انضم إلينا
اغلاق
في سجون الأبارتهايد.. تجربة لا شفاء منها

في سجون الأبارتهايد.. تجربة لا شفاء منها

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
لقد كافح ريموند سوتنر بكامل طاقته ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، سواء على صعيد النشاط السياسي القانوني أو العمل السري غير القانوني. فقد قضى فترتي سجن، كما وُضع قيد الإقامة الجبرية فترة بعد إطلاق سراحه عام ١٩٨٨، لتبلغ الضريبة التي دفعها من حياته وحريته إحدى عشر عامًا. لكنه شغل في بعض الفترات مناصبًا قيادية في ثلاثة من كبرى الحركات المحظورة آنذاك، هي المؤتمر الوطني الأفريقي، والحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا، والجبهة الديموقراطية المتحدة.

 

قُدّمَ سوتنر إلى المحاكمة عام ١٩٧٥ وفقا لقانون الأمن الداخلي، بعد ستة أسابيع من الاعتقال تعرض خلالها إلى التعذيب. وفيما يلي اقتباس محرر من كتابه "داخل سجون الأبارتهايد" الصادر عام ٢٠٠١، والذي يُنتظر صدور طبعة جديدة منه -محررة ومزودة بخاتمة- عن دار جاكانا الجنوب أفريقية في وقت مبكر من العام الحالي.

 

ريموند سوتنر

يقول سوتنر "ما تزال تجربة السجن تلازمني، بعد سنوات من إطلاق سراحي أخيراً عام ١٩٨٨. إنه شيء يجعلني أرغب في مغادرة هذه الحجرات الخانقة والملتهبة بحثاً عن الهواء المنعش والضوء، هرباً من ضيق الحجرات المظلمة إلى رحابة الفضاء الفسيح. ويكون ذلك أشد ما يكون حين أضطر إلى مجالسة أشخاص لا يجمع بيننا إلا القليل من الاهتمامات.

 

كان الحرمان التام من كل شيء أردت فعله هو أقسى صور العذاب على نفسي. لا يقتصر ذلك على التقيد القسري بمساحة مكانية معينة، بل يشمل كذلك استقبال المشاهد والأصوات التي لم تكن محل ترحيب مطلقاً.

لم تكن هناك أسِرَّةٌ في الزنازين، فالحصائر تُفرش على الأرضية الإسمنتية مباشرة، وأنام فوقها ملتحفًا بالبطاطين، لكن الزنازين كانت تحوي حوضًا نظيفًا، لقد كان مسموحاً لي وفقاً للقانون الجنوب أفريقي بالحصول على الكتب، لكن سرعان ما امتلأت الزنزانة بمجموعة كبيرة من الأعمال الأدبية، كان من الواضح أن سلطات السجن لم تتعرض لهذا الموقف من قبل، فلم يكن لديهم أي خزائن للكتب، وتسلمت بدلا منها صناديقًا صممت لأغراض أخرى.

 

كنت المتهم السياسي الوحيد في السجن، وكان أكثر السجناء الآخرين بانتظار المحاكمة، وهو ما يكلفهم في أغلب الحالات شهورًا كثيرة يقضونها على هذا الحال، كما هو الوضع حتى الآن".

 

خامات السجن وملمسه وألوانه

"كان السجن حوائطاً رمادية وقضبانًا فولاذية، لا أحتاج إلى كلمات أخرى لأصف الخامات والأسطح والألوان التي اضطررت إلى التعامل معها سنوات طويلة، فلن تجد في السجن شيئًا قد تود لمسه أو رؤيته إلا نادرًا، كانت الحصيرة قاسية، والبطاطين منفرة، لم يكن في بيتي الجديد أي شيء مريح.

 

لم تكن هناك حديقة، ولا وقت كاف لتأمل السماء، كان يسمح لي بالخروج للتسكع في فناء ضيق، نصف ساعة في الصباح وأخرى بعد الظهر، وإن زارني أحدهم، يكون ذلك على حساب نصف ساعة منهما. أما باقي اليوم فكنت أقضيه في الزنزانة، التي لا يمكنني الإطلال منها على أي شيء في الخارج.

 

لقد تمت محاكمتي في البداية وفق قانون الإرهاب الذي وضعه نظام الفصل العنصري، في الثالث من أغسطس عام ١٩٧٥. لكن ذلك لم يكن سوى إجراء شكلي، فقد عُقدت المحاكمة الحقيقية بعدها بشهرين، واجهت فيها اتهامات تضعني تحت طائلة قانون الأمن الداخلي.

 

حصلت على ملابس جديدة وقمت بزيارة إلى الحلاق قبيل المحاكمة مباشرة، كذلك قررت حلق لحيتي، عسى أن يجعلني ذلك أكثر وقارًا في عين القاضي الجنوب أفريقي أبيض البشرة، كنت أرغب في الظهور بأفضل هيئة ممكنة، فقد كنت بمثابة ممثل عن حركة التحرر.

 

عدت ثانية إلى سجن "ديربان" المركزي بعد توجيه الاتهامات الجديدة وقد تغيرت بعض الأمور؛ صار بإمكاني الآن

 الاتصال بالمحاميين، واستقبال الزيارات لمدة ٣٠ دقيقة، مرتين شهريًا. ورغم ظروف معيشتي التي كانت أفضل مما توقعت، كنت أنتظر صدور الحكم بفارغ الصبر، ليتسنى لي التأقلم مع الوضع الجديد أيًا كان.

 

كان استقبال زيارات الأصدقاء وتسلم ما يرسلونه من طعام وفاكهة يسعدني، ويهون عليّ قسوة الحياة، لكنه أثار قلقي أيضًا، فقد خشيت الاعتياد على مثل هذه الرفاهيات".

 

نافذة يهوذا

كان تصميم الزنزانة يسمح للمار بأن يحظى بإطلالة تكشف له  كل الزنزانة، مما سلبني أي نوع من الخصوصية، كل ذللك كان يشعرني بنوع من العجز

غيتي
"بدأت أكوّن صورة عما ينتظرني بعد الحكم، قبل صدوره بفترة، رأيت الطرق المختلفة التي تتبناها إدارة السجن لتسلب كل سجين تفرده، كان هناك انتهاك مستمر للخصوصية، وتعد دائم على كرامة السجناء، ولعل "نافذة يهوذا" هي أحد الأشياء البسيطة التي سببت لي صدمة في الحال.

 

كان بوسع أي مار أن يطلع على زنزانتي وقتما يشاء ويوجه السباب إلى شخصي، وأحيانا كان بعض السجناء هم من يقومون بذلك، شعرت حينها بنوع غريب من العجز، لم يكن تصميم الزنزانة يتيح للسجين رؤية الكثير مما يجري بالخارج، إلا أن الواقف على الناحية الأخرى من الباب كان يحظى بإطلالة تكشف له جميع زوايا الزنزانة، مما سلبني أي نوع من الخصوصية، وكثيرًا ما كنت أشعر بالخوف عندما أتلقى تهديدًا من شخص يقف خارج الزنزانة، يصرخ فيّ دون أن أراه.

 

صرت قادرًا على التمييز بين أنواع الضوضاء المختلفة في السجن مبكرًا، مثل الصمت العرضي الذي تقطعه جلبة فظيعة، وأصوات قرع الأبواب الفولاذية، وجلجلة المفاتيح، وصياح الحرس وسبابهم، لا يتحدث أي من القائمين على إدارة السجن بلطف، يصيح الضباط في الحرس، ودائما ما يصيح الحرس في السجناء.

 

كنت أجد صعوبة في النوم، فلم يكن الحرس صغار السن يرون في الهدوء أي فضيلة، كانوا إذا ما أطلوا على زنزانتي ليلًا، أناروا الحجرة فترة كافية لإيقاظي، يواصلون بعدها السير في طريقهم، وقد يقف الحارس الشاب أحيانًا وسط الممر، بلا هدف واضح، ليهز سلسلة مفاتيحه بدرجة تكفي لإثارة ضيقي، أدرك حينها مدى ضعف أعصابي.

 

لم تكن هناك زيارات تتيح اتصالًا مباشرًا، وكان عليك التحدث من خلف لوح زجاجي، وقد يتزامن ذلك مع استقبال سجناء آخرين لزوارهم، وإن كانوا يحرصون بشكل عام على الفصل بيننا، وهو ما كنت أفضله، بسبب صعوبة التواصل مع زوارك وسط صيحات السجناء الآخرين وزوارهم".

 

بيان من قفص الاتهام
كتاب ريموند سوتنربعنوان استعادة الديموقراطية في جنوب أفريقيا 2015

"في هذا الوقت، كنت منهمكًا في إعداد البيان الذي سأتلوه في المحكمة، لم أكن أملك الكثير لأقوله، كانت الاتهامات التي أواجهها -من حيث الصحة القانونية- شديدة الإحكام.

 

كتبت خطابًا في ١٨ أغسطس ١٩٧٥ إلى جدتي، جاء فيه: 

بشكل عام، لا يمكنني القول إني أشعر بالاكتئاب هنا، إنها خسارة عظيمة، لا أجادل في هذا. أعني بذلك الفترة التي قضيتها في السجن حتى اليوم، والفترة التي يحتمل قضائي لها حال إدانتي، وهي ما لن تقل حينئذ عن خمسة أعوام أخرى. لكن لا يمكنني الادعاء بأن حالتي تستحق الشفقة: حصل آخرون على أحكام بفترات أكثر طولًا، وحدث ذلك وهم في أعمار تقترب من عمري، بالطبع لا أرغب في الذهاب إلى السجن، لكن ذلك لا يعني أني أشعر بالندم على ما فعلته، ولو أتيحت لي الفرصة ثانية لفعلت الشيء نفسه، وأكثر، بل إن تفاهة مجهوداتي وعدم كفايتها هو ما أندم عليه حقًا.

كتبت هذه الفقرة بروح الثوار الذين درست سيرتهم وحاولت محاكاتهم، وهي كذلك مثال جيد على ميلي إلى إنكار آلامي الشخصية، خاصة مع علمي بتعرض آخرين إلى ما هو أسوأ، فها هو نيلسون مانديلا زعيم المؤتمر الوطني الأفريقي قد تلقى حكمًا بالسجن المؤبد، لذا اخترت ألا أتحدث عن معاناتي الشخصية".

 

تبني موقف شجاع

لربما كان في إنكاري لمعاناتي الشخصية نوع من محاولة التأقلم، وأعتقد أنها كانت استراتيجية ناجحة، فما كانت الشكوى إلا لتضعف روحي المعنوية

دايلي مافريك

"حقًا، لم أكن أعرف وقتها العذاب الذي يسببه السجن لسنوات، ولا كنت أدري المعنى الحقيقي للاكتئاب. كنت أخلط -مخطئًا- بين الاكتئاب وغياب السعادة. كنت أعرف كيف أتصرف، وكيف أتبنى موقفًا شجاعًا لا أندم عليه، غير أني لم أتوقع العذاب الحقيقي الذي ينتظرني، ولا استوعبت الضريبة التي تقتطعها فترات الحبس الطويلة من الروح. واليوم، ما زلت عاجزًا عن الادعاء بأني قد خبرتها تماما، مع الاعتراف بالدور الرئيسي الذي لعبته تجربة السجن في تكوين كثير من عاداتي الحالية.

 

لكن ربما كان سلوكي صحيحا وقتها، كان في إنكاري معاناتي الشخصية نوع من استراتيجيات التأقلم، بل لعلها كانت استراتيجية ناجحة أيضًا. وأقر أني استحييت من الشكوى، خاصة مع حصول آخرين على أحكام أشد سوءًا. فما كانت الشكوى -مع التفرقة بين الشكوى والاحتجاج- إلا لتضيع الوقت، وتضعف روحي المعنوية، وروح الرفاق.

 

نحن نعيش اليوم في عصر مختلف، ويمكنني الآن استرجاع الماضي والتحدث بشجاعة وصدق عن مدى فظاعته. أرى اليوم أن رسائلي التي كتبتها في هذه الفترة كانت ساذجة، لكني كنت مجبرًا حينها على التمسك ببعض المبادئ الأساسية لتحمل هذه الأوقات العصيبة، وكانت قناعاتي هي القارب الذي نجوت به من الهلاك.

 

لقد تبنيت موقفًا شجاعًا، ولم أعتذر مرة عما فعلته، ووقفت في صف حركة التحرر".

 

 =======================================================

المقال مترجم عن: الرابط التالي

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار