في مشروع سرّي عمل أكثر من فريق على تطويره دون أن يعرفوا بالأساس أنهم يعملون بالنهاية على تطوير الجهاز نفسه. تلك السرّية استمرّت لأعوام طويلة حتى بعد إطلاق الهاتف في الأسواق وتقديم أكثر من عشرة أجيال منه(1).

  

المُثير في تجربة تطوير آيفون لم يكن أبدا التقنيات المُستخدمة، بل روح الإبداع التي كانت موجودة لدى الفريق لأنهم وللمرّة الأولى كانوا يتعاملون مع هذا النوع من الأجهزة، فلتجربة المكونات الداخلية ومدى توافقها بأسرع طريقة مُمكنة، قام الفريق بتطوير لوحة رئيسية، مثل تلك الموجودة في الحواسب، وقاموا بتوصيل الشرائح المطلوبة بطريقة تبدو بدائية، لكنها سمحت لهم بتغيير أي مكوّن بسرعة كبيرة، دون الحاجة إلى الدخول في تعقيدات عمليات الإنتاج(2).

    

  

تفكير المُهندسين خارج الصندوق لم يقتصر على الدارات الكهربائية فقط، بل على بعض التفاصيل الصغيرة مثل حجم الأيقونات، فالمُستخدم سيتعامل مع العناصر بإصبعه فقط، وهذا يعني وجود أحجام مُختلفة للأصابع تجعل الأمر أكثر صعوبة، ومن هنا جاءت فكرة تطوير لعبة خاصّة لهذا الغرض تُتيح لفريق التصميم اتخاذ القرار المُناسب.

  

اللعبة كانت تقوم بعرض مجموعة من الأيقونات بشكل عشوائي مع تغيير حجمها وموقعها على الشاشة، والمُستخدم يحتاج فقط إلى لمس الأيقونات بأكبر سرعة مُمكنة طوال الوقت. الخوارزميات خلف الكواليس كانت تقوم بإجراء دراسة إحصائية لمعرفة الأيقونة التي نجح الجميع بالضغط عليها طوال الوقت أيًّا كان موقعها داخل الشاشة، وهو ما سمح للمُصمّمين فيما بعد باختيار 75 "بكسل" كأبعاد افتراضية مُلائمة للجميع(3).

   

  

الألعاب والسلوك النفسي

بحسب "ريتشل كوويرت" (Rachel Kowert)، الباحثة في شركة "تيك ثيز" (Take This)، فإن الألعاب بشكل عام يُمكن أن تُعطي تصوّرا كاملا لأي باحث نفسي عن حالة الشخص من الناحية النفسية من خلال دراسة سلوكه في بعض المواقف.

   

"في الألعاب الإلكترونية، يُمكن تسليط الضوء على المسافة التي يتركها اللاعب بينه وبين البقيّة، وعلى تفاعله مع بقيّة اللاعبين، بالإضافة إلى تنسيقهم مع البقيّة لإتمام المهام، دون نسيان اختيارهم للألعاب الجماعية على حساب الفردية، وهذا للحصول على فهم أوسع لحالة الشخص النفسية"، بهذا الشكل ترى "كوويرت" أهمّية الألعاب الإلكترونية وعلاقتها الوطيدة بالطب النفسي في الوقت الراهن، إلا أن المُشكلة تكمن في عدم وجود أدوات تُتيح معرفة تلك البيانات بشكل آنيّ، فالأطباء يلجؤون لطرح السؤال على اللاعبين بعد الانتهاء من اللعبة، وهذا يعني أن الإجابات قد لا تكون دقيقة بنسبة 100٪ طوال الوقت(4).

   

شركة "بليزارد" (Blizzard) المُطوّرة للعبة "وورلد أوف وركرافت" (World of Warcraft) عالجت المُشكلة التي تحدّثت عنها "كوويرت"، المُتمثّلة في عدم وجود أدوات تُتيح دراسة السلوك أثناء اللعب، من خلال تطوير تلك الأدوات المفقودة، لكنها بغرض تطوير اللعبة بدرجة كبيرة جدا، فدراسة المحادثات الصوتية، على سبيل المثال لا الحصر، أتاحت للمُطوّرين معرفة الاختلاف بين النساء والرجال في الألعاب الإلكترونية(5)(6).

       

وفي مجال ليس ببعيد عن الألعاب الإلكترونية، المواقع والتطبيقات، وفّرت الشركات أدوات تُتيح دراسة سلوك المُستخدم منذ اللحظة الأولى لدخوله وحتى خروجه، وهذا لإصلاح أي مشكلات دون الحاجة إلى التبليغ عنها بالأساس، إضافة إلى تقديم مزايا جديدة تُسهّل تجربة الاستخدام قدر الإمكان.

   

استعلامات غوغل

في عام 2007، قدّمت شركة غوغل خدمة تُعرف باسم "غوغ-411" (Goog-411)، وهي عبارة عن مُجيب آلي بتقنيات قادرة على فهم كلام المُتّصل تُتيح له البحث عن شركة ما داخل أميركا أو كندا، وكأنها مقسم للاستعلامات لكن بشكل آلي ومؤتمت؛ المُستخدم يتّصل ويسأل عن رقم مركز صيانة مايكروسوفت مثلا وسيقوم النظام بفهم كلامه أولا ومن ثم تقديم رقم مايكروسوفت للاتصال بها ثانيا.

   

بالنظر إلى مثل هذه الخدمة، فشركة غوغل المُتخصّصة في مجال البحث على الإنترنت كانت بعيدة كل البُعد عن مجال الاتصالات والهواتف، فتركيزها كان على الخدمات الإلكترونية أولا وأخيرا، إلا أن مثل هذه الخطوة كانت لبنة أولى لمجموعة من الخدمات التي ظهرت لاحقا، فالشركة قدّمت ميزة الأوامر الصوتية في أندرويد لأول مرّة في عام 2010، متبوعة بخدمة "غوغل ناو" (Google Now) التي اعتُبرت أول شكل من أشكال المُساعدات الرقمية التي تُقدّمها غوغل.

   

   

أما "غوغل أسيستنت" (Google Assistant)، مُساعد غوغل الرقمي، فهي النتيجة النهائية لخدمة الاستعلامات تلك، فالمُساعد الرقمي متوفّر الآن في أكثر من مليار جهاز حول العالم وقادر على فهم كلام المُستخدم بسهولة، دون نسيان إمكانية الاتصال بالشركات والحديث بالنيابة عن المُستخدم نفسه.

  

بحسب "ماريسا ماير" (Marissa Mayer)، المسؤولة السابقة عن خدمات البحث في غوغل، فتطوير غوغل لتقنيات البحث الصوتي كان مشروعا صعب المنال في البداية، إلا أن "غوغ-411" سهّل المهمّة لأن الخوارزميات تعلّمت طريقة كلام المُستخدمين وآلية صياغة الجُمل باللغة الإنجليزية(7).

  

"ستاديا"

بالبحث في أرشيف غوغل الحالي، وفي البيانات التي تعرفها عن المُستخدم، يُمكن معرفة مزاج المُستخدم، تفضيلاته من ناحية العلامات التجارية، الأماكن التي يزورها، مجال عمله، بالإضافة إلى بعض المعلومات الشخصيّة مثل الحالة الاجتماعية وعدد الأولاد وما إلى ذلك، خصوصا أن غوغل تقوم أساسا بقراءة الرسائل الواردة في "جي ميل" (Gmail)، وبتخزين عمليات البحث التي تجري، دون نسيان الموقع الجغرافي عبر خرائط غوغل، وطبعا نظام أندرويد الذي يُعتبر كنزا ثمينا. لكن ما ستُقدّمه "ستاديا" سيفوق، من حيث الأهميّة، جميع ما سبق.

     

  

دراسة غوغل لسلوك مُستخدمين "ستاديا" داخل الألعاب يعني تكرارا لتجربة "كوويرت" لكن على نطاق واسع، وعبر أدوات أكثر تطوّرا، لتكون المُحصّلة النهائية أرشيفا قادرا على وصف شخصيّة المُستخدم، ومدى حُبّه للمُجازفة، وما الأمور التي تُثير انتباهه قبل أي شيء، وما نقاط ضعفه، أي إنها ستكون قادرة على مُحاكاته بشكل كامل وبأدق تفاصيله بالنظر إلى حجم البيانات التي ستُصبح قادرة على جمعها.

   

بالطبع لم تُعلّق الشركة على هذا النوع من الأسئلة المُباشرة، فهي اكتفت بالقول إن جمعها للبيانات دائما ما يكون بنيّة تحسين تجربة الاستخدام. لكنها في الوقت ذاته، وفّرت جزءا كبيرا من البيانات التي تجمعها حاليا للمُعلنين، ولا يوجد ما يمنعها مُستقبلا من تقديم تلك البيانات الحسّاسّة لهم من جديد، لتُصبح رؤية المُعلن أكثر وضوحا، وبالتالي استهداف الشريحة المطلوبة بسهولة أكبر، لتكسب غوغل من مُشتركي "ستاديا" تارة، ومن بيع بياناتهم للمُعلنين تارة أُخرى.

   

في سبعينيات القرن الماضي، وبحسب برنامج أحمد الغندور (الدحيح)، لجأ الأطباء النفسيون لاستخدام حبّة من حلوى المارشميلو لدراسة سلوك الأطفال ولمعرفة أثر تناولها على قراراتهم المُستقبليّة فيما بعد؛ أي إن حبّة من الحلوى أتاحت دراسة سلوك أشخاص دون الحاجة إلى الاتصال بهم طوال الوقت.

   

الأثر الذي ستتركه منصّة "ستاديا" كبير جدا، خصوصا أن الألعاب الإلكترونية مُستخدمة بالفعل لفهم السلوك النفسي للأشخاص منذ سنوات طويلة، دون إهمال إمكانية استخدامها كلبنة أولى في مشاريع أُخرى قد تكون في مجال الإعلان، أو في مجال الذكاء الاصطناعي. ومن يدري، قد تُصبح فكرة خلود الإنسان جائزة، على الأقل، على المستوى الرقمي، فمثل تلك التفاصيل ستُسهّل مهمّة أي نظام للذكاء الاصطناعي لتقليد الشخص واتخاذ القرارات بناء على تجاربه الحياتية وسلوكه النفسي.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار