انضم إلينا
اغلاق
معلم بلا وظيفة.. هل أنهى الإنترنت الدور التاريخي للمعلم؟

معلم بلا وظيفة.. هل أنهى الإنترنت الدور التاريخي للمعلم؟

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

يحكي الدكتور عبد الله الغذامي عن قصة طريفة من قصص الهنود الحمر الحديثة، جاء فيها أنّ رجلاً منهم سافر على متن طائرة إلى إحدى المدن الأميركية الكبرى، وحينما وصل المطار اتجه الهندي إلى مكان استلام الحقائب ليأخذ حقيبته، وهناك جلس على مقعد جانبي وظل جالساً لمدة يومين بلا حراك، وحينما سألوه عن سبب ذلك قال لهم "لقد وصل جسدي بسرعة ولكنّ روحي لم تصل بعد!" (1)

 

هذه الحكاية تحيل إلى رمزية السرعة كإحدى معاني التكنولوجيا الحديثة؛ حيث صارت الماديات تتحرك بسرعة مذهلة؛ بينما لا تملك الذهنيات سرعة مماثلة في التحرك والتجاوب مع الواقع ذاته، وبالطبع فإن هذه الوضعية التسارعية التي بات يتطبّع بها منطق سير الأشياء في العالم الحديث، يجعلنا في مجابهة مفتوحة مع صروف الواقع وتقلّباته، وفي كل مرّة نتغاضى فيها عن مجاراة التغيرات التي تحدث في العالم؛ نراكم جملة من الأزمات والمشاكل التي نخشى أن يأتي اليوم الذي لا نقدر معها على حلٍ نهائي ولا مجابهة نكون قادرين فيها على تجاوزها.

 

إننا واقعون تحت إرهاب المعرفة؛ إرهاب المعرفة الذي ظل على مر الأزمان يرسمه قانون من الضروري أن تكون المعرفة مرعبة!

وقد أصبح لهذه التغيرات المتسارعة في الواقع الحديث وسرعة تبادل ونقل المعلومات الذي أتاحته التكنولوجيا، أثرها على وظيفة التعليم الأساسية المتمثلة في نقل المعرفة؛ حيث فرضت هذه الوسائل التقنية الحديثة تحدياً على المعلم ودوره الوظيفي والتكويني في نقل المعرفة.

 

وليس بعيداً عن الوضعيات التسارعية التي أشرنا إليها آنفاً؛ فإنّ العالم اليوم يعيش أضخم تمزُّق عرفته البشرية في تاريخها، منذ العصر الحجري وحتى الآن، وهذا التمزق كما يرى الفيلسوف الفرنسي ميشيل سار متعلق بالمعرفة وعلاقتها المشتبكة مع التطور التكنلوجي. (3)

 

تطور المعرفة
خلال مسيرة الإنسان على الأرض مرت المعرفة بأربعة مراحل متعاقبة، في كل من هذه المراحل لعب المعلم أدواراً مختلفة بحسب طبيعة كل مرحلة والوسائل والوسائط المتاحة لنقل المعرفة، ويمكن تلخيص هذه المراحل وفقاً لما يلي: (4)

كان للمعلم دور بارز خلال تطور مسيرة المعرفة عبر العصور (غيتي إيميجز)


المرحلة الأولى:
كانت المعرفة تتأسَّس على جسد العالِم المُعِلّم المربّي الحكيم.. إلخ؛ باعتبارها تجلياً للثقافة الشفاهية، المتوارثة من تأملات الفلاسفة وأساطير القدامى وحكايا الجدّات، والتي تجعل الإنسان في مجابهة مفتوحة ودائمة مع عوادي النسيان.


 المرحلة الثانية: دشّنتها عملية اكتشاف الكتابة والتي أصبحت معها المعرفة تنقل في القراطيس، وفي الرقوق وفي اللفائف الجلدية وسعف النخيل، وبهذه المرحلة يكون سؤال النسيان قد تجاوزته البشرية -على مستوى الوعي على الأقل.


المرحلة الثالثة: والتي بدأت مع عصر النهضة أي بعد اكتشاف الطابعة، والذي أصبحت تنقل فيه الكتب على الورق في ضمائم بين دفتين، وبعدها تركن على الرفوف مؤرشفةً، محررة بذلك المعرفة من رأس المال والسلطة -إلى حد ما-، بعد أن كانت مسألة التدوين والكتابة موقوفة على نزق الخطّاطين، وجنون أسعار الورق ورداءة الحبر وأهواء السلطان وعيونه المزروعة على أبواب الورّاقين.


المرحلة الرابعة: صارت المعرفة بعد الإنترنت تنقل وتخزّن عبر الشاشة، والوصول إليها لا يحتاج لأكثر من عملية تهامسٍ محموم مع الكمبيوتر؛ إذ أصبحت هذه المعرفة متاحة في اليد، وفي جيوبنا الصغيرة، ويمكن الوصول إليها عبر اليوتيوب والويكيبيديا وجوجل وفيسبوك وأجهزة المحمول، ومن خلال أي موقع أو بوابة، كما سنجدها واضحة وموثّقة ومصوَّرة وبدون أخطاء ألفناها في أحسن الموسوعات المطبوعة.

عملية الخضوع الطوعي التي تطبع سلوكنا في المدرسة ليس لأننا نخضع لمعِلّمينا؛ ولكن لأننا نخضع للمعرفة التي خضع لها معِلّمونا أنفسهم بكل تواضع

بيكساباي


هذه التحولات في طبيعة تجسّد المعرفة عبر المراحل الأربعة التي ذكرناها (التناقل الشفاهي، معرفة الكتابة، اكتشاف الطابعة، اختراع الإنترنت) أسفرت بدورها عن تحول مجتمعنا إلى مجتمع تعليمي، لا تتمركز فيه المعرفة على نقاط معروفة بداهةً كما هو الحال قديماً (مراكز، تجمُّعات، مدرسة، فصل دراسي، حرم جامعي، مدرج محاضرات، زاوية شيخ في جامع، مثقف في مقهى، قس في دير.. إلخ). وبذلك ألغيت فكرة المعرفة المحالة على مواقع بعينها؛ إذ هي الآن توزَّع في كل مكان وتكاد تنتشر في مساحة متجانسة متحرِّرة لا مركز لها.


فبواسطة الفيسبوك أصبحت لدينا إمكانية الوصول إلى جميع الأشخاص، وعن طريق الـ"GPS" يمكننا الوصول إلى كل الأمكنة، وعن طريق الشاشة يمكننا الوصول إلى كل المعرفة، نعم نحن نطارد فضاءً طوبوغرافياً تجاورياً، في حين كنا نعيش في فضاء متري يحيلنا على مسافات محصورة. (5)
 

المعرفة الجديدة
إن التطور التاريخي لعملية نقل المعرفة وتمظهراتها شكَّل متغيّراً جديداً لوظيفة المعلم والمعرفة على السواء، فعملية الخضوع الطوعي التي تطبع سلوكنا في المدرسة ليس لأننا نخضع لمعِلّمينا؛ ولكن لأننا نخضع للمعرفة التي خضع لها معِلّمونا أنفسهم بكل تواضع، وعليه فإننّا نحن وهم واقعون تحت إرهاب المعرفة؛ إرهاب المعرفة الذي ظل على مر الأزمان يرسمه قانون "من الضروري أن تكون المعرفة مرعبة". (6)


هذا التطور كأنما يوحي إلينا أن مهمة المعلم لم تعد تلقين المعارف، فما قد حصل أخذ ينزع عن المدرسة وظيفتها التكوينية، وأن أحد أطراف الثنائي (المعلم /المعرفة) لحقه تحوّل جعل العلاقة بينهما -ذاتها- تستدعي إعمال فكر وإعادة نظر.

وخلاصة القول إن "تطور الأدوات التقنية الذي نشهده اليوم لم يكتف بتوسيع مجال نشر المعارف ورُقع انتشارها؛ وإنما خلق هو بدوره فضاءات جديدة لإنتاجها وتداولها، بلا علائق جديدة بين منتجي المعرفة ومستهلكيها، هذا إن لم نقل إنه ألغى التمييز بين منتج ومستهلك وحَوّل طبيعة المعارف ذاتها، والدور الذي تلعبه في سَنّ علائق بين الفرد والمجتمع". (7)



فعلى سبيل المثال أقامت شبكات التواصل الاجتماعي تسلسلا لتوزيع المعارف يسهم فيه جميع الأطراف؛ بحيث يتعذر علينا تعيين من فيهم المرسل ومن المتلقي ومن المنتج ومن المستهلك؛ إذ أن كل طرف يعمل في الشبكة يساهم بذلك في التداول الخلاق للمعلومات والمعارف. (8)


ماذا تبقى للمعلم؟
صحيح أنّ المعرفة لم تعد ممركزة ومحالة على تجمهرات معروفة (شيخ، عالم، مكتبة، زاوية، محضرة، درس... إلخ ) وصارت موجودة عند كل إنسان بداهةً؛ إلا أنّ هذه المعرفة لا تزال بصورتها الأولى البدائية، صورة (المعلومة)، ومن البدهي أنّ توافر المعلومات وتراكمها لا يعنيان البتة توفر فائض معرفي؛ إذ يلزم أن تكون وسائل معالجة المعلومة وفحصها واختبارها في المستوى المطلوب، كما ينبغي لكل فرد في مجتمع المعرفة أن يكون في إمكانه التصرف بكل ارتياح وسهولة في خضم الكم المعلوماتي الذي يغمرنا، والتمييز فيه بين المعلومة المفيدة وتلك التي لا جدوى منها. (9)



وهذا يرجعنا عموماً إلى الدور الأخلاقي للمعلم لا بوصفه ناقلاً للمعرفة أو منتجاً لها؛ وإنما بوصفه أميناً على تنمية الوعي وترشيد سلوك طلب العلم أو المعرفة، وهذا الذي أشار إليه المفكر التربوي ميلتون تشين حين قا: "صحيحٌ أنّ جوجل وأصدقاءه من المواقع، فتحوا آفاقاً ممتدة ومتطاولة للمعلومة؛ إلا أنّ جوجل لن يستطيع التربيت على أكتاف التلامذة ولا مناداتهم بأسمائهم، ولا حثّهم على بذل الوسع وإفراغ الجهد، والأهم من ذلك كله لن يستطيع العم جوجل سؤال التلامذة لماذا تعتقد أنّ هذه الفكرة صحيحة؟، إنه الوعي ما لا يقدمه العم جوجل". (10)

وبهذا يغدو دور المعلم كما يرى باولو فريري إنضاج خميرة الوجود عند طلابه، (11) أو توسيع الأكوان كما عند باول جودمان، (12) وليس بأقل من تذكيره بإشكالية الهضم المعرفي التي تكلم عنها علي عزت بيجوفتش حين قال "الإفراط في القراءة لا يجعلنا أكثر ذكاءً، إن بعض الناس يلتهمون الكتب التهاماً، وهم يفعلون ذلك  بغير التدبُّر اللازم لهضم الأفكار ولمعالجة وإدراك وامتصاص ما قرأوه، وحين يشرع أناس من هذا النوع بالحديث؛ فإن أفواههم تقذف بقطع كاملة من هيغل وهيدغر وماركس كمن يتقيّأ طعاماً نيّئاً بدون الهضم الضروريّ.

 

إن القراءة تستلزم جهداً ذاتيّاً وهي في ذلك تُشبه احتياج النحلة للجهد الجوّاني فضلاً عن الوقت، لتحويل الرحيق إلى عسل، (13) وفي الختام تبقى نصيحة ميشيل سير بأن المعلم المبدع هو الذي يعمل على أن تكون الرأس جيدة الصنع بدل أن تكون رأساً مملوءة (14) وفي كلٍ خير.

آخر الأخبار