انضم إلينا
اغلاق
ميريام تلالي.. قلم ناهض العنصرية

ميريام تلالي.. قلم ناهض العنصرية

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض

رحلت الكاتبة الجنوب أفريقية الشهيرة ميريام مسولي تلالي عن عالمنا في الرابع والعشرين من فبراير الماضي عن ثلاثة وثمانين عاما، لكن كتاباتها المناهضة لنظام الفصل العنصري ونضالها الطويل سيبقى حيا في قلوب أبناء شعبها.
 

ولدت ميريام في الحادي عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 1933 بضاحية دورنفونتين في العاصمة جوهانسبرغ، وكانت أول امرأة جنوب أفريقية سوداء تنشر رواية بالإنجليزية داخل حدود البلاد، وتعتبر رواية "بين عالمين" أشهر أعمالها والتي صدرت أولا تحت عنوان "موريل في المدينة الكبيرة" عام 1975 عن دار نشر رافان.


أعيد نشر الرواية عام 2004 بالعنوان الجديد "بين عالمين" الذي كانت تفضله منذ البداية، وترتكز الرواية على تجربة ميريام في العمل مساعدة إدارية بمتجر للأثاث بقلب مدينة جوهانسبرغ، خلال ذروة نظام الفصل العنصري وتوثق الرواية الإهانات اليومية داخل الأبارتهايد الثانوي.
 

  
 

فقد كان هناك نوعان من الأبارتهايد الأبارتهايد الكبير والنسخة الثانوية منه، التي وصفتها مجلة نيويورك تايمز مرة بأنها الممارسة التمييزية خلال الحياة اليومية في المراحيض والمطاعم وعربات السكة الحديدية والحافلات وحمامات السباحة والمرافق العامة الأخرى.

 

كانت موريل في المدينة الكبيرة بين عالمين هي أول نص أدبي يعرض ظروف العمل المهينة التي تعرضت لها النساء الأفريقيات العاملات تحت ظل نظام الفصل العنصري، فقد سلطت الرواية الضوء على الرقابة الصارمة المفروضة على تدفق المواطنين السود إلى المدن البيضاء، وكيف أنها تعوق فرص النساء السود في العمل والوفاء بمطالب الحياة الأسرية.

 

لقد كانت ميريام تكره عنوان الرواية الأصلي؛ لكنها وافقت عليه بسبب اقتراب أجل والدتها آنذاك، فكانت تود لها رؤية الرواية مطبوعة قبل وفاتها، ولقد حكت ميريام في مقدمة "بين عالمين" عما حدث عقب نشر الرواية

"عدت إلى بيتي الذي يشبه علبة الكبريت في مدينة سويتو، وأغلقت على نفسي باب حجرة النوم الصغيرة، وبكيت تم حذف خمسة فصول كاملة وكذلك فقرات وعبارات وجمل، إن كلمة "تدمير" هي أقل وصف لما حدث".

 

لكن رغم ذلك حققت "موريل في المدينة الكبيرة" نجاحا عالميا كبيرا، فصدرت خمسة وأربعون طبعة مختلفة من الرواية، في الفترة ما بين 1975 و2005 مع ترجمتها إلى ثلاث لغات.

 

أدب الاحتجاج

تدور رواية أماندلا حول فولوسو مناضل شاب يقود مسيرات شباب سويتو ضد نظام الفصل العنصري، ويواصل فولوسو طريقه حتى يصبح جزءا من المقاومة السرية ثم ينتهي به الأمر إلى المعتقل

مواقع التواصل 
 
تعافت ميريام من صدمتها ونشرت رواية تيار الوعي السوداء "أماندلا" عام 1980، والتي صنفها النقاد واحدة من أعمال "مدرسة سويتو" في أدب الاحتجاج.
 

كانت الرواية استدعاء غنيا لانتفاضة الشباب ضد نظام تعليم الأبارتهايد ودولته عام 1976، فكانت هذه الانتفاضة ومعها النجاح الذي حققته حركة الوعي الأسود للناشط ستيف بيكو، هما مصدر الإلهام الرئيس الذي دفع ميريام إلى كتابة روايتها، التي تدور حول فولوسو مناضل شاب يقود مسيرات شباب سويتو ضد نظام الفصل العنصري، ويواصل فولوسو طريقه حتى يصبح جزءا من المقاومة السرية ثم

أصبحت ميريام عدوة للنظام بسبب صيتها العالمي والمحتوى السياسي في رواياتها، فحظرت الرقابة رواياتها على الفور، كما جعلها نجاحها السياسي والأدبي هدفا لذراع النظام السياسي سيئ السمعة

ينتهي به الأمر إلى المعتقل.

 

شكلت سويتو وعلاقتها الذليلة بجوهانسبرغ الثرية هاجسا دائما لدى ميريام ظهر في أعمالها الأدبية، فنشرت "آثار أقدام في المستنقع: قصص وحوارات من سويتو"، والذي نشر أيضا تحت عنوان "قصص سويتو"، وهي مجموعة قصص قصيرة تحاول التنقيب في تجارب سكان سويتو (نساء في الأغلب) عام 1989.

 

كما نشرت ميريام مجموعة من القصص القصيرة واللقاءات والمقالات في "ميهلوتي  عام 1984، عن دار نشر سكوتفيل التي ساعدت في إنشائها، وكان لها إسهام متواصل في المجلة الأدبية "ستافريدر"، التي شاركت في تأسيسها، وكانت هذه المجلة منصة هامة لنشر الأدب والنقد الأسود خلال فترة الفصل العنصري، وكانت في أغلب الأحيان المنفذ الجنوب أفريقي الوحيد لنشر كتابات السود الإبداعية.

 

عدوة النظام
أصبحت ميريام عدوة للنظام بسبب صيتها العالمي والمحتوى السياسي في رواياتها، فحظرت الرقابة رواياتها على الفور، كما جعلها نجاحها السياسي والأدبي هدفا لذراع النظام السياسي سيئ السمعة، فقامت وحدة الأمن السرية المرهوبة الجانب بمضايقة ميريام واحتجازها والاعتداء عليها مرارا وتكرارا من أجل إرهابها.

 

 وخلال المقابلة التي جمعتني بها عام 2006 حكت لي ميريام قصة تعرضها لاعتداء جسدي متوحش في منزلها بسويتو، من قبل رجال الشرطة في عدة مناسبات، ولقد اعتادت خلال هذه السنوات على تغليف المسودات التي تعمل عليها بأكياس التسوق البلاستيكية في نهاية كل يوم، ودفنها في الفناء الخلفي تجنبا لمصادرتها من قبل رجال الأمن خلال إحدى مداهماتهم.


لكن ميريام لم تفكر قط في ترك مدينتها المحبوبة سويتو رغم هذه المضايقات، فقد كانت فكرة الحياة في المنفى غير واردة على الإطلاق، رغم سفرها المتكرر لانتهاز منح التفرغ وفرص التدريس، وتحكي ميريام عن اضطرارها إلى تهريب إحدى مسوداتها من الطائرة أثناء عودتها إلى جنوب أفريقيا، من إجازة تفرغ في جامعة ولاية أيوا.


فقد كانت الشرطة بانتظارها عند الجزء المخصص لتفقد جوازات السفر، مستعدين لمصادرة أي مادة ذات طبيعة سياسية تحريضية، فأعطت ميريام مسودتها إلى أميركي على متن الرحلة نفسها، قبل مغادرة الطائرة لتتسلمها لاحقا من السفارة الأميركية في هدوء.

 

 كذلك قضت ميريام فترة تفرغ في جامعة يال بين 1989 و1990، وألفت مسرحية "كريمين إنجوريا" في أثناء فترة تفرغ أخرى بهولندا، وكثيرا ما كان الاهتمام العالمي بها يفوق ما تلقاه من اهتمام في بلدها.

 

نسوية تقاطعية
كانت ميريام تلالي نسوية تقاطعية قبل فترة طويلة من صك كيمبريلي كرينشو لهذا المصطلح عام 1989، أو قبل ظهور تيار السياسات النسوية التقاطعية بجنوب أفريقيا على يد الحركتين الطلابيتين "يسقط رودنس" (#RhodesMustFall) و"تسقط الرسوم" (#FeesMustFall).

 

الشخصيات النسائية في أدب ميريام لم تكن مجرد ضحايا؛ بل كن مقاتلات إما جسديا وأو عبر نشر التعليم في مجتمعاتهن.

وصِفَ أدب ميريام بأن له طبيعة ستيجانوجرافية بعد رفض النقاد (رجال في الأغلب) له في البداية بدعوى الإفراط في الوصف، إنها الأعمال الوحيدة في ذلك الوقت والمكان التي قدمت تحليلا منهجيا لتداخل التمييز العنصري لنظام الأبارتهايد مع الاضطهاد الأبوي؛ حيث تصور أعمال ميريام الأدبية الطبيعة الشائكة لاضطهاد النساء الأفريقيات تحت ظل هذين النظامين.

 

انتمت ميريام إلى الائتلاف الوطني للمرأة، الذي دعا إلى تضمين حقوق المرأة في دستور جنوب أفريقيا، قبيل الانتخابات الديمقراطية الأولى عام 1994، وبصفتها عضوا قدمت ميريام تلالي تحليلا ثاقبا لقمع النساء، كما كانت معارضة عنيدة للعنف القائم على الجنس.

 

كان ذلك موضوعا بارزا في أدبها حيث سلطت كل من "أماندلا" و"أثار أقدام في المستنقع" الضوء على حالات العنف الأسري والاغتصاب والتحرش الجنسي في بلدة سويتو، وآثار كل منها، إلا أن شخصياتها النسائية لم تكن مجرد ضحايا بل كن مقاتلات إما جسديا وأو عبر نشر التعليم في مجتمعاتهن، لقد خلقن لأنفسهن مساحات اجتماعية تسمح لهن بالتكاتف معا في وجه هذا النوع من الأذى.

فازت ميريام تلالي بجوائز عدة خلال مسيرتها الطويلة ومن أبرزها الجائزة الرئاسية، وجائزة إخامانجا (فضية) عام 2008، وجائزة مسيرة العطاء عن جوائز جنوب أفريقيا الأدبية.

 

---------------------------------------------------------------------------------------------

المقال مترجم عن: https://www.researchgate.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار