انضم إلينا
اغلاق
براءة روسيا.. فيسبوك سبب وصول ترامب للبيت الأبيض

براءة روسيا.. فيسبوك سبب وصول ترامب للبيت الأبيض

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

شارفت الحقبة الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب على النهاية، ولم تنتهِ حتى الآن النقاشات الدائرة حول شرعية وصوله للحكم، بعد العثور على أدلّة تؤكّد وجود جهات خارجية تلاعبت في التصويت بشكل غير مُباشر. تلك الأدلّة تستند إلى حقائق تكرّرت أيضا في حملة الترشّح الثانية للرئيس السابق باراك أوباما، حقائق تتصدّر شبكة فيسبوك المشهد فيها لتبدو وكأنها الأداة التي تقف خلف نجاح مُرشّح دون الآخر.

 

الفصول الأربعة

بدأ ربيع ترامب في الرئاسة الأميركية كسابقيه من الرؤساء، فهو الذي نجح في دخول البيت الأبيض عبر الصناديق التي أزاحت "هيلاري كلينتون". لكن لأن الشبكات الاجتماعية ازدادت أهمّيتها مؤخّرا، فقد حظيت الانتخابات الأخيرة بتغطية إعلامية واسعة، خصوصا بعد ظهور وانتشار الأخبار الكاذبة التي تسعى للنيل من سُمعة مُرشّح عبر تزوير الحقائق، الأمر الذي دفع الشركات الكُبرى لمُراجعة آلية عمل خوارزمياتها للحد من مثل تلك الأمور في المُستقبل(1).

  

وبدا صيف البيت الأبيض حارًّا بعدما عثر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) على أدلّة تؤكّد وجود اختراقات لحقت المسؤولين عن حملة المُرشّحة الثانية "هيلاري كلينتون" بالإضافة إلى أنظمة الهيئة العامّة للتصويت دون وجود أي آثار تؤكّد حجم الضرر الذي خلّفته تلك الهجمات(2). وما هي سوى أسابيع قليلة حتى بدأ خريف ترامب بعد خروج وثائق جديدة تؤكّد وقوف جهات خارجية تدعمه كانت مسؤولة بشكل أساسي عن الكثير من الأمور.

   

  

لكن على الرغم من عدم وجود رابط مُباشر بين الجهات الخارجية (روسيا) وهجمات الاختراق، فإن تلك الجهات قامت باستهداف مُستخدمي الشبكات الاجتماعية بناء على قاعدة بيانات ضخمة تحتوي على سجل خاص بكل مُستخدمي الشبكات الاجتماعية في أميركا، الأمر الذي سهّل مأموريّة الخوارزميات التي شوّهت صورة "كلينتون" تارة، ونسبت تصريحات كاذبة على لسانها تارة أُخرى، ليصل ترامب إلى البيت الأبيض على طبق من ذهب.

  

التحرّيات أثبتت فيما بعد أن الأدلّة التي عُثر عليها كانت صحيحة، خصوصا مع تحرّك الإعلام من جديد للحصول على سبق صحفي، الأمر الذي نتجت عنه فضيحة شركة "كامبريدج أناليتيكا" (Cambridge Analytica). ما حصل هنا بدأه أحد الباحثين في جامعة "كامبريدج" عبر تطبيق بسيط في فيسبوك يهدف لتحليل شخصيّة المُستخدمين، وهو تطبيق استخدمه 270 ألف شخص تقريبا(3).

    

   

في تلك الحقبة، أي في عام 2014، كانت فيسبوك تسمح للتطبيقات بالوصول إلى بيانات المُستخدمين وأصدقائهم في الوقت ذاته، الأمر الذي سمح لتطبيق تحليل الشخصيّة بجمع بيانات أكثر من 50 مليون مُستخدم بحسب التوقّعات. ولم تكن المُشكلة بالأساس في التطبيق ذاته، بل في سلوك القائمين عليه الذين قاموا ببيع البيانات التي جمعوها لشركة "كامبريدج أناليتيكا"، التي احتفظت بالبيانات في خوادمها على الرغم من إخطار فيسبوك بعكس ذلك، والتي استعان بها ترامب فيما بعد للوصول لشريحة أكبر من المُستخدمين على شبكات التواصل الاجتماعية لنشر رسالته ولإزالة أي شكوك تمنعهم من انتخابه.

 

أوباما

لن يكون من السهل الحصول على الحقيقة الكاملة وراء ترامب ووجوده في البيت الأبيض، فمُعظم تحرّكاته غريبة، صحيح أنها تعكس الواقع بدون تجميل على المستوى الدولي، لكنها في الوقت ذاته تُثير الجدل على المستوى المحلّي. وفي وقت يُدان فيه استخدام الشبكات الاجتماعية للوصول لمزيد من الناخبين في عصر ترامب، تغنّى الجميع بعبقرية باراك أوباما والقائمين على حملته على الرغم من لجوئهم للأمر نفسه سابقا.

   

   

في عام 2012، وقبل ترشّح أوباما للولاية الثانية، أطلق القائمون على حملته الانتخابيّة تطبيقا على شبكة فيسبوك يقوم بجمع معلومات عن مُستخدميه، وعن أصدقائهم أيضا، معلومات على شاكلة الشركات والمطاعم المُفضّلة، القنوات الإخبارية والتوجّهات السياسيّة، دون نسيان تلك الفنيّة والرياضيّة، وهو ما يُعطي تصوّرا شبه واضح عن المُستخدم يُساعد في استهدافه فيما بعد.

  

التطبيق وصل لأكثر من مليون مُستخدم في أميركا. ومع افتراض وجود 190 صديقا وسطيّا لدى كل مُستخدم، فإن تطبيق أوباما نجح في حصد بيانات أكثر من 190 مليون شخص في الولايات المُتحدة الأميركية، تماما مثل ما فعله تطبيق تحليل الشخصيّة، إلا أن الاختلافات على أرض الواقع كثيرة(4).

  

كان مُستخدمو تطبيق أوباما على علم سابق بمصير بياناتهم، فالتطبيق طلب بشكل صريح من المُستخدم الموافقة على مُشاركة بياناته وبيانات أصدقائه، وهو أمر كانت فيسبوك تُتيحه دون أي قيود طالما أن البيانات تلك لن تُباع لشركات أُخرى. تطبيق تحليل الشخصيّة في المُقابل ادّعى أنه سيقوم بجمع البيانات بغرض التحليل فقط، إلا أن القائمين عليه قاموا فيما بعد بنقل تلك البيانات لخوادم خارجية، قبل بيعها لشركة تستفيد منها في التسويق الإلكتروني.

       

فيسبوك كانت على علم بما يقوم به فريق أوباما، ولهذا لم تتدخّل أبدا ولم تقف في طريقهم، خصوصا وأن التطبيق كان يعتمد على بيانات حيّة، أي إن جميع الخوارزميات كانت تُتابع آخر تحرّكات المُستخدمين للحصول على فائدة أكبر، عكس تلك التي اعتمد عليها ترامب، والتي كانت تستخدم بيانات قديمة تعود لعامي 2014 و2015، والتي حصلت عليها الشركة بطريقة غير شرعية(5).

    

   

صناديق اجتماعية؟

بتجاهل الشقّ القانوني لفترة وجيزة، وبالتركيز على الجانب الأخلاقي لكلتا الحملتين، فإن ما قام به تطبيق أوباما كان يهدف إلى التأثير على المُستخدمين بالاستفادة من أصدقائهم، فبحسب الأبحاث، لا أحد يكترث للحملات الانتخابية ولنشرات الأخبار بقدر ما يتأثّر بآراء الأصدقاء، وهذا ما ركّز عليه أوباما، فالتطبيق كان يقوم بالنشر على حساب المُستخدم -بعلمه- بشكل مُباشر، ليحصل أصدقاؤه على المعلومة دون الحاجة إلى تحميل التطبيق.

  

أما ما حصل في حملة ترامب فهو عكس ذلك تماما، من الناحية الأخلاقيّة، فتلك البيانات كان الهدف منها توجيه رسائل خفيّة للمواطنين في أميركا عبر تزوير الحقائق بنشر الأخبار الكاذبة واللعب على مخاوف كالتمييز العُنصري ومحاربة الأقليّات، لينجح ترامب في الحصول على أصوات إضافية انقلب عليها بعد وصوله للرئاسة.

  

وبالعودة للجانب القانوني، فإن كلًّا من حملتي أوباما وترامب -"كامبريدج أناليتيكا"- بريء تماما من أي تُهم، فسياسة استخدام فيسبوك آنذاك كانت تُتيح جمع بيانات المُستخدمين وأصدقائهم دون أي قيود طالما أنها ستُستخدم في سياق التطبيق ذاته. لكنها في الوقت نفسه كانت تمنع تخزين، ونقل، تلك البيانات لخوادم خارجية، وهو أمر من الناحية التقنية لا سُلطة لها عليه لأنها لن تكون قادرة أبدا على معرفة الوجهة النهائية للبيانات بعد جمعها من قِبل أي تطبيق، وهو تماما ما حصل، فالباحثون في جامعة "كامبريدج" جمعوا البيانات أولا، وقاموا بتخزينها على خوادم خارجية، قبل بيعها فيما بعد لشركة أُخرى(6).

   

  

وتجدر الإشارة هنا إلى أن جزءا من فريق عمل حملة أوباما قرّر بعد انتهاء ولايته دخول عالم الشركات الناشئة عبر تأسيس شركة "أناليتيكس ميديا غروب" (Analytics Media Group) المُتخصّصة في مجال التسويق الإلكتروني بالاعتماد على الخوارزميات التي أثبتت جدارتها سابقا في حملة أوباما، دون معرفة فيما إذا كانت بيانات المُستخدمين آنذاك، أي في عام 2012، مُستخدمة من قِبل تلك الشركة من عدمها(7).

  

أما فيسبوك، فهي مُذنبة في الغالب لأنها تكتّمت على تجاوزات شركة "كامبريدج أناليتيكا" دون سبب مُقنع، وهذا قد يعني أنها كانت على علم بعملية البيع التي حصلت، وأنها سهّلت فيما بعد وصول الشركة لمزيد من البيانات دون علم المُستخدمين، وهو ما تجري لأجله تحرّيات في الوقت الراهن.

  

إلى ذلك الحين، أي حتى إدانة فيسبوك بشكل رسمي، فإن الشبكة الاجتماعية ستلعب دورا رئيسيا في انتخابات 2020 المُقبلة، وستُستخدم الشبكة لنشر الكراهية بين المُرشّحين وداعميهم لأنها اللغة السائدة حاليا بين مُستخدمي الشبكات الاجتماعية، فالمحتوى السلبي والعدائي دفع شركات بحجم تويتر للتركيز على مُحاربة هذا النوع من المحتوى عوضا عن تقديم مزايا جديدة. ومن جديد، ستجد الشركات المُتخصّصة في التسويق الإلكتروني طريقها، وستعتذر فيسبوك من جديد عن أخطاء "لم تكن تدري أنها موجودة"!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار