انضم إلينا
اغلاق
المرأة اليابانية بين مساومات الإنجاب وتطلعات العمل

المرأة اليابانية بين مساومات الإنجاب وتطلعات العمل

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
وضع رئيس وزراء اليابان "شينزو آبي"، الذي لا يُعرف عنه تبنيه لأي نظرة نسوية خاصة، العمالة النسائية أولوية قومية في إدارته؛ من أجل التعامل مع أزمة مالية تلوح في الأفق. إذ يأمل أن تكون النساء العاملات قادرات على المساعدة في حل هذه الأزمة.

 

في عصرنا المناهض للنظرية المالتوسية، أجَّلت كثير من النساء في الديمقراطيات الغنية الإنجاب -وعدد هائل من النساء في اليابان يفعلن ذلك- ما لم يتمكَّن من أن يُبصرن طريقة لإيجاد توازن بين العائلة والوظيفة. يعني انخفاضُ عدد المواليد وجودَ انخفاضٍ في نسب دافعي الضرائب من العاملين مع ارتفاع نسب أصحاب المعاشات، وهو ما ينذر بالانهيار المحتمل لنظام المعاشات.

 

يعتبر الشعب الياباني الأطول عمرًا بين شعوب العالم، كما أن معدل الأعمار آخذٌ في الارتفاع. وتغلق اليابان أبوابها أمام المهاجرين الذين يمكنهم أن يمدوا القوى العاملة بالشباب. إذ إن مواطنًا بين كل عشرة مواطنين في اليابان يتجاوز عمره 65 عامًا، ومع تفوق عدد الوفيات عن عدد المواليد، يتقلص التعداد السكاني في البلد الآسيوي. وإن لم تبدأ النساء اليابانيات في إنجاب أطفال أكثر مما ينجبن في الوقت الحالي إذ تبلغ النسبة الحالية 1.43 طفل لكل زوجين، يُتوقع أن ينخفض التعداد السكاني لليابان بحلول عام 2100 ليصل إلى 83 مليون نسمة، بعد أن وصل إلى أعلى مستوى عام 2004، الذي بلغ 127.8 مليون نسمة.

  

رئيس الوزراء الياباني شيزو آبي ووزيرة الاقتصاد والتجارة والصناعة يوكو أوبوتشي (رويترز)


فضَّلت الحكومة اليابانية بلا أدني شك، مثل الحكومات الأخرى في أي مكان آخر، أن تجابه الكارثة المالية بطريقة أخرى؛ وتتمثل هذه الطريقة في إرسال مزيد من النساء إلى منازلهن من أجل إنجاب مزيد من الأطفال. فقد قدمت في الواقع كثير من الحكومات خصمًا ضريبيًا إلى العائلات مقابل كل طفل ينجبونه؛ من أجل رفع معدلات الخصوبة لدى السكان الأصليين.

 

من بين الأشياء الأخرى، قد يكون هذا أقل مخالفة لقواعد العائلات الكادحة التي طالما ارتكز عليها النظام الاجتماعي في البلدان المحافظة مثل اليابان. ومع اقتراب دخول النساء -المالي- إلى نفس مستوى دخول أزواجهن، تشير الأبحاث التي تشمل عدة بلدان إلى أن أوقات فراغ الأزواج تقل بينما تزيد إسهاماتهم في الواجبات المنزلية. كان الرجال اليابانيون في الماضي يقولون إنهم يقضون أقل من ساعة في الأعمال الأسرية مقارنةً بخمس ساعات تقضيها النساء اليابانيات، مما يجعلهم بين أكثر الرجال المُدللين في العالم.

 

خلُصت الحكومة في نهاية المطاف إلى إدراك أن النساء اللائي ينتابهن القلق بشأن التوازن المتقلقل للأعمال الأسرية -فهل أستطيع أن أعود إلى وظيفتي مرة أخرى إن استقلت- سوف ينجبن عددًا أقل من الأطفال، على الرغم من الإغراءات المالية المعروضة مع زيادة عدد الأطفال.

 

وتوضح قاعدة البيانات الأسرية لأعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، البالغ عددهم 26 عضوًا، نمطًا واضحًا: إن النساء في البلدان التي ترتفع فيها نسب العمالة النسائية لديهن الآن عدد أكبر من الأطفال.
 

لعل مشاهدة النساء المستقلات في الأفلام والتلفاز حفَّز جيلًا كاملًا من النساء اليابانيات للكفاح من أجل المساواة في أماكن العمل على الرغم من الصعوبات

أنسبلاش

 

ومن المثير للاهتمام أن هذا النموذج يُمرَر إلى بلدان مثل اليابان وكوريا، حيث لم تتجرع النساء بعد قوة المساومة الناتجة عن وجود دخل مستقل. لعل مشاهدة النساء المستقلات في الأفلام والتلفاز حفَّز جيلًا كاملًا من النساء اليابانيات للكفاح من أجل المساواة في أماكن العمل على الرغم من الصعوبات. ولأن هذا يعني تأجيل الإنجاب أو التخلي عن الفكرة، أجبرت النساء اليابانيات الحكومة اليابانية على رؤية الأمور بطريقتهن: ينبغي أن يكون الجمع بين الوظيفة والأسرة ممكنًا.

 

فماذا فعلت إدارة آبي، وإلى أي مدى كان ذلك مفيدًا؟ يعود الفضل في نحت المصطلح الرنان "اقتصاديات المرأة" (Womenomics) -بجانب أجندة رئيس الوزراء "أبينوميكس"، وهي سياسات آبي الاقتصادية لإنعاش الاقتصاد الياباني- إلى الأمريكية اليابانية "كاثي ماتسوي"، نائبة رئيس مؤسسة "غولدمان ساكس" المالية، التي تكتب منذ أعوام أن إضافة مزيد من النساء إلى الشركات اليابانية سوف يؤدي إلى تجنب الأزمة المالية وسوف يشكل إضافةً إلى الاستهلاك المحلي.

 

بيد أن السياسات نفسها -التي تتمثل في زيادة فترات رعاية الأطفال  مما يسمح لمزيد من النساء اللائي يربين أطفالًا صغارًا أن يعملن،  ويضغط على الشركات لتعيين وترقية مزيد من النساء- لا تملك سوى تأثيرًا طفيفًا. صحيح أن العمالة النسائية ارتفعت من 57 بالمائة خلال العقد الأول من الألفية الجديدة لتصل إلى 66 بالمائة في عام 2016، لكن أغلب هذه المكاسب كان في الوظائف المؤقتة وذات الدوام الجزئي التي تخلو من المميزات، وهي الأجزاء غير الآمنة للاقتصاد.

 

إذ إن "المنحنى M" سيء السمعة بشأن العمالة النسائية -الذي يرسم المعدلات العالية التي تخرج عندها النساء من حسابات القوة العاملة عند الزواج وعند الإنجاب- قل انتشاره في العقود الأخيرة كي يبدو أشبه بالمنحنيات الانسيابية في الديمقراطيات الغنية.

 

على الرغم من هذا، عادة ما تكون الوظائف التي تعود إليها النساء بعد أن ينمو أطفالهن ويصيرون في عمر الحضانة؛ وظائفًا مؤقتة وبدوام جزئي. وفي ظل هذا النمط الجندري للمسؤوليات الأسرية، فليس من المفاجئ أن تبقى الفجوة الإجمالية للأجور بين الجنسين في اليابان -الفارق في الأجور بين الرجال والنساء- بين النسب الأعلى في العالم المتقدم، إذ تصل إلى 25 بالمائة.
 

ما الذي يعيق النساء اليابانيات من تحقيق المساواة بين الجنسين في أماكن العمل قياسًا على معدلات التوظيف، والمسلك والوظيفي؟

رويترز


وبالمقارنة مع عام 1989، كثير من النساء في الوقت الحالي يستمررن في وظائفهن السابقة بعد إنجاب أول طفل لهن. غير أن المجموعة الأكبر من النساء -إذ تبلغ 44 بالمائة- يواصلن التقدم باستقالتهن عند الإنجاب، كما أن إضافة أماكن رعاية الأطفال (الحضانات) الجديدة لم يغير هذا النمط بعد.

 

ما الذي يعيق النساء اليابانيات من تحقيق المساواة بين الجنسين في أماكن العمل قياسًا على معدلات التوظيف، والمسلك والوظيفي، وأخيرًا: المساواة في الأجور؟ 


لا يتعلق الأمر، على ما يبدو، بأن المواطن الياباني العادي لديه انحياز جنسي أكثر من نظرائه في الشعوب الأخرى. فقد توصلت إحدى تجارب الاستطلاعات عبر الإنترنت عام 2014، التي أجراها "ريكو كيج" من جامعة طوكيو و"سيكي تاناكا" من جامعة أمستردام وشاركتُهم أنا شخصيًا في إجرائها، إلى عدم وجود انحياز ضد الإناث عندما طُلب من المشاركين أن يقيّموا جودة مقال قصير، وطلب منهم تقييم إعادة توحيد ألمانيا.

 

كانت فكرة التجربة تقوم على اكتشاف وجود تحيز ضمني محتمل ضد الإناث، فكان يعرض على المشاركين في التجربة مقال عن إعادة توحيد ألمانيا، ثم يقال لبعضهم إن الكاتبة امرأة، وللبعض الآخر إن الكاتب رجل، لمعرفة ما إذا كان المشاركون سيفترضون أن المرأة أقل قدرة من الرجل على الحكم في قضية مثل إعادة توحيد ألمانيا. ولكنهم لم يفترضوا ذلك، مما يدل على أن العقبات الرئيسية لنجاح الإناث في سوق العمل اليابانية لا يكمن في التحيز.

 

والمشكلة الأعمق التي لم تعالجها إدارة آبي حتى الآن هي جمود سوق العمل الياباني، على الأقل بالنسبة للعمالة الأساسية في الصناعات الكبرى.
 

تُوضع النساء اليابانيات في موقف لا يُحسدن عليه؛ فمع قلة مدخولهن المالي فلن يكن قادرات على المساومة داخل الأسرة الناتجة وإقناع أزواجهن بالمشاركة في الأعباء العائلية

رويترز
 

فالموظفين الإداريين في الشركات الأكثر نجاحًا في اليابان يُختارون من بين صفوف العاملين بدوام كامل الذين مُنحوا عقودًا "مدى الحياة" وقت التعيين. يتجنب أرباب العمل تعيين أو ترقية امرأة في هذه الوظائف إذا كان من المرجح أن تترك المرأة العمل إن رُزقت بطفل. إذا كانت الشركات تستثمر في العاملين في السنوات الأولى على أمل الحصول على "عائد على الاستثمار" على المدى الطويل في رأس المال البشري للموظف على مدار مساره المهني، فهي تعتبر العاملات اللاتي لا يعتزمن البقاء مع الشركة استثمارًا سيئًا.

 

وتباعد عقود العمل طويلة الأجل المرتبطة بالوظائف الأفضل في اليابان بين النساء وبين المساواة في مكان العمل، ذلك لأن المرأة ​​أكثر عرضة للاستقالة بعد أن تصبح أمًا، حتى لو لم يكن هذا دأب كل النساء. ويعرف هذا بـ"التمييز الإحصائي"، وهو لا يعني بالضرورة عدم كفاءة الإناث من وجهة نظر المجتمع، كما رأينا. إلا أنها تقوم على التوقعات المجتمعية للنساء بتحمل النسبة الأكبر من الأعباء العائلية.

 

تُوضع النساء اليابانيات في موقف لا يُحسدن عليه: بدون أن يكون لديهن المزيد من قوة المساومة داخل الأسرة الناتجة عن حصولهن على دخل خارجي، لن تتمكن النساء من إقناع أزواجهن بالمشاركة في الأعباء العائلية على نحو أكثر توازنًا. وطالما هذا هو المعيار، فلن  تكون المرأة قادرة على الحصول على الوظائف المناسبة التي من شأنها أن تعطي لها القدرة على المساومة في المقام الأول. وهكذا، لا تزال المرأة اليابانية عالقة.

 

ماذا الذي يمكن عمله إذن؟ إن توفير مراكز رعاية الأطفال ليس كافيًا لمساعدة المرأة ما لم تشجع الحكومة أيضا تحولًا جوهريًا في موظفي الشركات لزيادة الطلب على الأيدي العاملة النسائية بصورة متساوية مع الرجال.
 

يُعرف الرجال اليابانيون بمقاومة التغيير في مسارهم الوظيفي، ولكن الكثير منهم أصبح لديه مشاعر مختلطة حول قفصهم المُذهَّب

رويترز
 

كيف يمكن للحكومة أن تفعل ذلك؟ يمكن للحكومة أن تفتح المجال أمام الشركات اليابانية للمنافسة الدولية عن طريق خفض الحواجز أمام عمليات الاندماج والاستحواذ، وهي سياسة ربما ينبغي على حكومة الحزب الديمقراطي الليبرالي أن تتبناها. في الوقت الراهن، يستفيد المديرون اليابانيون من مستويات الأجور الهرمية وهيكل الشركات، بدرجة تجعلهم يتخوفون من أسواق العمل المفتوحة، بما في ذلك الهجرة المفتوحة. كما تعتبر الممارسات التجارية التي تتميز بالانغلاقية داخل المؤسسة الواحدة سببًا جزئيًا في عدم تحمس اليابان للهجرة.

 

إذ يُعرف الرجال اليابانيون بمقاومة التغيير في مسارهم الوظيفي، ولكن الكثير منهم أصبح لديه مشاعر مختلطة حول قفصهم المُذهَّب. ولأن الأقدمية والأجور تخص كل شركة على حدة، نجد أن صعود درجات السلم الوظيفي داخل الشركات هو الخيار الوحيد للنجاح المهني للرجال في هذه الوظائف. وهذا يجبرهم على تحمل ظروف العمل وإن كانت غير مريحة، وتسجيل أكثر عدد ساعات عمل في العالم وهو 7 ساعات و51 دقيقة يوميًا. ففي اليابان، يعتبر ترك العمل قبل رب العمل جريمة مهنية، كذلك الرفض المتكرر للمشاركة في تناول الشراب بعد العمل. تعتبر هذه الممارسات، التي تتعارض مع الموازنة بين العمل والأسرة، منتجًا ثانويًا من نفس النظام الذي يجعل المرأة استثمارًا سيئًا في رأس المال البشري.

 

قد تكون السياسة البديلة ليسار الوسط أن تدعم تكاليف توظيف النساء على الرغم من مخاطر الاستثمار في رأس المال البشري. وبدون أي من هذه الخيارات، تعطي الحكومة الشركات تفويضًا غير ممول للتحرك ضد مصالحها.
 

================================================

المقال مترجم عن: الرابط التالي

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار