انضم إلينا
اغلاق
غرامة من طرف الجيب وضربة تأديبيّة على اليد.. ماذا يعني تغريم فيسبوك 5 مليارات دولار فقط؟

غرامة من طرف الجيب وضربة تأديبيّة على اليد.. ماذا يعني تغريم فيسبوك 5 مليارات دولار فقط؟

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

هل تعتقد أن القضاء سينتفض بسبب تغريدات ترامب العنصرية الأخيرة ضد بعض أعضاء مجلس النواب الأميركي؟ الإجابة لا. لماذا؟ لأن القضاء نفسه تجاهل حظر ترامب -والذي يراه محللون تعسفيا- لشركة هواوي بحجّة الأمن القومي(1). والقضاء نفسه الذي حينما انتفض مؤخّرا بعد انتهاك فيسبوك لخصوصيّة ملايين المُستخدمين، فإنه لم يتمخض منه سوى فرض غرامة "كوميدية" من طرف الجيب لا تتجاوز 5 مليارات دولار أميركي وكأنّ شيئا لم يكن(2).

     

تحقيقات 2018

تجلس هيئة التجارة الفيدرالية (FTC)، تقريبا، على رأس الهرم عندما يتعلّق الأمر بتنظيم سلوك الشركات من ناحية الاستحواذات والنشاط التجاري، فأي صفقة يُعلن عنها تحتاج إلى موافقة هذه الهيئة تحديدا، التي يبدو أنها تُعامل الجميع بما يُملي الكتاب عليها، دون الأخذ بالأسباب أو النظر إلى السوق وواقعه.

 

 

هذه الهيئة وافقت على استحواذ فيسبوك على "واتس آب" وإنستغرام دون أي اعتبارات. ولم تعترض على نسخ الشركة لميزة الحكايات من "سناب شات" (Snapchat). كما لم تعترض كثيرا على فكرة إجبار مُستخدمي أندرويد على استخدام خدمات غوغل حصريا، أو مُستخدمي آبل على استخدام متجر واحد لتحميل التطبيقات. ومن هنا، فإن ضلوعها منذ مارس/آذار 2018 في تحقيقات مُباشرة مع فيسبوك ومسؤوليها لم يُعقد عليه الكثير من الآمال.

 

وقعت فيسبوك في مأزق كبير بعد انتشار أخبار شركة "كامبريدج أناليتيكا" (Cambridge Analytica) التي قامت بتخزين بيانات أكثر من 87 مليون مُستخدم دون علمهم، ففيسبوك أكّدت سابقا أن البيانات لم تعد موجودة على خوادم الشركة، ليتبيّن فيما بعد أنها موجودة واستُخدمت لاحقا لاستهداف المواطنين الأميركيين خلال انتخابات 2016. تلك التسريبات تبعتها سلسلة أُخرى كشفت عن تورّط فيسبوك بانتهاكات أُخرى، فهي قامت بتتبّع نشاط مُستخدمين دون علمهم تارة، واحتفظت ببيانات محذوفة تارة أُخرى، دون نسيان تستّرها على انتهاكات قامت بها شركات أُخرى، الأمر الذي استدعى مجلس النواب للتدخل بشكل فوري(3).

 

جلس "مارك زوكربيرغ" أمام مجلس النواب وتهرّب -كعادته- من الإجابة بشكل مُباشر عن الأسئلة المهمّة التي كانت قليلة بالمناسبة، فأعضاء مجلس النواب طرحوا أسئلة تُظهر عدم فهمهم لآلية عمل الشركات التقنية بالأساس، ليلعب دهاء "زوكربيرغ" دورا مهما في خروجه دون أي إجابات مُحرجة للشركة، على الأقل، لحين وصول هيئة التجارة الفيدرالية التي ستُجري تحقيقات موسّعة بطبيعة الحال.

 

تساءلت الهيئة عن دور فيسبوك في انتشار الأخبار الكاذبة، وعن علمها بوجود مثل تلك المُمارسات من قبل، وعن الجهود التي قامت بها للحد من مثل هذه الأمور. كما تساءلت أيضا عن وجود جهات خارجية ساهمت في تغيير مسار الانتخابات الأميركية عبر نشر الأخبار الكاذبة باستغلال منصّة فيسبوك الإعلانية. بالإضافة إلى تساؤلات عن تستّر الشركة بكامل قواها العقلية عن بعض انتهاكات الخصوصيّة(4). وتجدر الإشارة هنا إلى أن الهيئة عندما تدخّلت ضد غوغل في 2010، بسبب انتهاك خصوصيّة مُستخدمي مُتصفّح سفاري على أجهزة آبل، فرضت غرامة بلغت 22.5 مليون دولار أميركي على الشركة الأميركية التي ما زالت حتى يومنا الحالي تقوم بتتبّع نشاط المُستخدم لاستهدافه بالإعلانات، وكل هذا تحت بند يُحلّل لها هذا، بند أن المُستخدم على علم بهذا الأمر ووافق بنفسه على شروط استخدام خدمات غوغل(5).

 

    

غرامة كوميدية

اليوم، وبعد 15 شهرا من التحقيقات والاستجوابات، والتسريبات الجديدة، قرّرت هيئة التجارة الفيدرالية تغريم فيسبوك 5 مليارات دولار أميركي، كأكبر غرامة في تاريخ الهيئة، لتتفوّق فيسبوك بذلك على غوغل التي نالت شرف التفوّق منذ عام 2012 تقريبا بسبب القضيّة آنفة الذكر. وكخطوة تأديبيّة، تحتاج فيسبوك مُستقبلا إلى إخبار المُستخدمين عن مصير بياناتهم في أي خدمة جديدة ترغب بإطلاقها، كما يحتاج "زوكربيرغ" إلى التعهد بحماية خصوصيّة بيانات مُستخدميه، وهذا كل شيء.

 

بعيدا عن الصحافة، وبتناول بعض الأرقام، يُمكن النظر إلى سعر سهم شبكة فيسبوك، قبل وبعد الإعلان عن الغرامة، الذي تجاوزت قيمته حاجز الـ 200 دولار أميركي، وهذا يعني أن "زوكربيرغ" ازدادت ثروته ولم تنقص، حتى بعد دفع خمسة المليارات دولار(6).

 

منذ عام 2014، العام الذي قامت به فيسبوك بتغيير سياسة استخدام البيانات بسبب شركة "كامبريدج أناليتيكا"، وعائدات الشركة السنوية آخذة بالنمو دون مشكلات، فهي في ذلك العام حقّقت عائدات بلغت 12 مليار دولار أميركي تقريبا، لترتفع إلى أكثر من 17 مليارا في 2015، ثم إلى أكثر من 27 مليار دولار في 2016، لتشهد بعد ذلك انفجارا هائلا خلال 2017 بعد وصولها لأكثر من 40 مليار دولار، ومن بعده عام 2018، بواقع 55 مليار دولار أميركي(7).

   

   

الأرقام السابقة، وتحديدا خلال العامين الأخيرين، تُظهر أن فيسبوك وفضائحها وانتهاكاتها لا تعني الكثير لا للمُشرّعين، ولا للمُعلنين، ولا حتى للمُستخدمين، فجميع الأرقام آخذة بالازدياد دون توقّف، وجميع خدمات فيسبوك تنمو بنسب لم يتخيّلها "زوكربيرغ" بنفسه، وهو ما شجّعه دون خوف على دخول عالم الدفع الإلكتروني، ليكون ردّا مُباشرا منه على قوّة كيان فيسبوك في الوقت الراهن.

 

هل هناك براهين أُخرى على كوميديّة الغرامة؟ نعم، بكل تأكيد، فعائدات الشبكة الاجتماعية خلال الربع الأول من 2019 بلغت 15 مليار دولار أميركي تقريبا، في وقت بلغ فيه صافي أرباحها خلال 2018 ما يصل إلى 22 مليار دولار أميركي(8). وبقليل من الحساب، يُمكن القول إن غرامة فيسبوك لا تُساوي حتى أرباحها من ربع مالي واحد، وأن موافقتها على دفع الغرامة دون الاعتراض على قرار الهيئة مفهومة جدا، فتطبيق المُحادثات الجديد، الذي سيُركّز على الخصوصية أولا وأخيرا، وعملتها الرقمية الجديدة، "كاليبرا"، أكثر أهميّة من إضاعة الوقت مع المُحقّقين ومع أعضاء مجلس النواب.

   

المطلوب؟

ترغب "كارا سويشر" في أن تُضرب الغرامة في 100، لتتحول إلى 500 مليار دولار أميركي، غرامة توقع كيان فيسبوك بشكل كامل وتجعلها كبش فداء يعتبر الآخرون منه

رويترز
   

يقول "سكوت جالوي" (Scott Galloway)، المُتخصّص في التسويق ومؤلف كتاب "ذا فور" (The Four) الذي يتناول الشركات التقنية الكبيرة، إن الغرامة يجب أن تُضرب في 10، أي أن تتحوّل من 5 مليارات دولار إلى 50 مليار دولار، صحيح أنه ليس بالرقم الكبير بالنسبة لفيسبوك، لكنّه سيُبعثر بعض الأوراق هنا وهناك، لأن الغرامة الحالية لا تتجاوز نصف مصاريف الشبكة خلال الربع المالي الأول من 2019، و50 مليارا مبلغ سيدفع أعضاء مجلس الإدارة لإعادة فتح بعض الدفاتر القديمة للتروّي قليلا(9).

 

أما "كارا سويشر" (Kara Swisher)، التي تُعتبر من أهم الأسماء في عالم الصحافة التقنية، فهي ترغب في أن تُضرب الغرامة في 100، لتتحول إلى 500 مليار دولار أميركي، غرامة توقع كيان فيسبوك بشكل كامل وتجعلها كبش فداء يعتبر الآخرون منه. أو على الأقل، أن يتم إيجاد نظام مُحاسبة دقيق طوال الوقت دون الانتظار حتى تقع الكوارث مثلما هو الحال حاليا. ولعل صرامة الاتحاد الأوروبي خير دليل على ذلك، فشركة غوغل منذ 2017، غُرّمت هناك بأكثر من 9 مليارات يورو بسبب الاحتكار، ولن تُترك حتى تتخلّى عن جميع مظاهره، وإلا فإن مقصلة القضاء بانتظارها. على الأقل، هذا ما تُصدّره الصحافة لنا(10).

 

وبالعودة من جديد إلى فيسبوك، فهي على الأغلب ستنجو، على الأقل في أميركا. لكنها بحاجة إلى الانتباه إلى خطواتها المُقبلة، فهي في 2011 تقريبا نجحت في إقناع هيئة التجارة الفيدرالية بأنها لن تُكرّر الانتهاكات بالتوقيع على اتفاقية فقط(11). لتتلقى غرامة قدرها 5 مليارات دولار بعد خرق تلك الاتفاقيّة أكثر من مرّة على مدار السنوات المُنصرمة، فلربّما تكون سياسة العقاب مُتدرّجة، ليكون القادم أعظم، إن نجحت أي جهة في العثور على مُستمسك ضدّها في المُستقبل. لكن إلى ذلك الحين، سينعم "زوكربيرغ" بأرقام خيالية، وسيصل المُعلنون إلى الشريحة المُستهدفة بسهولة أكبر طوال الوقت.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار