انضم إلينا
اغلاق
الرّدة.. لماذا يترك الأميركيون الكنيسة؟

الرّدة.. لماذا يترك الأميركيون الكنيسة؟

فرح عصام

مترجمة
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
"لماذا تترك أعداد متزايدة من الأميركيين الديانة المسيحية؟ وكيف لعبت هذه الردّة دورًا حاسما في صعود شعبويين مثل ترمب وساندرز؟ وإلى أين تتجه أميركا داخليا وخارجيا بسبب هذه النقلة؟ هذا وأكثر يجيب عنه التقرير السوسيولوجي التالي.

 

نص المادة
على مدار العقد الفائت، تصدت استطلاعات الرأي لِظاهرة لافتة، وهي أن الأميركيين -الذين طالما عُرفوا بالولاء للكنيسة- كانوا يتركون الدين المنظّم بأعداد متزايدة. كانت الغالبية العظمى لا تزال تؤمن بالله؛ لكن نسبة من رفضوا أي انتساب ديني كانت تتنامى باطّراد؛ لترتفع من 6% سنة 1992 إلى 22% في 2014. وتكون النسبة في فئة الألفيّين (أي الذين وُلدوا بعد 1984) إلى 35%.

 

توقع بعض المراقبين بأن يخفف هذا التعلمُن الجديد من الصراع الثقافي، مع توصل البلاد إلى شبه إجماع على عدد من القضايا من بينها زواج المثليين. بعد تولي باراك أوباما رئاسة البلاد، أعلن أحد مراكز التقدم الأميركي أن "تغييرا ديمغرافيا"، يقوده شباب علماني، متسامح "يقوّض الحروب الثقافية". ما حدا بالكاتب المحافظ "ديفيد بروكس"، على إثر ملاحظته انفصال الأميركيين المتنامي عن المؤسسات الدينية؛ إلى أن يطالب المحافظين الاجتماعيين (وهي جماعة أيديولوجية تقوم على حفظ القيم والفلسفة والمواقف التقليدية)، في عام 2015 بـ"النأي عن الحروب الثقافية التي غرّبت فئاتٍ من المجتمع الأميركي لثلاثة أجيال".

المعهد العام لبحوث الدِّين (PRRI): نسبة الجمهوريين البِيض بلا انتساب ديني تضاعفت ثلاث مرات منذ 1992. (رويترز)


وكان الأمر سخيفا؛ فما من شك أنّ العلمانية تترافق مع تسامح أكبر مع زواج المثليين وتقنِين الماريجوانا؛ لكنها أيضا تزيد من شراسة الخلافات الحزبية. فضلا عن أنها ساهمت في صعود دونالد ترمب وما يسمى بحركة اليمين البديل (Alt-Right)، التي يعتبر أبناؤها أنفسهم أنصارًا للقومية البيضاء. ومع أنَّ الأميركيين تركوا الدين المنظَّم، إلا أنهم لم يتوقفوا عن رؤية السياسات بوصفها صراعاً بين "نحن" و"هم". وقد ذهب العديد منهم إلى تعيين الـ"نحن" والـ"هم" في أمور أشدّ أساسيةً وتضاربًا.

 

عندما يتحدث بعض الخبراء عن الأميركيين الذين يستغرقون في النوم أيام الآحاد، فإنهم عادة ما يستحضرون أبناء "الهيبستر" (وهم شباب يلاحق الموضة ويطلق اللحى ويعزف الجاز) من أتباع اليسار. بيد أن حضور الشعائر الدينية منحدر في أوساط الجمهوريين، أيضا. وفقاً لبيانات جُمِعَت من أجلي في المعهد العام لبحوث الدِّين (PRRI)؛ فإنَّ نسبة الجمهوريين البِيض بلا انتساب ديني قد تضاعفت ثلاث مرات منذ 1992. هذه النقلة ساعدت ترمب على الفوز بترشيح الحزب الجمهوري.

 

وقد واجه المعلِّقون، خلال حملته الانتخابية، صعوبة في التوفيق ما بين جهله الظاهر بالمسيحية وتاريخه الحافل بالتصريحات المناصِرة لحركة تأييد الإجهاض وحقوق المثليين من جهة، والتأييد الذي ناله من الإنجيليين (وهم محافظون بروتستانت) من جهة أخرى. لكن كما لاحظ أستاذ العلوم السياسية بجامعة نوتردام "جيوفري ليمان"، فإن "ترمب يتوافق مع الإنجيليين بفضل ميزة أساسية واحدة، هي أنهم لا يحضرون إلى الكنيسة". وبحسب استطلاع أجراه مركز "بيو" للأبحاث في مارس /آذار الفائت، فقد تخلف ترمب عن المرشح تيد كروز بفارق 15 نقطة في أوساط الجمهوريين الذين يرتادون الكنيسة بشكل أسبوعي. بيد أنه تفوق عليه بفارق 27 نقطة في أوساط الجمهوريين الذين لا يرتادون الكنيسة.

 

لكن لماذا اعتنقت تلك الشريحة من الجمهوريين -غير المنتسبين دينيا- رؤية ترمب الكئيبة لأميركا بصورة أسرع ممّن يرتادون الكنيسة؟ هل جعل غياب الكنيسة حياتهم أسوأ؟ أم أن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات في حياتهم يتوقفون عن الذهاب إلى الكنيسة في المقام الأول؟ من الصعب معرفة السبب بالتحديد؛ لكننا نعلم يقينا أن الأميركيين البيض من المحافظين الثقافيين (هم من يرتبطون ببقية العالم من خلال هوية مشتركة واحدة، كالهوية الغربية) الذين انفصلوا عن الكنيسة يختبرون نجاحًا اقتصاديا أقل وتفككًّا أُسريا أكبر عن أولئك الذين يظلون مرتبطين بها، فضلا عن أنهم يصبحون أشد تشاؤمية واستياء.
 

المرشح الجمهوري تيد كروز أثناء مناظرة حزبية مع الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب (رويترز)

 

بحسب "وليام برادفورد ويلكوكس"، وهو عالِم اجتماع بجامعة فيرجينيا، فقد انخفضت معدّلات الحضور الديني منذ مطلع السبعينيات بمثلي المعدلات السابقة ضمن أوساط الخريجين الجامعيين. وحتى ضمن الطبقة العاملة البيضاء، وقد عانى أولئك الذين توقفوا عن الحضور للكنيسة من الطلاق، والإدمان، والصعوبات المالية. وبحسب تفسير "ويلكوكس" "فالعديد من المحافظين، البروتستانت البيض الذين يرتبطون بالكنيسة اسميا يعانون في عالم اليوم. إنَّ لديهم طموحات تقليدية لكنّهم غالباً ما يواجهون صعوبةً في الثبات على وظيفة، أو الزواج والبقاء متزوجين.. لقد تغيَّر الاقتصاد والثقافة بطرق حبستهم في طموحات تقليدية يتعذَّر تحقيقها ضمن واقع العالم الحالي".

 

طيلة عقود، والليبراليون ينعتون اليمين المسيحي بالمتعصّب. ولكن هذا لم يكن لِيعني أن المحافظين المنفصلين عن الدين المنظم، سيصبحون أشدّ تسامحاً من ذي قبل.

وكلّما ساء حال الأميركيين في حياتهم الشخصية، كلما اعتنقوا رؤية أكثر قتامة للبلاد. وفقا لاستطلاع المعهد العام لبحوث الدين؛ فإن الجمهوريين البيض الذين يندرُ حضورهم إلى الكنيسة أو لا يحضرون إليها بتاتا، هُم أقل إيمانا بـ"صدقية" الحلم الأميركي عن الجمهوريين البيض الذين يحضرون إليها مرة أسبوعيا بـ 19 نقطة. لكن المحافظين الذين لا يرتادون الكنيسة لم يحتشِدوا وراء ترمب فقط لأنه عبّر عن يأسهم؛ وإنمّا لأنه عبّر أيضا عن سخطهم.

 

طيلة عقود، والليبراليون ينعتون اليمين المسيحي بالمتعصّب. ولكن هذا لم يكن لِيعني أن المحافظين المنفصلين عن الدين المنظم، سيصبحون أشدّ تسامحاً من ذي قبل. وإنَّما بأنَّهم سيصبحون متعصِّبين بطرق مختلفة وعديدة؛ إذ يُظهر البحث أن الإنجيليين الذين لا يرتادون الكنيسة بانتظام هم أقل عدوانية للمثليين من أولئك الذين يرتادونها بانتظام؛ لكنّهم يصبحون أشدّ عدوانيةً إزاء الأميركيين من أصلٍ أفريقي، واللاتينيين، والمسلمين.

 

وقد أشار "بنيامين نول" من جامعة أيوا، في 2008، أنه في أوساط الكاثوليك، والبروتستانت التقليديين، وبروتستانت الولادة الثانية (مذهب مسيحي)، كلّما قلَّ ارتياد الكنيسة، كلما ارتفع العداء للمهاجرين. (وقد يسري الأمر على أوروبا أيضا؛ حيث قارنتهم أطروحة قدّمها طالب في جامعة أوبسالا السويدية، يدعى "لودفيغ برومي"، بأنصار حزب ديمقراطيي السويد اليميني المتطرف في تصويتهم للمُرشحين الأساسيين؛ حيث كان المصوتون من أولئك الذين يندر ارتيادهم للكنيسة أو انتماؤهم لأي منظمة اجتماعية أخرى).

 

كيف يمكن للتغيب عن الشعائر الدينية أن يؤدي إلى التعصب؟ على الرغم من أن الكنائس الأميركية منعزلة إلى حد كبير، إلا أنه من الممكن لنموذج الدمج المتواضع الذي تتيحه الكنيسة أن يعزز الأواصر العابرة للأعراق. لكن "كينيث وولد" و"أليسون كالون براون"، يوردان في كتابهما المعنون بـ"الدين والسياسات في الولايات المتحدة" نظرية مختلفة مفادها أن أشد الأفراد التزامًا بالكنيسة مرشحون لأن يكونوا متسامحين أكثر من أولئك الذين يحضرون إليها من حين لآخر.
 



ولكن أيًّا كان السبب، عندما ينفصل المحافظون الثقافيون عن الدين المنظَّم؛ فإنهم ينزعون إلى إعادة رسم حدود الهوية، بإهمال الأخلاق والدين والتركيز على العِرق والأمَّة. وترمب هو محُرِّك هذه النقلة والمستفيد منها. وكذلك هو اليمين البديل. وعلى سبيل المثال، فَلتقرأوا مقالة "ميلو ينابوليس" و"علّوم بخاري" الشهيرة بعنوان "دليل المؤسسة المحافظيةّ إلى اليمين المتطرف". حيث تحوي خمس إحالات إلى "القبيلة"، وسبعًا إلى "العِرق" و13 إلى "الغرب" و"الغربي" وإحالة وحيدة فقط إلى "المسيحية".

 

وليس ذلك محض صدفة. فاليَمين المتطرف هو محافظيّة متشددة من أجل عصر أكثر علمانية. قادته من أنصار فكرة العالم المسيحي، وهي كلمة قديمة الطراز لما يُعرف اليوم بالغرب. غير أنَّ الشكَّ يعتريهم حيال المسيحية ذاتها، لأنها تتجاوز حدود الدّم والتراب. كان زعيم اليمين البديل "ريتشارد سبنسر"، قد تأثر بِـ"نيتشه" كثيرًا خلال حياته كطالب جامعي، ومن المعروف أنَّ "نيتشه" كان يمقت المسيحية. تنشر مجلة "آراديكس" (ARadix) التي أسَّسها "سبنسر"، مقالات بعناوين من قبيل "لماذا أنا وثني؟". وتلحظ إحدى المقالات النقدية للمجلة أن "الانتقادات الموجهة للمسيحية من قبل اليمين البديل عادة ما تلومها على كونيّتها".

 

لكن العلمنة تغير اليسار، أيضا. فوفقا لاستطلاع أجراه المعهد العام لبحوث الدين، في 1990، كان أكثر من نصف الليبراليين بقليل يعزفون عن الذهاب إلى الكنيسة أو لا يرتادونها إلا لماما. اليوم تصل نسبتهم إلى 73%. وإن كان المحافظون المهملون للكنيسة هم من أشعلوا ثورة ترمب داخل الحزب الجمهوري، فإن مُهمليها من الليبراليين قد أشعلوا تمرد ساندرز على هيلاري كلينتون داخل الحزب الديمقراطي. فبينما حازَت هيلاري كلينتون على 26 نقطة من دعم الديمقراطيين البِيض الذين ارتادوا الكنيسة مرة أسبوعيا، وفقا لإحصائية المعهد العام لبحوث الدين في أبريل /نيسان 2016 من العام الفائت، دعم الديمُقراطيون -الذين نادرًا ما ارتادوا الكنيسة- ساندرز بـ13 نقطة.

 

لقد استَمال ساندرز، كما فعل ترمب، الناخبين العلمانيين لأنه عكس سخطهم. الديمقراطيون البيض الذين انفصلوا عن الدين المنظَّم هم جوهريا مرشحون أكثر من أي ديمقراطيين بِيضٍ آخرين لأن ينعتون الحلم الأميركي بالأسطورة. قد لا تكون العلمانويّة سبب هذا السّخط، بالطبع؛ حيث من الممكن أن يؤدي فقدان الإيمان في النظام الأميركي الاقتصادي والسياسي إلى فقدان الإيمان في الدين المنظّم. لكن في كل الأحوال، كان أقل الديمقراطيين البيض اتّباعا للدين -كما هو حال أقل الجمهوريين اتباعا للدين- في انتخابات 2016، هم من يُرجَّحُ دعمهم لمرشّحين يعدون بتغيير ثوري.

 

المرشحين الرئاسيين الديمقراطيين بيرني ساندرز وهيلاري كلينتون؛ أثناء مناظرة حزبية جرت بينهما في شهر مارس من عام 2016.

رويترز
 

إنَّ انكماش السلطة الدينية التقليدية يساهم في مزاج أكثر ثورية ضمن سياسات السود أيضا. على الرغم من أن الأميركيين من ذوي الأصول الأفريقية يواظبون على الذهاب إلى الكنيسة أكثر من البيض، إلا أن الانفصال الديني يتصاعد ضمن المجتمع الأسود؛ حيث يرجّح أن يتجنب الأميركيون الأفارقة تحت سن 30 عاما الاتّباع الديني كما يتجنبه الأميركيون ممّن هم فوق سن الـ50. وهذه النقلة حاسمة في فهم جماعة "حياة السود مهمة" (Black Lives Matter)، وهي جماعة احتجاجية يقودها الألفيّون (وهم مواليد عام 1984 فما فوق - مـ) ويتخذ نشطاؤها عادة نظرة حقد على قادة المؤسسة الدينية الأميركية الأفريقية.

 

وتكتب "بريتني كوبر"، وهي أستاذة دراسات المرأة والجندر بالإضافة إلى الدراسات الأفريقية في روتجرز، بأنه قد "تم التخلي عن الكنيسة الأفريقية الأميركية كَنموذج قيادي لهذا الجيل". وكما أفاد  "جمال بريانت"، وهو قسّيس الكنيسة الأسقفية الميثودية الأفريقية في بالتيمور، لصحفية الأتلانتيك "إيمَا جرين"، "فإن الاختلاف بين حركة "حياة السود مهمة" وحركة الحقوق المدنية (التي قادها "مالكولم إكس" و"مارتن لوثر كينغ") هو أنَّ حركة الحقوق المدنية، انطلقت لأول مرة من الكنيسة".

 

بينما اُتهم نشطاء "حركة حياة السود مهمة" في بعض الأحيان الكنيسة السوداء بالتعصب الجنسي، وكراهية المثليين، والخنوع في وجه الظلم العنصري. على سبيل المثال، نشأت "باتريس كولورز"، وهي إحدى مؤسِّسات الحركة، كإحدى أفراد طائفة "شهود يهوه" المسيحية؛ لكنها ابتعدت عنها بسبب حقيقة أن كل رؤسائها من "الرجال". وفي خطوة تتماثل مع الطريقة التي قايض فيها بعض أفراد اليمين البديل الديانة المسيحية بوثنية أوروبا، اعتنقت "كولورز" الديانة النيجيرية "إيفا".

 

وما من شك، أنَّ دوافعها مضادة كليا لدوافع اليمين البديل. فما تريده "كولورز" هو أساس روحي تتحدى السيادة البيضاء الذكورية انطلاقا منه. بينما يبحث وثنيّو اليمين البديل عن أساس روحي يوطّد هذه السيادة. لكن كليهما يبحثان عن أديان تجد جذورها في سلالة عرقية منفصلة عن المسيحية؛ الأمر الذي وفّر لهما مُعجَمًا مشتركًا مع لونٍ بعينه، على الرغم من أن الأمر له جذورٌ عميقة في تاريخ الفصل العنصري في أميركا.

مظاهرة تجوب شوارع نيويورك تضامنا مع حركة "حياة السود مهمة" (رويترز)


يقول بعض النُقَّاد إن فشل حركة "حياة السود مهمة" في توظيف المصطلحات المسيحية يقوض قدرتها على إقناع الأمريكيين البيض. وكما أفادت "باربرا رينولدز"، وهي ناشطة حقوق مدنية وصحفية سابقة في الواشنطن بوست، فإن "حركة الستينيات (أي حركة الحقوق المدنية)... حازت احتراما بديهيا لأن قادتنا عادة ما كانوا أساقفة في الكنائس السوداء"، وتضيف "لسوء الحظ، أن الكنيسة والروحية ليستَا أولوية قصوى لدى حركة "حياة السود مهمة"، وأن قيم الحب والتسامح والإخاء التي شدّت من أزر قادة سود مثل "لوثر كينغ" و"نيلسون مانديلا" في سعيهم المظفَّر للانتصار على قاهريهم هي قيم مفقودة من قاموس هذه الحركة".

 

وكدليل على "قوة النّهج الروحي" استشهدت "باربرا" بصفح أعضاء من أبناء الرعية التي قتل بعض أتباعها في كنيسة تشارلستون إيمانويل التابعة لأُسقفية الميثودية الأفريقية عن "ديلان روف" على جريمته، ما حدا بالسَّاسة المحليين لأن ينكّسوا راية الكونفدرالية ويزيلوها من باحات مبنى الكابيتول في كارولينا الجنوبية.

 

طيلة سنوات، والخبراء السياسيون يحلمون بأن تضع الحرب الثقافية على الأخلاقية الدينية -التي بدأت في الستينيات والسبعينيات- أوزارها. الآن وقد فعلت، وكلما زادت العلمنة، كلما ساءت حالة الحرب الثقافية العرقية والشراسة القومية التي تعقبها.

يردُّ المدافعون عن حركة "حياة السود مهمة" بأنهم غير مهتمين بأن يكونوا "جديرين بالاحترام" عند أميركا البيضاء، سواءً اقتضى الأمر حديثهم عن المسيح أو ارتداءهم البزّات وربطات العنق (وبلا شك، أن الأمر ينطبق على بعض أفراد حركة الستينيات أيضا). وهذا مُتَفهَّم؛ إذ يرتكز عمل الإصلاحيين على حوار ومسامحة رجال السلطة؛ بينما لا يكون ذلك من اهتمامات الثوريين. وقد يجد سلوك حركة "حياة السود مهمة" تبريره في كونهم يرفضون كنيسة غير صارمة بما يكفي؛ لكننا إن دمجنا منظورهم المابعد-مسيحي بما بعد المسيحية المتنامية داخل الحزب الجمهوري، يصبح من السهل توقُّعُ تصاعدِ شراسة السياسات الأميركية.

 

في كتابه المعنون بـ"فجر النُّخب" يفصل "كريس هاييس" السياسات الأميركية إلى صنفين، وهما "المؤسساتيون"، الذين يؤمنون بالحفاظ على النظامين السياسي والاقتصادي وإدامتهما، و"التمرديون" الذين يؤمنون بأن هذا النظام فاسد حتى النخاع. وانتخابات 2016، تمثل النقلة الهائلة في السلطة من الأول إلى الثاني. إنَّ خسارة وظائف التصنيع قد جعلت الأميركيين أشد تمردا. كذلك فعلت حرب العراق، والأزمة المالية، وعجز الرئيس الأسود عن إيقاف قتل الشرطة للأميركيين السود العُزَّل. ويضاف إلى هذا كله هجرُ الدين المنظم.

 

لربما يعزى هجر الكنيسة إلى قيم الهرمية، السلطة، والتقليد الذي لا تزال تتبعه الكنائس. لربما كان السبب أنَّ الدين يولّد عادات وشبكات تساعد الناس في التخلص من الصدمات القومية بشكل أفضل، وبالتالي إعادة الثقة في نجاعة النظام. ولكن أيًّا كان السبب؛ فالعلمَنة لا تخفِّف مِنْ حِدَّة الصِّراع السياسي؛ بل إنَّها تجعل من السياسات الأميركية أشدّ تشنُّجاً وأنانية. طيلة سنوات، والخبراء السياسيون يحلمون بأن تضع الحرب الثقافية على الأخلاقية الدينية -التي بدأت في الستينيات والسبعينيات- أوزارها. الآن وقد فعلت، وكلما زادت العلمنة، كلما ساءت حالة الحرب الثقافية العرقية والشراسة القومية التي تعقبها.

----------------------------------------------------------------

المقال مترجم عن: الرابط التالي

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار