انضم إلينا
اغلاق
"رحلة الربيع العربي".. عندما اتخذ الشباب التعليم سلاحا مستقبليا!

"رحلة الربيع العربي".. عندما اتخذ الشباب التعليم سلاحا مستقبليا!

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
يوم الأحد الموافق الثامن عشر من سبتمبر (أيلول) 2011، ستة أشهر كاملة مضت على اندلاع الثورة السورية في درعا، وفي وقت آخر لنُظِر إليه كأي «أحد» آخر، لكنه كان مختلفًا بشدة.

 

تعج ضواحي دمشق وحمص بمظاهرات ضخمة، فيها وفي غيرها من محافظات سوريا، متدثرة بعنوان "أحد إسقاط النظام البعثي"، في وقت يوجه النظام السوري حينها دعوته للطلاب للالتحاق بصفوفهم الدراسية، مطالبًا إياهم، بشكل ضمني غير مباشر، بنسيان ستة أشهر من احتجاجات سلمية جرت مواجهتها بأقصى درجات القمع الدموي. وبين النظام والشعب، تقف وسائل الإعلام ناقلة لأول مرة مشاهد قيام الطلاب بوطء صور الرئيس السوري بشار الأسد بأقدامهم، واضعين إياها في حاويات القمامة، وبرغم غرابة ما يحدث على الأرض السورية، الساكنة منذ عقود، إلا أن الأمر الأكثر دلالة في ذلك اليوم بدا أكثر بساطة وتلقائية.

 

لا يوجد شيء بإمكانه أن يعكس أحلام الشعوب مثل تلك الهتافات التظاهرية العفوية، المطلقة في الهواء دون ترتيب مسبق، ولا يوجد يوم للهتاف أفضل من "أحد إسقاط النظام البعثي"، يهتف طلاب المدارس السوريون لأول مرة "لا دراسة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس"، صيحة تتعارض بشدة مع الكلاسيكيات الاجتماعية للأسرة والمجتمع في سوريا.

قدرت دراسة هامة لمؤسسة "انقذوا الأطفال" أن السوريين الذين لم يكملوا تعليمهم الابتدائي من المرجح أن يتلقوا أجورا أقل بنسبة 32% عن أجور نظرائهم ممن أنهوا دراستهم الثانوية

رويترز
في إحدى المظاهرات الفرعية، صغيرة العدد، يقف صهيب منذر، الشاب السوري البالغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا، فتى مدينة إدلب، وأحد من صدحوا بهذا الهتاف، بعدها بأيام كان صهيب يخطو خطواته الأولى في جامعة حلب، للدراسة في صفوف كلية الهندسة المدنية، في توقيت وصلت فيه الاحتجاجات إلى الجامعة، بينما تدور الاشتباكات في الأحياء المحيطة بها، كأحياء "الإذاعة" و"بستان القصر"، وبينما تطلق قوات النظام قذائفها من مدفعية الجميلية بالقرب من الجامعة، فإن أصوات القذائف تدوي داخل المعامل الدراسية، وفي آذان الطلبة.

 

أكثر من خمس سنوات مرت، وما زال صهيب متذكرًا المشهد، من ضمن مئات المشاهد، كما هو، ويحكي لنا أنه بالنسبة له وللسوريين فإن "العلم طريق الخلاص". جملة تلخص دافعًا رئيسًا جعل السوريين يقبلون بمخاطرة خروج أبنائهم للدراسة، رغم المخاطر الجسيمة التي تهدد حيواتهم.

 

في العام الماضي 2015، قدرت دراسة هامة لمؤسسة "أنقذوا الأطفال"، متناولة تبعات انهيار النظام التعليمي الاقتصادية في سوريا، أن السوريين الذين لم يكملوا تعليمهم الابتدائي من المرجح أن يتلقوا أجورا أقل بنسبة 32% عن أجور نظرائهم ممن أنهوا دراستهم الثانوية، وأقل بنسبة 56% مقارنة بمن أنهوا تعليمهم الجامعي. ورغم كل شيء، ومع بداية عام 2013، ونهاية الفصل الأول من عامه الدراسي الثاني، قرر صهيب ترك دراسته الجامعية. يحب طلاب جامعة حلب تسميتها بــ"جامعة الثورة"، نظرًا لكونها أكثر الجامعات نشاطًا في معارضة النظام، إبان العامين الأولين للثورة. ولذلك فإن الجامعة قد نالت نصيب الأسد من القمع أيضًا.

 

في 15 يناير (كانون) الثاني للعام نفسه، 2013، الشهر نفسه الذي قرر فيه صهيب ترك دراسته في جامعة حلب، استيقظت سوريا والعالم بأكمله على وقع قصف النظام السوري لكلية الهندسة المعمارية في الجامعة. شهادات كثيرة من طلاب الجامعة نقلت لنا ما حدث في ذلك اليوم الدامي، في البدء أغلقت قوات الأمن أبواب الجامعة تمامًا، مانعة الطلاب من الخروج السريع، ثم انسحبت من محيطها، فيما مثل ضوءًا أخضر للنظام ليقصفها مباشرة بمن فيها بصاروخين.
 

بجانب المشاهد الدامية للقتلى والجرحى، فقد اضطر الطلاب إلى كسر الأقفال من أجل الهروب. وفي غياب أي تحرك لإغاثة الجرحى أو نقل الجثث، دخلت وسائل إعلام النظام إلى الجامعة وبدأت في تقديم روايتها أن التفجير جرى عبر سيارة مفخخة بتدبير من إحدى الجماعات الإرهابية.

 

(1) سوريا: التأييد أو الموت
(رويترز)

حينما كان الطلاب الحاملين لواء الثورة السورية يخوضون صراعًا عنيفًا لحسم خياراتهم، بعد أن صار التعليم في الجامعات أشبه بالعمليات "الاستشهادية"، آتيًا تحت شعار "التأييد أو الموت"، قبل الثورة، وبعدها بشكل أدعى، كانت المؤسسات الجامعية تمثل
ركيزة تعبوية، وظيفتها تنشئة أجيال محملة بالفكر البعثي، فمثلًا في عام 1974، أسس حافظ الأسد منظمة "طلائع البعث"، ثم اتحاد "شبيبة الثورة"، مستلهمًا فيما يبدو نماذج منظمة "شباب هتلر" وبرنامج "الرفاق الصغار"، الإنتاج الشبابي الحصري في ألمانيا النازية. وسيطر حزب البعث في الجامعات على الاتحاد الوطني لطلاب سوريا، وحوله لمنظمة بعثية، باختصار، شهدت هذه الفترة نمطًا صارخًا من عسكرة التعليم الجامعي، حتى أن مادة التدريب العسكري وقتها خصص لها يوم كامل ضمن الدوام الجامعي.

 

يخبرنا صهيب أن الطلاب كانوا يُوقفون ويُوبخون على الحواجز الأمنية للنظام، من قبل الجنود والميليشيات، بدعوى أن عليهم الانخراط في الدفاع عن بلادهم (النظام بمعنى أدق)، عوضًا عن الاهتمام بالجامعات والتعليم، أما بعد ظهور ما عرف بــ"الأماكن المحررة"، مع تقدم مسار الثورة السورية، صار العديد من الطلاب السوريين ينظرون إلى الجامعات بوصفها مؤسسات تمثل النظام وتعادي الثورة، ومع تفاقم الحالة الإنسانية في سوريا، والحاجة إلى الجهود التطوعية في مجالات الإغاثة والإعلام، وارتفاع مخاطر التوجه إلى الجامعات، وتفريغ هذه الجامعات من الكوادر التعليمية، بفعل الملاحقة الأمنية للأساتذة أو هجرتهم إلى الخارج، قرر العديد من طلاب سوريا ترك دراستهم في جامعات النظام.

 

بجانب صهيب، يبرز عبادة عبد العزيز، الشاب الذي يماثل صهيب عمرًا، والطالب السابق في كلية طب الأسنان بجامعة البعث بحماة، قبل أن يترك هو الآخر -في التوقيت نفسه- الجامعة، بعد أنهى الفصل الأول من عامه الدراسي الثاني، عندما قررت أسرته الهجرة إلى تركيا.

 

ورغم عودة عبادة إلى سوريا لاحقًا، إلا أنه لم يستطع المكوث بها لاستئناف دراسته. ومع نهاية عام 2014، نجح عبادة في الحصول على منحة دراسية في تخصص الفيزياء المحبب إليه، مستمرًا حتى الآن في دراسته، قاطنًا في مدينة بورصة التركية.

 

يرى عبادة أن الـ21 عامًا، عمره في بداية المنحة، كان عمرًا مثاليًا للتركيز على التعليم. ورغم أن عبادة عاد إلى سوريا لأشهر عدة، بعد هجرة أسرته إلى تركيا، مشاركًا في العمل الإغاثي السوري، إلا أنه عاد إلى تركيا بعد أن حصل مباشرة على المنحة الدراسية، شارحًا ما حدث لنا بأنه لم يكن يقوم بدور قيادي في المبادرات الإغاثية، وأنه كان متطوعًا ومشاركًا عاديًا، يمكن بسهولة أن يتم شغل الفراغ الذي سيتركه، في حين أنه سيخدم نفسه وقضيته بشكل أكبر بأخذه للمنحة، وذهابه للتعلم.

 

على النقيض من عبادة، اختار صهيب البقاء في سوريا للمشاركة في العمل الإغاثي، ورغم اختياره الحاسم، فإنه ما زال يعرف أن خياره يبدو "عاطفيًا غير عقلاني"، فيحكي لنا أنه لم يتخل عن حلمه باستكمال دراسته الجامعية، في مجال الهندسة المدنية، ويؤمن بأنه سيحققه يومًا ما، بعد انتهاء دوره في الداخل السوري، وأنه اتخذ قرار البقاء والمساعدة في أعمال الإغاثة في ريف إدلب المحرر، لأن "المرء يتخذ قراراته حسب المسؤوليات الملقاة على عاتقه"، كما أكمل.

 

ومع ذلك، لا يلقي صهيب بأي لوم على رفاقه، الذين قرروا ترك سوريا والتوجه للدراسة في الخارج، مضطرين أو مختارين، مؤكدًا أن لكل خياراته، وأن السفر للدراسة أفضل من البقاء وعدم فعل أي شيء. يؤمن عبادة أن صهيب ومن مثله يقدمون الكثير لقضيتهم بالبقاء داخل سوريا، وأن الشباب القادر على قيادة المبادرات يمكنه أن يصنع الفارق. ويبدو أن كلا منهما يتفق على عدم إمكانية قياس خيارات الشباب السوري، في ظل صراع شديد التعقيد، على مسطرة واحدة. وأن كليهما يخدم الهدف نفسه في نهاية المطاف، وإن ألقت الحياة بكل منهما في درب مختلف.

 

يبدو أن قدرًا من حل الفوضى يكمن في البحث عن تعليم تنافسي وتخصصي، أو على الأقل هو أفضل من الاستسلام للإحباط وعدم فعل شيء. وسط أنباء القصف والتهجير والقتل، وإهدار الحق في الحياة، وبينما يبدو الحديث عن الاهتمام بالتعليم، لمراقبي الصراعات من بعيد، ضربًا من الرفاهية، إلا أن السوريين لم يتخلوا عن أحلامهم، وكان لهم رأي آخر، أكثر صوابًا ونجاعة.

 

بعد تحرير إدلب في العام الماضي 2015، بدأ الشباب السوري في المناطق المحررة ينتبه إلى أهمية التعليم في مرحلة البناء. ولذلك نجد أن جامعة إدلب المحررة تدخل الآن عامها الثاني بعد الافتتاح، وتدرس تخصصات الآداب والهندسة والطب والعلوم الإدارية وغيرها، ويلتحق بها آلاف الطلاب السوريين، رغم عدم حصولها على اعتراف دولي.

 

أما جامعة حلب فعادت للعمل أيضا في المناطق المحررة. ناهيك عن المبادرات التعليمية الافتراضية، مثل جامعة رشد التي تدرس دبلومي العلوم السياسية وإدارة الأعمال، وغيرها من المبادرات.

 

يكمل عبادة بأنه لا غنى عن الاهتمام بالتعليم في الداخل كما في الخارج، خاصة في المراحل الأولى، وهو يخشى إن طال أمد الصراع أن يحدث تجهيل كامل. وهي مخاوف واقعية لها ما يبررها، بعد انخفاض نسب التعليم الأساسي في مناطق الصراع إلى ما دون 6%، ووجود ثلاثة ملايين طفل سوري لا يذهبون إلى المدرسة، وبالتالي يُقتل مستقبلهم الجامعي في مهده.

 

(2) غزة: الهجرة الجماعية

بدأ الطلاب الفلسطينيون موجات الهجرة لأجل التعليم منذ أربعينيات القرن الماضي، إلى الجامعات العربية والمصرية على وجه الخصوص، بعد أن عجزوا عن تأسيس جامعة خاصة تحت الانتداب البريطاني، بسبب التدخل الصهيوني.

رويترز
 
يونيو (حزيران) من عامنا الحالي، يغادر مُحمد عمر (اسم مستعار)، الشاب الفلسطيني البالغ من العمر 29 عامًا، قطاع غزة لبدء رحلة الدكتوراه في الاقتصاد السياسي، في جامعة القاضي عياض في مراكش المغربية. وبينما لم تكن هذه محاولته الأولى لمغادرة القطاع، بعد أن فقد فرصتين سابقتين للدراسة، إحداهما في جامعة إكستر البريطانية، بسبب ظروف إغلاق معبر رفح، فإن محمد ترك وظيفته المستقرة، كمدير لأحد المراكز الإعلامية بغزة، وآثر مواجهة المجهول خارج الديار، حاكيًا أن مغادرة قطاع غزة صارت حلم الكثير من شبابه، في ظل الحروب المتلاحقة، وغياب الفرص الاقتصادية والقيادية أمامهم، وحالة الانسداد السياسي و"تحكم الشيوخ" في إدارة الحكومات والفصائل.

 

طالما مثل التعليم الجامعي وبعد الجامعي معضلة كبرى في فلسطين. بدأ الطلاب الفلسطينيون موجات الهجرة لأجل التعليم منذ أربعينيات القرن الماضي، إلى الجامعات العربية والمصرية على وجه الخصوص، بعد أن عجزوا عن تأسيس جامعة خاصة تحت الانتداب البريطاني، بسبب التدخل الصهيوني. وعلى مدار أكثر من 20 عاما، مثلت الجامعات العربية الامتداد الطبيعي للتعليم في فلسطين.

 

بعد حرب يونيو (حزيران) لعام 1967، حيل بين الشباب الفلسطيني وبين الهجرة إلى محيطه العربي لتلقي التعليم، وعاد التفكير في إنشاء جامعات فلسطينية ليصير أكثر إلحاحًا. ومع بداية السبعينيات بدأ تأسيس الجامعات الفلسطينية، مثل جامعة الخليل عام 1971، وجامعة بيرزيت عام 1972، وجامعة القدس ثم الجامعة الإسلامية في غزة عام 1987، وجامعة الأزهر، وغيرهم.

 

مرت أكثر من أربعة عقود على إنشاء الجامعات الفلسطينية، وما زال محمد مؤمنًا أن الهوة بين الفلسطينيين والعالم الجديد تزداد اتساعًا، وهو رأي يوافقه فيه دكتور رائد العطل، الأكاديمي البالغ من العمر 39 عامًا، والحاصل على دكتوراه تكنولوجيا مواد التشطيب والبناء من ماليزيا، ونائب سابق لرئيس قسم الهندسة المعمارية في الجامعة الإسلامية بغزة، ويقيم حاليًا في لندن. شاغلًا منصب رئيس مجلس إدارة شركة Direct London services & consultation))، وهو ناشط في المنتدى الإنساني العالمي.

 

 يمثل التعليم  بالنسبة للشباب فرصة للهروب إلى الخارج بلا عودة (رويترز)

اضطر العطل لترك موقعه في الجامعة الإسلامية ومغادرة غزة، إثر خلاف في الرأي مع قيادات الجامعة، على حد وصفه، متفقًا مع محمد وغيرهم على أن المحسوبية تتحكم بشكل كبير في اختيار الكوادر الجامعية في جميع الجامعات الفلسطينية، كما أن الانقسام السياسي ألقى بظلاله على العملية التعليمية، حيث أصبحت الفرص الدراسية في العديد من الجامعات مرتبطة بالانتماء والولاء السياسي.

 

في مارس (أذار) الماضي، أثارت واقعة وقف أستاذ جامعي عن العمل في الجامعة الإسلامية بغزة، بسبب مواقفه السياسية، جدلًا كبيرًا، وتحكي سهيلة عمر، الحاصلة على الدكتوراه في الهندسة الكهربية، في مقال لها تجربتها في محاولة الحصول على عمل، في إحدى جامعات الضفة الغربية أو القطاع، في جامعات الأزهر وخان يونس والجامعة الإسلامية، قبل أن تخلص إلى أن الوساطات والانتماءات تتحكم بشكل كبير في الجامعات الفلسطينية.

 

يرى الدكتور رائد أن "الهجرة الجماعية" للشباب الفلسطيني قد تحولت إلى ظاهرة أسماها "الهروب إلى الأمام". مؤكدًا أن التعليم يمثل بالنسبة للشباب فرصة للهروب إلى الخارج بلا عودة، لأنه حتى أولئك الذين يعودون بعد إتمام دراستهم، سرعان ما يصطدمون بالواقع الذي يدفعهم إلى السعي نحو الرحيل مرة أخرى.

 

يحكي لنا رائد عن قصة زميل فلسطيني حصل على درجة الدكتوراه من الخارج، قبل أن يعود إلى فلسطين للعمل، ولما لم يجد له فرصة بسبب الوساطات وعدم تقدير الكفاءات، غادر إلى الولايات المتحدة للعمل هناك، وبسبب كفاءته التي تم غض الطرف عنها محليًا، فإنه عمل مساعدًا لعمدة ولاية نيويورك.

 

ورغم أن الشباب الفلسطيني يكرر دائمًا أن الاحتلال هو المسؤول الأكبر عن الأزمات التي يواجهها، وهو أمر به الكثير من الصحة، فإن هناك حالة ملحوظة وواضحة من السخط، تتزايد باضطراد بين صفوفهم على أداء الفصائل والحكومات الفلسطينية، العاجزة عن تلبية طموحات شعوبها، والتعليم ليست استثناءً من ذلك السخط بالطبع.

 

(3) بلاد النيل: نظام يكره الطلاب ويكرهونه


فبراير (شباط) كانون الثاني لعام 1977،
يدعو الرئيس المصري الأسبق أنور السادات وفود طلاب الجامعات للقائه في استراحته بمنطقة القناطر الخيرية. إلى لقاء يأتي بعد قرابة شهر من اندلاع انتفاضة الخبز الشهيرة في أول العام، بعد أن أقدمت الحكومة على رفع أسعار العديد من السلع الأساسية.

 

ضمن الحضور، كان هناك شاب ملتح وقتها، يشغل منصب رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة، وأمانة لجنة الإعلام في اتحاد طلاب مصر. أخذ الفتى الكلمة لنفسه بعد تجاهل مطالباته بها، وقام بتوجيه انتقادات شديدة اللهجة إلى السادات ونظامه، متهمًا إياه بقمع تظاهرات الطلاب المندلعة احتجاجًا على إبعاد الداعية الشهير محمد الغزالي، وإحالته للعمل الإداري حينها.

 

أطرق السادات برأسه قليلًا، ثم سرعان ما رفعها غاضبًا، واحتد على الشاب ليقول له: "اقف مكانك، إنت بتكلم رئيس الجمهورية يا ولد". قصة شهيرة، يرويها بطلها الدكتور عبد المنعم الفتوح، رئيس أحد أحزاب المعارضة البارزة في مصر، قصة تحمل الشاهد الأبرز فيها، والكامن في عبارة السادات ذائعة الصيت، والتي تحولت إلى أحد كلاسيكيات الحركة الطلابية المصرية.

 

ينظر النظام إلى الطلاب في مصر نظرة أبوية شديدة الصرامة، نظرة تنعكس على خطاب إعلام النظام الدائب على تصوير احتجاجات الطلاب دومًا كأنها ضرب من قصور الآداب العامة، ومنذ تأسيس دولة يوليو عام 1952، ظل التوتر مهيمنًا على علاقتها بطلابها وخاصة طلاب الجامعات، ولذلك نجد أن الشاب المصري خالد رضا هو أحد الذين عانوا ميراث ذلك التوتر.

رغم خفوت حدة المعارضة الطلابية لنظام السيسي بفعل القمع الأمني والقبضة الأمنية الصلبة، لا يزال العديد من الطلاب يتوافدون إلى الخارج بحثًا عن فرصة أو هربًا من قمع النظام

رويترز

اضطر خالد إلى ترك دراسته في السنة النهائية لكلية طب الأسنان، بجامعة المنصورة في دلتا مصر، بعد مسيرة ناجحة شغل فيها منصب رئيس اتحاد طلاب الكلية، خلال العام الدراسي 2012، 2013، جراء المطاردة الأمنية السياسية له من قبل النظام الأمني لــ"عبد الفتاح السيسي".

 

خلال عامي 2014 و2015، تحمل الطلاب الجامعيون نصيب الأسد من بطش النظام في مصر، وخلال العام الماضي 2015 وحده، تم رصدت 25 حالة قتل لطلاب جامعيين خارج إطار القانون المصري، وأكثر من 400 حالة اختفاء قسري، منها عشر حالات لطالبات، و286 حالة فصل دراسي تعسفي، وأكثر من ألف حالة اعتقال تعسفي موثقة، بالإضافة إلى الاقتحامات الأمنية للحرم الجامعي، في معظم الجامعات المصرية. لذلك، ومع اقتراب عام 2014 من نهايته، وفي ظل هذه الأجواء الحربية بامتياز، وتحول العملية التعليمية الجامعية المصرية لما يشبه مطاردة ساحرات القرون الوسطى، كان خالد مجبرًا على ترك دراسته والسفر إلى ماليزيا لاستكمال تعليمه هناك.

 

رغم التاريخ المرتبك للعلاقة بين النظام والطلاب في مصر، فإن مصر لم تشهد عبر تاريخها هذا القدر من النزوح الجماعي للطلاب الجامعيين المطاردين، فرارًا من بطش النظام. ويمكن اعتبار ما نشهده حاليًا بمثابة أول تجربة جماعية لـ"طلاب المنفى" في تاريخ مصر الحديث، ورغم عدم وجود إحصاءات رقمية دقيقة حول أعداد هؤلاء الطلاب، فإن المرجح أن كثيرين منهم يواجهون عوائق شديدة أمام إكمال دراستهم في الخارج، بسبب صعوبة التغرب وزيادة عبء النفقات.

 

بعد ماليزيا، استقر خالد أخيرًا في قبرص. ورغم قراره آنذاك بعدم امتهان طب الأسنان مستقبلًا، إلا أنه قرر استكمال شهادته الجامعية. بجانب ذلك، بدأ في دراسة بعض مقررات إدارة الأعمال على الإنترنت. ويعتبر خالد نفسه موفقًا بشكل كبير، بينما الشباب في الخارج "لا يملكون رفاهية الاختيار، ويبحثون عن اختصار أعمارهم في أية دراسة، وفي كثير من الأحيان لا تتاح أمامهم الفرص".

 

في بداية العام الماضي، يناير (كانون الثاني) 2015، ساعد خالد بعض الشركاء بتأسيس شركة لخدمات الطلاب المغتربين، من أجل مساعدة الطلاب الذين أجبروا على الهجرة في الحصول على فرصة لإكمال دراستهم. يكمل خالد لنا: "كان هذا هو الاحتياج الأكبر. وفي الوقت نفسه كانت فرصة جيدة لاختبار إتقاني للعلوم الإدارية التي حصلتها".

 

ورغم خفوت حدة المعارضة الطلابية لنظام السيسي بفعل القمع الأمني والقبضة الأمنية الصلبة، لا يزال العديد من الطلاب يتوافدون إلى الخارج بحثًا عن فرصة أو هربًا من قمع النظام. ولذلك نجد أن الشركة الناشئة، التي أسسها خالد وشركاؤه، قد قدمت خدمات لقرابة ألف طالب جامعي، على مدار عام ونصف، قبل أن يقرر هو ترك الشركة لاستثمار جهده في تجربة جديدة. ويخبرنا خالد، الذي حصل على شهادته في طب الأسنان من قبرص، في يونيو الماضي، أن السفر بالنسبة له كان فرصة جيدة للتعلم، وفتح له آفاقًا جديدة لممارسة العمل الذي يجيده. ولكنه بالنسبة إلى العديد من الطلاب المصريين المهجّرين في الخارج، فإن الأمر ليس كذلك».

 

(4) محطة في رحلة شباب الربيع العربي
"ربما ننفق كل العمر كي نثقب ثغرة، ليمر النور للأجيال مرة" - أمل دنقل
(رويترز)


إلى الجنوب على ضفاف النيل، وتحديدًا في مدينة الخرطوم، يعيش الشاب السوداني العشريني، خريج الهندسة الكهربية، خالد عثمان الفيل. مع انخراطه في الأنشطة الطلابية والاجتماعية، قرر الفيل في وقت مبكر أنه لن يعمل في مجال دراسته الجامعية، وفي سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، كان خالد موجودا على طائرة (الخرطوم - لندن)، بعد أن حصل على منحة ظل يسعى إليها لدراسة الاقتصاد السياسي، في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، ضمن منحة القادة الأفارقة التي يقدمها مركز الدراسات الإفريقية.

 

يبدو النمط الشبابي العربي العام متمثلًا في "الهروب إلى الأمام" بالتعليم، فنجد أن تقريرًا صادرًا في بداية العام الحالي، يخبرنا أن السودان هو ثاني أفقر دولة عربية. وأن انهيار العملة السودانية ولّد الكثير من الضغوط على السودانيين، حيث وصل سعر الدولار الأمريكي لما يعادل 16 جنيهًا سودانيًا حاليًا، ولأن الشباب السوداني ليس استثناءً من قواعد اللعبة، فقد حفزتهم الضغوط للبحث عن فرص خارجية.

 

يؤمن خالد بأهمية سعي الشباب للحصول على تعليم مرتفع المستوى، ولكنه لا يرى ذلك مفيدًا للجميع ما لم يعد هؤلاء الشباب إلى بلادهم مرة أخرى لاستثمار خبراتهم، وهو ما لا يحدث غالبًا، حيث ينظر الشباب إلى التعليم الخارجي كبوابة للالتحاق بالعمل في أوروبا، أو حتى في دول الخليج، ومن ثم الاستقرار.

 

أصبح سعي الشباب السوداني للهجرة التعليمية ظاهرة ملحوظة، ويلمس خالد هذا التوجه حتى في دائرته القريبة. في عام 2012، كان عدد من غادروا السودان من خريجي قسم الهندسة الكهربية 27 طالبًا من إجمالي 115 طالبًا، أي الربع تقريبًا، ثم ارتفعت هذه النسبة في العام التالي مباشرة 2013 لتصل إلى 42 طالبًا، بنسبة زيادة تفوق 40%، وعلى عكس السائد، لا يرى خالد أن هذه الظاهرة تعكس توجهًا إيجابيًا، لأن معظم هؤلاء الشباب يسافرون بفعل الإحباط للبحث عن فرص أفضل لذواتهم، ولكنهم لا يعودون إلى بلادهم في المستقبل.

 

يسعى خالد إلى السفر مرة أخرى سعيًا لاكتساب خبرة في مجال اقتصاديات التنمية، ويأمل في الحصول على فرصة ملائمة للاحتكاك بالمجال عن قرب، من خلال العمل في أحد بنوك التنمية الإقليمية، مثل البنك الإفريقي للتنمية في تونس. ولكنه مصرّ على العودة للسودان من جديد لاستثمار تجربته.

 

في ظل انحسار آفاق التغيير السياسي في المنطقة، وتقلص الفرص الاقتصادية وهيمنة التوترات الاجتماعية والطائفية، يمكننا أن نلمس بوضوح ميل نسبة كبيرة من الشباب العربي إلى الاستثمار في البحث عن فرص تعليم جيد وتنافسي، حتى إن اضطرهم ذلك للخروج من بلادهم. على جانب آخر، يرى البعض أن هذه الظاهرة ربما يكون مردها إلى الإحباط القائم لدى الشباب أكثر من أي شيء آخر، وأنها تأتي امتدادا لظاهرة الهجرة من مناطق الصراعات وتقلص الفرص. لكن الواضح للعيان هو أن رحلة شباب الربيع العربي للبحث عن ذاته لا تزال مستمرة، وأنه وإن اختلف البعض، فإن الكثير من المهاجرين يرون في التعليم سلاحًا غير مباشر لتغيير قواعد اللعبة في المستقبل.

كلمات مفتاحية: تعليم جامعات مصر سوريا

تقارير متصدرة


آخر الأخبار