انضم إلينا
اغلاق
القفز من المركب.. قصة الهروب الكبرى للعقول التونسية

القفز من المركب.. قصة الهروب الكبرى للعقول التونسية

  • ض
  • ض

"بلادي وإن جارت علي عزيزة.. وأهلي وإن ضنو عليا كرام"

  

بلد الثورة والأمل كما يحلو للمتحمسين للفاصل التاريخي الذي خطّه شبابها ذات ثورة أن يُسمُّوها، لم تكن في معزل عن صراع تخوضه الدول النامية مع دول أكثر جاذبية لآلاف من الكفاءات التي تسهر على تعليمهم وتكوينهم لتستفيد منهم باعتبارهم منتجا جاهزا للاستثمار، ليصبح نزيف الكفاءات البشرية أحد أكثر المؤرقات التي تفكك نسيج المجتمعات العربية، وتونس تحديدا.

      

يكفيك أن تمر أمام معهد "جوته" لتعليم واختبار اللغة الألمانية لتلمح صفوف الساعين لنيل فرصة التسجيل في دروس اللغة الضرورية للحصول على تأشيرة العمل أو الدراسة في ألمانيا (1)، أو أمام الملتقيات التي تنظمها شركات انتداب المهندسين والأطباء لصالح الشركات الأجنبية في النزل الفخمة سواء لكندا أو فرنسا أو باقي الدول، يكفيك المرور سريعا أمام هذه الأماكن وغيرها لتلمح في أعين قاصديها عزمهم على مغادرة البلاد، وعلى عجل.

       

      

فوفق تقرير التنمية البشرية في العالم العربي لسنة 2016، حلّت تونس وصيفة لسوريا في ترتيب الدول العربية المُصدّرة لكفاءاتها إلى الخارج (2). وإذا ما كان ترتيب سوريا منطقيا بالنظر إلى الحرب التي تعيشها منذ سنوات، فإن ترتيب تونس رغم الانفتاح الذي عرفته ورغم تصنيفها باعتبارها الدولة العربية الأولى في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان أمر يبعث على التساؤل.

       

في هذا السياق، سجلت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية مغادرة نحو 94 ألفا من حاملي الشهادات الجامعية الأراضي التونسية، خلال ست السنوات الأخيرة، 84% منهم غادروا باتجاه الدول الأوروبية(3). فمتى كنت تونسيا، مُهندسا أو طبيبا أو أستاذا جامعيا، فحظوظ هجرتك للعمل خارج البلاد بصدد الارتفاع بنسق سريع.

         

     

ووفق استبيان أنجزه مركز تونس للبحوث الإستراتيجية، عبّر 78% من المُستجوبين عن رغبتهم في الهجرة وهو ما يعتبر رقما مرتفعا جدا. حسب الاستبيان فإن 55% من الطلبة الذين يقررون إتمام دراستهم في الخارج لا يعودون بعدها إلى تونس، بل يستقرون للعمل هناك. وتعتبر أوروبا الغربية الوجهة المفضلة للأدمغة التونسية إذ تستقطب 60% منهم، فيما تستقبل كندا وأميركا الشمالية ما بين 25 و30% بينما يهاجر 15% نحو دول الخليج.

   

   

دوافع مادية.. وأسباب أخرى

لا شكّ أن خلف كل قرار بالهجرة وترك الوطن والعائلة والأصدقاء قصة وتفاصيل، ودوافع ومُحفّزات. تقول نادية، وهي طبيبة تونسية عملت سابقا بأحد المستشفيات الكبيرة في العاصمة تونس قبل أن تجد لها مُستقرا في مستشفى "غرونوبل" بفرنسا، في حديثها عن الأسباب التي دفعتها للهجرة: "عملت بجد لمدة عشر سنوات حتى أُثبت جدارتي، لأجد نفسي في مواجهة ظروف سيئة داخل المستشفيات العمومية، غير قادرة على ممارسة مهنتي بالشكل الذي ينبغي، وبدون أي آفاق واضحة للمستقبل" (5).

 

وبحسب دراسات رسمية، تشمل هجرة الأطباء التونسيين حديثي التخرّج الذين يهاجرون إلى ألمانيا التي فتحت أبوابها على مصراعيها للأطبّاء التونسيّين لتكوينهم في اختصاصات محددة للعمل بها لاحقا، بالإضافة إلى الأطبّاء المقتدرين والمختصّين في عدّة اختصاصات طبّية وجراحيّة بعضهم من القطاع العام والبعض الآخر من القطاع الخاصّ والذين يختارون الهجرة إلى أوروبا أو إلى بلدان الخليج العربي للعمل في إطار تعاقدي ولفترات زمنية متفاوتة تنتهي بالنسبة للعديد منهم بالاستقرار في بلدان إقامتهم، وأُضيف لهم في السنوات الأخيرة الأطبّاء ذوو الخبرة من بين خيرة رؤساء الأقسام الاستشفائية والجامعيّة والأساتذة المحاضرين (6).

 

أما فيما يتعلّق بالأسباب الكامنة وراء حالة الهروب الجماعي للأطباء في تونس، يُسجّل الجانب المادي حضوره وبقوة، بالإضافة إلى ما سبق التطرق إليه من تدهور وضع المُستشفيات ومناخات العمل فيها سواء من خلال نقص التجهيزات أو سوء الحوكمة أو كثافة المرضى للطبيب الواحد.

 

فرغم عدم المُساواة بين الأطباء العاملين بالمستشفيات الفرنسية والمتحصلين على مُعادلة لشهاداتهم في الطب المتحصل عليها من جامعة أجنبية مُقارنة بزملائهم المتخرجين من كليات طب فرنسية، تظل الفوارق المادية بين ما يتحصّلون عليه في تونس هزيلا مع ما يمكن أن يوفروه في فرنسا.

   

  

على صعيد آخر، تُؤكّد عمادة المهندسين التونسيين أن 10 آلاف مهندس تونسي من مختلف الاختصاصات تقريبا غادروا البلاد منذ سنة 2016. ويأتي الدافع المادي في أعلى سلم الأسباب المُفسّرة لهذا العدد المرتفع من المغادرين، حيث يساوي معدّل أجور المهندسين في المغرب 4 أضعاف متوسط أجور المهندسين في تونس. أما في بلدان الاستقطاب مثل فرنسا وبلجيكا وكندا يساوي الأجر 6 أضعاف ونصف الأجر في تونس (7).

 

وتؤكّد دراسة أجراها مركز تونس للبحوث الإستراتيجية نُشرت في شهر أكتوبر/تشرين الأول من السنة الماضية أنّ 55% من عيّنة الدراسة تعتبر السبب المادي السبب الرئيسي للهجرة. أمّا السبب الثاني فيتعلّق بالمناخ العلمي المريح والمتطوّر الذي توفّره بلدان الإقامة للباحثين وما يتوفّر فيه من وسائل البحث العلمي، ناهيك بشبح البطالة الذي يرافق أصحاب الشهادات العليا من بينهم 4740 مهندسا و1500 طبيب وفق إحصائيات سنة 2016. وكذلك البيئة العلمية والثقافية والاجتماعيّة التي لا تولي في تونس قيمة للمتميّزين من الخرّيجين ولا تثمّن تألّقهم في العمل. فلا وجود لمخابر بحث تستقطب الباحثين برواتب مغرية وتوفّر لهم مستوى عيش مناسبا، وحتّى إن وُجدت هذه المخابر فهي تفتقر إلى الإمكانيات المادية والأكاديمية التي تضمن بيئة علمية ملائمة تساهم في نجاح البحوث التي يقوم بها هؤلاء (8).

 

بالإضافة إلى ما سبق، يُرجع بعض من خيروا العمل خارجا، رغم حصولهم على عمل مُجزٍ ماديا وضمن مناخ مريح، أسباب هجرتهم إلى عدم ثقتهم في المسار الذي تسير فيه البلاد. المهندس سامي، وهو أحد مديري البرامج في الفرع التونسي لشركة متعددة الجنسيات، قال في تصريح لميدان: "أنا بصدد ترتيب مغادرتي للعمل في فرنسا رغم وضعي المريح، لم أعد أفكر في نفسي الآن، أريد أن يعيش أبنائي وأن يتعلموا في بيئة أفضل من البيئة التونسية.. فقدت الأمل في إمكانية تحسن الأوضاع في البلد.. الأمور تسير نحو الأسوأ".

 

حرية سياسة.. وأزمة اقتصادية

"في الوقت الذي بدا فيه الاتفاق بين منظِّـري التنمية في العالم على أهمية قطاع البحوث والتطوير، بوصفه قاطرة التنمية ومحرّكها وتصاعدت الدعوات مؤكدةً على أهميته وأولويته، كانت قوافل العقول والأدمغة العربية تنزح من الدول النامية، متّـجهة ناحية الشمال والغرب، فيما عُرف باسم هجرة العقول التي تعطي مَـن يملك الكثير، خصما ممّـن لا يملك إلا القليل، بفعل جاذبية الحياة الأفضل والإمكانات الأكبر والشُّـهرة العالمية الواسعة".

الدكتور عبد السلام نوير - أكاديمي مصري

   

      

بالنّظر إلى حجم الأعداد التي سبق وأن سلّط التقرير الضوء عليها، نحن بلا شك أمام ظاهرة اجتماعية صريحة تبلورت أسباب عديدة لإنتاجها، خالقةً بدورها مشكلا اجتماعيا مُؤرقا يمتد انعكاسه السلبي من الراهن المعاش إلى المستقبل القريب والبعيد (9).

 

لم تفلح في تونس، رغم التحوّل الذي مرّت به منذ ثورتها ودخولها نادي الدول الديمقراطية، في أن تتخلّص من الوسم الذي طالما رافق الدول العربية من كونها بيئة طاردة للكفاءات والأدمغة. فرغم تجاوزها موضوع الحريات الأكاديمية والشخصية الذي لا يزال موضوع نضال حقوقي لدى شقيقاتها، ظلّت بيئة العيش والعمل دون المُستوى المرجوّ لدى من تستفيد منهم الدول الغربية اليوم لبناء نهضتها وتحقيق التنمية فيها.

 

وبسبب هذا النّزيف، وجدت الشركات الأجنبية والتونسية على حد السواء نفسها أمام معضلة التوظيف، فرغم توفر عروض الشغل فإن توفير الرصيد البشري الذي تحتاج إليه هذه الشركات أصبح أمرا مُضنيا خاصة في الاختصاصات الهندسية. وحتى إذا ما نجحت في انتداب الكفاءات التي تبحث عنها، فهي عادة لا تستمر في العمل طويلا، بعد سنة أو سنتين على أقصى تقدير تتهاطل الاستقالات، بسبب حصولهم على عمل خارج أرض الوطن، الأمر الذي يُؤثر على استقرار هذه الشركات وتراجع مُستوى خدماتها.

 

والحال في المُؤسسات الاستشفائية ليس أفضل حالا، فمشاهد الاكتظاظ وارتفاع عدد المرضى للطبيب الواحد بات أمرا تسهُل ملاحظته متى زرت مستشفيات تونس، كبيرها وصغيرها، والسبب المُباشر هو سباق الأطباء بمختلف سنوات خبرتهم نحو وجهات أخرى، وهو ما انعكس سلبا على وضع الصحة العمومية. والوضع ذاته يمتد ليطال الجامعات التونسية اليوم، فمع تراجع عدد الأساتذة الجامعية من ذوي الخبرة والتصنيف المُتقدّم خاصة أصبح البحث العلمي مُهدّدا في البلاد، بل إن بعض التخصصات الجامعية اضطرّت لإلغاء مرحلة الماجستير، والسبب المباشر يعود إلى عدم توفر الأساتذة اللازمين لتأمين هذا التكوين (10).

   

mأحد المراكز الصحية في تونس (رويترز)

 

هجرة الأدمغة بين الماضي والحاضر

لا يُعد شد الرحال نحو فرنسا وغيرها من الدول الغربية أو العربية أمرا طارئا على المُجتمع التونسي. فقُبيل الاستقلال من الاستعمار الفرنسي وبعده كانت العديد من العائلات تُرسل أبناءها لإتمام دراساتهم الجامعية في كبرى الجامعات الفرنسية، مع فارق بسيط، وهو العودة إلى البلاد مُباشرة إثر إتمام الدراسة أو بعد تحصيل خبرة عملية تُؤهّلهم لممارسة مهنهم في بلدهم الذي كان يستعد لتأسيس دولته الحديثة.

 

لا أدلّ على ذلك مما تحتويه السير الذاتية لوزراء أول حكومة تونسية بعد الاستقلال، فالحبيب بورقيبة والذي كان وزيرا أولا ومسؤولا عن حقيبتي الدفاع والخارجية هو خريج كلية الحقوق بباريس، شأنه شأن المنجي سليم (وزير دولة) ومحمد المصمودي (وزير دولة) الذي درس بمعهد العلوم السياسية بالسربون وغيرهم. 11 وزيرا من أصل 15 كانوا خريجي كبرى الجامعات والمعاهد الفرنسية، وبذلك يكون ارتحال الأدمغة في هذا المُستوى وباقي المُستويات قد ساهمت في بناء الدولة التونسية الحديثة (11).

 

بالمُقابل، وبحسب ما تكشفه الدراسات، لا يبدو الطلبة التونسيون أو الكوادر المُغتربون متحمّسين للعودة إلى تونس بمجرد انتهاء رحلة التعلم، فهجرة الأدمغة اليوم هي أقرب للهرب منها لطلب العلم والخبرات. عبّرت السلط التونسية في أكثر من مناسبة عن انشغالها باستفحال هذه الظّاهرة، ومضت في اعتماد إجراءات تهدف لتخفيف حجمها على الأقل، كان آخرها إعلان وزارة التعليم العالي والبحث العالي عن رصدها لمنح مالية مُوجّهة لطلبة الدكتوراه بدءا من العام الدراسي المقبل في خطوة لحثهم على البقاء في تونس (12).

 

ورغم تعدّد المُؤتمرات والمنتديات التي تبحث سبل استرجاع الكفاءات المُهاجرة، يرى الأخصائيون أن تونس في وضعها الحالي ليست فقط عاجزة عن إقناع الأدمغة المهاجرة بالعودة إلى البلاد، بل هي أكثر عجزا عن إقناع ما بقي منها بعدم الهجرة (13).

 

وبالنّظر إلى الوضع الاقتصادي الصعب في تونس، سيكون من الصعب توفير تلك الظروف المادّية والمعنوية التي من شأنها أن تُشجّع الأدمغة التونسية على اتخاذ قرار العودة، بل قد يكون من الواقعيّة أن يتحوّل النّقاش من كيفية استرجاعها إلى كيفية الاستفادة منها رغم هجرتها، حتى تتحول الخسارة إلى ثراء.

   

      

وسعيا لتجاوز هذه الأزمة، فإن أحد تلك الحلول المطروحة في هذا السياق يتمثل في الاستفادة من مهارات المهاجر وخبراته بربط الصلة العلمية به بهدف نقل المهارات التكنولوجية المتطوّرة في بلد الإقامة إلى مراكز البحث في تونس فتتحقّق المساهمة في التنمية الوطنية. سبق لبلدان مثل سويسرا وجنوب أفريقيا وبعض دول أميركا اللاتينية والهند أن اعتمدت هذه السياسة مع عقولها المُهاجرة، فحوّلتهم إلى سُفراء دائمين في دول الإقامة، وحوّلتهم رغم البُعد الجغرافي إلى مُساهمين في مسار الارتقاء بالمستوى العلمي والتقني لبلدانهم (14).

 

ورغم كل المساعي الرامية لوقف النزيف الذي يطال خيرة العقول التونسية، يظهر البعد الاقتصادي والاحتراف المهني ركائز أساسية في أي عملية إصلاح يمكن لها أن تُعيد تونس إلى خارطة الدول المتقدمة، لا على صعيد الحريات السياسية، ولكن كذلك باعتبارها حاضنة للعقول، التونسية قبل غيرها.

آخر الأخبار