انضم إلينا
اغلاق
حزب كاني ويست وصعود دولة التسلية

حزب كاني ويست وصعود دولة التسلية

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
أقيم في أغسطس من عام ٢٠١٥ حفل توزيع جوائز إم تي في الموسيقية، وصعد "كاني ويست" إلى المسرح لتسلم جائزة الفيديو الطليعي من "تايلور سويفت". ثم أنهى خطاب القبول معلنا عزمه الترشح لمنصب رئيس الولايات المتحدة. استجاب الجمهور المكون من أصحاب الملايين، والموسيقيين دائمي الظهور في قائمة الأكثر مبيعا، والمشاهير، بالتهليل ابتهاجا ورفع الأيدي علامة على التشجيع.


لكن من شاهدوا الحفل عبر التلفاز، وهم الذين اعتادوا على تصريحات "كاني ويست" وتصرفاته غريبة الأطوار، افترضوا أن قوله ذاك كان من قبيل المزاح. وفي الشهر التالي، جذب تصريح "كاني ويست" اهتمام الرئيس باراك أوباما. فقال: "ستضطر إلى التعامل مع شخصيات غريبة، يتصرفون كما لو كانوا في برنامج لتليفزيون الواقع،"  في إشارة إلى زوجة ويست، نجمة تليفزيون الواقع والسيدة الأولى المحتملة، "كيم كارداشيان". وأكمل أوباما: "هل تظن حقا أن هذه البلاد ستنتخب شخصا أسود البشرة، من جنوب شيكاغو، له اسم مضحك، رئيسا للولايات المتحدة؟" ولا شك أن أشياء أكثر غرابة قد حدثت، وما زالت تحدث، وستحدث في أمريكا.

""كاني ويست" في حفل توزيع جوائز إم تي في عام 2015 حيث أعلن عزمه الترشح لمنصب رئيس الولايات المتحدة.

رويترز
 

ولمزيد من الوضوح، أقول إني ما كنت لأستبعد "ويست" حال ترشحه للرئاسة. ففي حياة أخرى كان ليصبح موظفا حكوميا متميزا؛ بل إن نشأة "ويست" وخلفيته تؤهلانه لشغل منصب عام. أظهر "ويست" منذ سن مبكرة اهتماما بالفنون، قاده إلى الانخراط في مجتمع موسيقى الهيب هوب في ولاية شيكاغو، بداية ككاتب ثم كمنتج، وأخيرا كفنان من طراز عالمي، يحمل "ويست" حملا ثقيلا بصفته رمزا شعبيا أكثر مما يستطيع أوباما تخيله. إنه -بالتأكيد- أكثر ارتباطا بمحن وانتصارات وإخفاقات الأمريكيين المعاصرين من مرشح جمهوري حالي مثل ترامب.

 

في عام ٢٠٠٥، ظهر "ويست" في بث مباشر لدعم ضحايا إعصار كاترينا، معلنا للمشاهدين أن "جورج بوش لا يهتم بأمر السود." وهو ما عبر عن الغيظ الذي يستعر في النفوس تجاه إدارة بوش. وبالنظر إلى الطريقة التي انتهت إليها الأمور في نيو أورليانز، لا يملك المرء إلا الموافقة على تعليق ويست. كذلك أظهر "ويست" اختلافا عن الخطاب العام؛ حتى إنه اقترح -قبل ترشحه للرئاسة- بعض التعديلات الجذرية في الثقافة الشعبية:

أنا أؤمن بنفسي، بنا، نحن شباب الألفية، إنها عقلية مختلفة، نحن لن نسيطر على أطفالنا بالحديد والنار. نحن لن نعلم أطفالنا احتقار الذات والكراهية. سنعلم أطفالنا أن باستطاعتهم النبوغ. سنعلم أطفالنا الدفاع عن أنفسهم. سنعلم أطفالنا الثقة بالنفس. الأمر كله متعلق بالأفكار، أفكار جديدة، أشخاص يفكرون، أشخاص يؤمنون بالحقيقة.

 

في أسوأ الأحوال، نجد أن طموح "ويست" يقود إلى شيء أكثر شرا: الإيمان بوجوب كون السياسيين من أصحاب اللباقة، والذكاء، ومخارج الحروف الواضحة، وبرنامج سهل الفهم، بدلا من كونهم مشرعين مجتهدين يتفهمون المصاعب التي يواجهها الناس، إننا نزداد اقترابا من عصر مفرط في الأداء المسرحي، يتزاوج فيه الواقعي والخيالي.

مغني الراب كاني ويست والرئيس الأميركي دونالد ترمب  (رويترز)


إن تأييد الحزب الجمهوري لـ"دونالد ترامب" يعزز الرأي القائل بأن الأمريكيين مستعدون لمثل هذا الحدث العظيم. كان نهج "ترامب" يعتمد على استثمار الأفكار المسبقة المتطرفة ضد الهجرة التي تكن لها النفس الأمريكية المظلمة ما تكنه، فنحن نلوم الهجرة على الخراب الاقتصادي والثقافي المتفشي. وإجابة "ترامب" واضحة: تشييد أسوار حقيقية لمنع المهاجرين من الدخول، وتشييد أسوار افتراضية لمنع تسرب مخزوننا من التعصب. إن طبيعة "ترامب" القصية وبحثه عن الصراع أمر خطير للغاية؛ خاصة في عالم يواجه اضطرابات هائلة. مع ذلك، بينما أكتب هذه المقالة يتفوق "ترامب" في استطلاعات الرأي.

 

الخبر المحزن أن "ترامب" و"ويست" يقرأون من كتاب واحد، فآراء ويست -مثلما ترامب- عن أمور مثل الرعاية الصحية، والسياسة الخارجية، والاقتصاد، والموارد المالية، ورعاية العجائز والفقراء، والبرنامج الفضائي الأمريكي، وإصلاح التعليم لم يكشف عنها بعد. فإن كانت حملة "ويست" أمرا حقيقيا؛ فسيضطر إلى العمل مع مجموعة هائلة من المدراء، والمنظمين، والمتطوعين، وهنا تكمن المشكلة.


هناك افتراض أمريكي زائف أن الرئاسة هي التراكم الأعظم للقوة والنفوذ؛ أي كمال الحلم الأمريكي. لكن الرئاسة بعيدة كل البعد عن أن تكون منصبا فرديا. هناك مجلس الوزراء، ومجلس الشيوخ، وأشخاص يجب التفاهم معهم. وطبقا لظهوره على صورة تشابه صورة المسيح (أغنية "أنا إله"، من ألبوم "ييسوس") ستكون الرؤية التي يتبناها ويست للرئاسة تجسيدا لكل جوانب أمريكا. ومع انعدام القدرة على تمثيل أمريكيين حقيقيين سيكون هذا التجسيد لكل حقيقة أمريكية تجسيدا أجوف، وسيجرد أي رئاسة ما بعد "كينية" من قيمتها، مع التنافس بين الباحثين عن الشهرة (صرحت ليندسي لوهان برغبتها في خوض انتخابات ٢٠١٠ الرئاسية).

حملة كاتي ويست الرئاسية مجرد خدعة جديدة في سعيه إلى كسب مزيد من الشعبية، وكما قال في حفل توزيع جوائز إم تي في الموسيقية: "أنا لا أريد إلا كسب إعجاب الناس"

رويترز
 

في كتاب "إمبراطورية الوهم: نهاية الثقافي وفوز المسرحي" يعقب "كريس هيدجيس" على الوهم الجماعي الذي تخوضه أمريكا. فيقول: "كلما ازداد الواقع سوءا، انخفضت رغبة الشعب في معرفة ذلك، وكلما زادت محاولاته في التلهي بحفلات زائفة للمشاهير، والاستماع إلى القيل والقال، والاهتمام بالتوافه." إن الحفلات الزائفة والتوافه دخلت الملعب السياسي الآن.

 

تحت هذه القبة الديمقراطية المصنوعة من الورق المقوى تنمو فظائع الرأسمالية، ويزداد عجز الطبقة العاملة، ويقترب هلاك البيئة، وتتواصل نكبات النظام التعليمي، ولا يملك "كاني ويست" أي قوة لإيقاف ذلك، حتى لو أراد فعل ذلك حقا. في النهاية، إن حملته الرئاسية مجرد خدعة جديدة في سعيه إلى كسب مزيد من الشعبية، وكما قال في حفل توزيع جوائز إم تي في الموسيقية: "أنا لا أريد إلا كسب إعجاب الناس!" إن رئاسة "كاني ويست" هي استبدال للأسطوانات وتذاكر الحفلات مقابل الأصوات. لن تستمر أمريكا في معايشة نفس الواقع الذي يعيشه سائر العالم بعد ذلك؛ بل ستنتقل إلى حالة دائمة من التسلية. ولن يجرؤ يساريون، ولا معتدلون، ولا يمينيون -مهما كانت شهاداتهم وأوراق اعتمادهم- على دخول ومسايرة هذا السيرك.

=======================================================

المادة مترجمة عن: https://everydayanalysis. 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار