انضم إلينا
اغلاق
لماذا تنتشر حالات "الانفصال" في المجتمع.. الإسلاميون نموذجا(2-2)

لماذا تنتشر حالات "الانفصال" في المجتمع.. الإسلاميون نموذجا(2-2)

في الآونة الاخيرة ظهرت حالات كثيرة للانفصال والطلاق وفسخ الخطوبة، وهي مكررة بشكل ملحوظ وغير اعتيادي(رويترز)

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

في الأوساط الإسلامية في مصر، قد لا تكون "العنوسة" هي المشكلة الأكبر مثلما هو الحال مع بنات جيلهن.. فالزواج قد يكون أيسر، وهن وأهلهن أحرص على التخفّف من التكاليف المالية، والقبول بالزوج "الملتزم" -كما يطلق عليه- حتى لو كان حالته المادية ليست جيدة. (1)

 

لكن في الآونة الاخيرة ظهرت حالات كثيرة للانفصال والطلاق وفسخ الخطوبة، وهي مكررة بشكل ملحوظ وغير اعتيادي، فالعلاقة التي كانت تقوم على الكفاف المادي والمؤازرة، أصبحت تشكل عبئ على الشريكين فيسارع أحدهم بطلب فسخ الخطوبة، أو الطلاق بعد عقد القران وقبل الزواج. أحيانا بدون سبب واضح وأحيانا لأسباب مادية ونفسية. (2)

 

الأمر الذي يجعل المراقب يتساءل: ماذا حل بمجتمع "الإسلاميين"، الذي قد يمثل أكثر المجتمعات/الأوساط تماسكا، حيث يرى أصحابه أن الزواج ميثاقا غليظا وأن أبغض الحلال عند الله الطلاق (*)، وأن الشريك هو من يقف بجانبك ويتفهم حالك ويؤازرك لبناء المجتمع الصالح!

 

علاقات تراحمية للبيع والإغارة على المجتمعات
 

"كان الحب بينه وبين تيريزا جميلاً، بكل تأكيد، ولكنه كان متعباً: وجب عليه دائماً أن يخفي أمراً ما، وأن يتكتم، وأن يستدرك، وأن يرفع من معنوياتها، وأن يواسيها، وأن يثبت باستمرار حبه لها وأن يتلقى ملامات غيرتها وألمها وأحلامها، وأن يشعر بالذنب، وأن يبرر نفسه وأن يعتذر. الآن كل التعب تلاشى ولم تبقَ إلا الحلاوة." 

 

ميلان كونديرا، كائن لا تُحتمل خفته
 
يشرح "زيجمانت باومان" في كتابه الأهم "الحب السائل " أن العلاقات والجماعات التراحمية هي مصنع الاقتصاد الأخلاقي، الذي لا يتمركز حول السوق والمتعة والاستهلاك (مواقع التواصل الإجتماعي)


يشرح "زيجمانت باومان"_عالم الاجتماع بولندي الأصل_ في كتابه الأهم "الحب السائل " أن العلاقات والجماعات التراحمية هي مصنع الاقتصاد الأخلاقي، الذي لا يتمركز حول السوق والمتعة والاستهلاك، لكنه يتبع نمط حياة بوسع الناس في داخله إنتاج بضائعهم التي يحتاجون إليها من أجل بقاء نمط الحياة التي يحيونها، ومن ثم الاستغناء عن الزيارات المنتظمة للمحال والعيش على الكفاف، فهم يحيون حياة تستمد معناها مما تحتاج إليه، حياة تستغني عن الاستهلاك والرغبات الملحة غير المشبعة.(3) والبضائع هنا ليس فقط بضائع مادية بل تشمل السلوكيات وقيم التعامل مع الشريك والمبادئ التي تقوم عليها التربية في الأسرة.
 

"فهذا النمط من الحياة الذي تعيشه الجماعة التراحمية، عبارة عن جيرة ودائرة أصدقاء وشركاء في العمل وشركاء من أجل الحياة، وعالم يسوده التضامن والمحبة والتآزر والتعاطف والمودة، وهي جميعا أفكار غريبة على فكر اقتصاد السوق ومكروهة من أصحاب المصالح فهو عالم لا يسكنه متنافسون ولا موضوعات للاستهلاك، بل إخوان (أعوان على الخير) في الجهد الإنساني المشترك المتواصل الأبدي من أجل بناء حياة مشتركة وحياة مشتركة يمكن احتمالها "(4)، لذلك كانت الجماعة التراحمية هي هدف اقتصاد السوق الحر، حيث مثلت تلك المجتمعات شرائح ومساحات وأسواق جديدة، لم تمسها الرأسمالية ولم تدخلها منتجاتها من قبل.

 

ويضيف "باومان" أن الإغارة على الجماعة التراحمية وغزوها من قبل قوى السوق الاستهلاكية أشد الاخطار التي تهدد الوجود الإنساني المشترك، فالبدائل التي توفرها محال التسوق لا تحل محل الروابط الإنسانية، لكن هذه الروابط تتحول من منظور الخبراء إلى سلع، أي تُنقل إلى عالم آخر يسوده السوق، فتفتقد الروابط طبيعتها التي يمكن أن تشبع الحاجة إلى الوجود مع الناس، والروابط التي لا يمكن تصورها ولا دوامها إلا في الوجود مع الناس. (5) حيث أضحت العلاقات في عصرنا سريعة التحضير وسريعة الانتهاء، فبضغطة زر يمكنك إنشاء صداقة/علاقة وبضغطة أخرى يمكنك إنهائها.

 

وساعد على ذلك الغزو، الصدام الذي حدث بين الإسلامين والسلطة، فالحالة التي أنتجها ذلك الصدام، حالة من الكرب والهزيمة فتحت الثقوب والفجوات والشقوق أمام غزو ثقافة الاستهلاك، وكسرت الحواجز الثقافية والاجتماعية بل والقيمية أمام مفاهيم الاستهلاك وجعلت الروابط والعواطف تضمر وتتآكل شيئا فشيئا، مما دفع أفراد تلك الجماعات للسعي لإشباع الرغبة في الأمان كسلعة سريعة يمكن تضميد الجراح الملتهبة بها.

 

ويؤكد باومان: أن" النجاح الرئيس لعدوان السوق وربما النجاح الأكثر جوهرية يكمن في الانهيار التدريجي المتواصل (لا الكامل ولا القاطع) لمهارات الاجتماع الإنساني.. فتتراجع مهارات الاجتماع الإنساني بشدة وبسرعة، بسبب النزوع نحو معاملة البشر الآخرين باعتبارهم موضوعات استهلاك والحكم عليهم وفق حجم اللذة وإشباع الرغبة، وهذا النزوع يصدر عن النموذج المهيمن للحياة المتمركزة حول الاستهلاك، وفي خضم ذلك الحال، فإن القيمة الأصيلة للآخرين باعتبارهم بشرا متفردين (ومن ثم الاهتمام بهؤلاء الآخرين لأجلهم ولأجل تفردهم) قد عميت عنها الأبصار، وأصبح التضامن الانساني هو الخاسر الأول أمام انتصارات السوق الاستهلاكية ". (6)

 

ولكن هل تنطبق هذه الصورة بالكامل على مجتمع الإسلامين خاصة في مصر؟ هل مجتمع الإسلامين مجتمع تراحمي تم غزوه بثقافة الاستهلاك ثم أدى الحال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لتفكك الروابط واختزالها في سلع أساسية للإنسان مثل الغريزة الجنسية والشعور بالأمن وغيرهما ...؟

 

الشاب الملتزم في رحلة تسوق
 

 


مسمى "الشاب الملتزم" مسمى شائع في أوساط الاسلامين، خاصة في وصف "العريس" أو الشاب المتقدم للزواج، يحمل هذا المسمى مدلولا ما، يشير إلى شريحة من الشباب نشأت في أسرة ملتزمة أو اختارت طريق الالتزام فيما بعد، وكانت تربيتها مختلفة نوعا ما عن بقية الشباب في المجتمع المصري، فجلسات المساجد وأنشطة الدعوة كانت بديلا عن برامج الأطفال والمراهقين العاديين، والأناشيد الإسلامية كانت بديلا عن الأغاني، وحلم تحرير فلسطين كان يسبق حلم الزواج والوظيفة، ونفس الأمر ينطبق على  الفتيات الملتزمات اللاتي تربين على قيم تقديس الأسرة والتربية الإسلامية الصحيحة للأبناء، وعدم الاختلاط بالرجال إلا فيما يسمح، والملابس الواسعة الفضفاضة والحجاب الكبير أو النقاب، ولذلك فزواجهن عادة "زواج صالونات" من دائرة المعارف والأصدقاء أو ترشيحات من الأهل، ونادراً ما يكون عن طريق اختيار مباشر.(7)

 

لكن في ثنايا ما هو مسكوت عنه، هناك حالة من التذمر من الصورة السابقة للزواج والتعارف بين شباب التيار الإسلامي، حيث يتحول الأمر كأنه رحلة في مركز تسوق، فيتردد الشاب "الملتزم" على البيوت ويجلس جلسات رؤية شرعية يرى فيها الفتاة، ثم يرد "بأنها لم تعجبه" أو "محصلش نصيب" مما يسبب حرجا للفتاة لأنها تشعر أنها غير مرغوب فيها ومرفوضة، وهو ما يجعلها تأخذ الأمر بمزيد من الحذر والنفور فيما بعد. (8)

 

 المسار الأخر أن يكتمل الأمر وتتم الخطبة وأحيانا عقد القران ثم يحدث تغير مفاجأ في المزاج يؤدي إلى الانفصال المبكر، الأمر الذي يجعل الفتيات في تلك الأوساط الإسلامية تشعر كأنها سلعة معروضة للبيع (9)، ومن حق المشتري أو المستهلك أن يسترجع السلعة ويسترد أمواله حين يشعر أن السلعة غير مناسبة لذوقه، أو لا تشبع رغبته قصيرة المدى. فماذا حدث في مجتمع الإسلامين؟

 

من الإصلاح إلى التمتع.. ملمح من التغيرات داخل مجتمع الإخوان
 

ترك الإخوان مؤخرا موقع تصدر شريحة الإسلامين، والتكلم باسمهم سواء سياسيا أو اجتماعيا أو دعويا، حيث ظهرت في العقود الأخيرة تيارات أخرى من داخل الإخوان ومن خارجهم، تيارات إسلامية تريد تجاوز الإخوان وأفقهم السياسي وتيارات دعاة جدد تركت منابر الاخوان واتجهت لاستديوهات البرامج الدعوية ومنظمات المجتمع المدني والعمل التنموي والخيري (10)، لكننا هنا سننتقل من الكلام عن "الإسلامين" لأنه مصطلح ذو مدلول واسع ومتشعب للكلام عن "تنظيم الإخوان" ليكون الكلام أكثر تحديدا.

 

يذكر الباحث الراحل في الاجتماع السياسي والحركات الإسلامية "حسام تمام" أن هناك تغيرات كبيرة حدثت لتنظيم الإخوان ومجتمعهم ورؤيتهم للعالم في العقود الأخيرة  فيقول :"إن مراجعة سريعة في مواقف الإخوان من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر تقول إن الجماعة صارت أقرب إلى حزب وطني قطري بل وحزب يميني ذو توجهات ليبرالية في المسألة الاجتماعية والاقتصادية حيث القبول وعدم الممانعة للتحولات التي طالت البلاد باتجاه إقرار سياسات التحول الاقتصادي نحو تبني اقتصاد السوق القائم على الخصخصة وإعادة الهيكلة وحرية التجارة وانسحاب الدولة".(11)

 

 كتب الباحث "حسام تمام" هذا الكلام مبكرا في عام 2009، ليرصد هذا التحول المهم في رؤية الإخوان للمسألة الاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بالسوق، فالإغارة التي تكلم عنها "زيجمانت باومن" للثقافة الاستهلاكية واقتصاديات السوق الحر للمجتمعات لم تحدث من الخارج فقط بل يؤكد "حسام تمام" أنها  جاءت من الخلف فأدت لتغير اتجاه الرؤية من الداخل، وتغير نمط حياة الأفراد حيث يقول :"وجاء موقف الإخوان من التحولات الاقتصادية للبلاد باتجاه الانفتاح واقتصاد السوق لتؤكد أن الجماعة اتجهت إلى اليمين الرأسمالي بفعل التركيبة الداخلية واتساع حجم ودور رجال الأعمال فيها."( 12) فكانت تلك التغيرات في رؤية تنظيم الإخوان وأفرادهم مؤشر على التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت للطبقة الوسطى بأكملها، والتي يتمركز داخلها الإخوان رغم انتشارهم في ربوع مصر.

 

"إن هذا التغيير في الرؤية الاقتصادية أدى لدخول نمط الاستهلاك لمجتمع الإخوان وزاد من إقبالهم على العالم الحالي والإقبال على استهلاك سلعه"

رويترز
 

يكمل الباحث "حسام تمام" أن هذا التغيير في الرؤية الاقتصادية أدى لدخول نمط الاستهلاك لمجتمع الإخوان وزاد من إقبالهم على العالم الحالي والإقبال على استهلاك سلعه" في حقبة الحلم كانت الكوادر تستغرقها روح زهد وتقشف وانصراف عن زينة الدنيا ومتاعها، فكان أقل القليل يكفي للعيش والزواج، وكان التزام القصد في النفقة وفي الملبس أصلا في السلوك(...)أما الآن فعكس ذلك هو ما يسود، (...)هو نموذج الجنتل مان الإسلامي الذي يرتدي أبهي الحلل ويقتني أفخم السيارات ويعتلي أهم المناصب ولكنه يُسخّر ذلك كله في سبيل الله!"(13)، وهذا الجنتل الإسلامي أصبحت معاييره في اختيار الزوجة مشابهة لمعايير العصر والموضة والأناقة والجمال وغيرها من معايير شكلية تكمل صورته أمام نفسه وأقرانه ومجتمعه، صورة الشاب الإسلامي الناجح المتفوق الغني المثقف ذو الزوجة الجميلة، صورة الإسلامي السوبرمان، الذي أعلن في الآونة الأخيرة أن "الإسلام ليس زهد وتقشف بل تمتع بالدنيا ونجاح وتفوق" (14)وهذا ما جعل كثير من شباب الإسلامين يتجهوا لمسار "التنمية البشرية وعلوم الإدارة ومهارات العمل والبيزنس" مما أدخلهم في عالم اللايقين، كما سماه "زيجمانت باومان".

 

خاتمة
 

يتجلى مما سبق أن انتشار ظاهرة الطلاق في المجتمعات، يعود بشكل ما لأسباب تتعلق بطبيعة هذا العصر، فالقلق من المستقبل الغامض والمبهم وسوء الاحوال الاقتصادية وعدم استقرار ما عُرف سابقا بالمشوار المهني، بجانب آثار ذلك على الروابط وتحولها لروابط هشة.

 

فمادام سوق العمل غير مستقر والإنسان الحديث تعود على الانتقال المستمر وفسخ العقود الدائم بينه وبين الشركات المختلفة فكل هذا يعوده على نمط من الحياة يتسم بخفة لا تتفق ومغامرة الزواج/الارتباط التي تعتمد على الاستقرار والأبدية، ثم كان غزو الثقافة الاستهلاكية لمفهوم العلاقات داخل المجتمعات التراحمية، لتعظيم أرباح أصحاب رؤوس الأموال له عظيم الأثر في تحول مفهوم الارتباط في العصر الحديث لمفهوم استهلاكي يقوم على إشباع سريع وفوري لرغبات مُلحًة وقصيرة المدى.

 

 
ثم أنتقل الأمر للمجتمعات الاسلامية وخاصة الإخوان المسلمين، فتغير الرؤية إلى العالم قد ينتج من التغير في نمط الحياة وضغوطات الواقع، ويؤدي إلى تغير في نمط التفكير، ومن ثم تغير في الرؤية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما أن الواقع السياسي وانسداد الأفق وانغلاق المجال العام يزيد من الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي ينتج عنها مجموعة من الظواهر مثل الإلحاد والانفصال والطلاق والتشظي الاجتماعي ومحدودية الخيال وغيرها من ظواهر.

 

حاولنا في الجزء الأول من هذا التقرير الاقتراب من النموذج المعرفي النظري المكون لمحددات انهيار العلاقات في عالمنا الحالي ثم حاولنا في الجزء الثاني الاقتراب من مجتمع الإخوان كنموذج لتطبيق النموذج المعرفي، حيث تأثر مجتمع الإسلامين خاصة مجتمع الإخوان المسلمين بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، وغزت ثقافة الاستهلاك معاقل التراحم والزهد، فأصبحت الروابط هشة، والانفصال سريع إذا كان لا يُشبع الرغبة في الأمن أو لا يماثل الصورة التي تكونت عند أحد الطرفين عن الأخر نتيجة الإعلام والموضة وعالم الصورة والأزياء .

 

ولا نسعى هنا لإطلاق حكم: هل هذا النمط من الزواج صحيح أم لا، لكننا نتتبع منبعه ونحاول الاقتراب منه وتفسيره ومراقبة تغيراته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (*) جميع المسلمين من المفترض أنهم يروا نفس الأمر، لكن مؤخرا وحسب تقارير رسمية عن نسب الطلاق يبدو أن هناك تهاون في أمر الطلاق في المجتمعات العربية والإسلامية.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار