هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
اللغة اليمنية القديمة.. لماذا تتصاعد المطالب في اليمن لإعادة إحيائها؟

اللغة اليمنية القديمة.. لماذا تتصاعد المطالب في اليمن لإعادة إحيائها؟

  • ض
  • ض

"ما لغة حمير وأقاصي اليمن بلغتنا، ولا عربيتهم كعربيتنا"

(أبو عمر بن العلاء)

 

أيقظ استيلاء الحوثيين في اليمن على السلطة في ربيع العام 2014 نعرات عديدة كانت نائمة، مذهبيا، وسُلاليا، ومناطقيا، فتركيبة وبنية الحركة الحوثية تقوم على الادعاء بالانتماء إلى السلالة الهاشمية العدنانية والزعم بأحقية الاصطفاء الإلهي في الحكم والولاية دون غيرهم. ادعاء لا يُعد مستحدثا أو منقطعا عن سياقاته التاريخية، حيث تكرر استدعاء هذا الحق كثيرا في التاريخ اليمني، وفي الحين الذي تعود معه هذه الدعوة الدينية لتسلم زمام السلطة، تظهر على إثرها ردة فعل معاكسة عنيفة، تتمثّل هذه المرة في تيار القومية اليمنية "أقيال"، التيار الشبابي الذي يقود مسألة إحياء القومية اليمنية القحطانية، وينادي بإعادة استحضارها ومآثرها ورموزها وتقويمها السنوي ولغتها الخاصة.

     

ولذلك، يمكن القول إن ثمة حربا أخرى تعيشها اليمن اليوم، مساحتها ليس الميدان السياسي، بل مساحة التفاعل الاجتماعي بما يتبعه من امتدادات على مواقع التواصل، وهي بذلك يمكن وصفها باعتبارها حربا هوياتية يقودها "أقيال" اليمن، تهدف في المقام الأول إلى مواجهة ما يصفونه بالاستعلاء الهاشمي، وسعيهم للاستئثار بالسلطة السياسية والاجتماعية. دعوة "أقيال" ترتكز في جوهرها على الافتخار بالتاريخ اليمني وإرثه الحضاري، بما في ذلك مسألة إحياء اللغة اليمنية القديمة (الجنوبية) التي تعرضت لطمس وتهميش أدى إلى موتها في مقابل صعود العربية الفصحى (الشمالية)، وهي الثنائية التي ما زالت ترسم ملامح الصراع في صيغته السياسية بين الشمال والجنوب، وما يلحقها من مطالبات بالاستقلال، الهوياتي قبل تمثّله بالصيغة السياسية.

 

اللغة اليمنية القديمة

تُشير العديد من الكتابات اللغوية المتخصصة إلى أن اللغة اليمنية القديمة من أقدم اللغات السامية، فاليمن أقدم موطن للغات السامية، وقد وصلت إلينا هذه اللغة بواسطة النقوش الكثيرة المدونة على الصخور والنقود وجدران الهياكل والمذابح، ومعظم هذه النقوش ظهرت في بلاد اليمن، إضافة إلى أجزاء من شمال بلاد الحجاز وبعضها في المناطق الشمالية لبلاد كنعان[1]. ويُطلق علماء اللغة على اليمنية القديمة اسم العربية الجنوبية أو القحطانية، كما يُطلقون عليها أسماء تنتسب إلى لهجاتها المنطوقة، سواء كانت الحميرية أو السبئية. وتختلف هذه اللهجات اختلافا كثيرا عن العربية سواء تعلق الأمر بمظاهر الصوت أو الدلالة ووصولا للقواعد والأساليب، وبالاطلاع على مجموعة من النقوش المكتشفة تتضح الفوارق بينها وبقية اللغات واللهجات.

    

   

ظلت اللغة اليمنية القديمة تعتمد خط المسند، وهو خط حميري يمكن ملاحظته بكثرة على الحجارة والقصور، وهناك العديد من الصور التي تُبيّن استخداماته. تتضمن أبجدية الخط العربي الجنوبي "المسند" 28 -29 حرفا، وتكتب حروف المسند من اليمين إلى الشمال مع إمكانية كتابتها بطريقة معاكسة، إلا أن الأفضلية تتجه نحو كتابتها من اليمين لليسار. يعتبر عدد من الباحثين خط المسند من أبرز وأقدم الأقلام السامية، فقد استعمله المعينيون أولا ثم السبئيون الذين تفننوا فيه وبفضله حفظت الكتابات السبئية أعمالهم خاصة في المعابد والجدران والنصب. كما انتقل هذا الخط لشمالي الجزيرة العربية ومناطق المستعمرات المعينية والسبئية بانتقال الجنوبيين تحت تأثير الهجرات والتجارة وغيرها[2]، وقد كان للحاميات المعينية والسبئية التي كانت تجوب شبه الجزيرة العربية لحماية طرق التجارة والقوافل التجارية أثرها البالغ في انتشار اللغة اليمنية وخط المستند، حيث انتقلت كتابة المستند مع التجار والمهاجرين إلى مناطق شتى وانتشرت في بقاع مختلفة، فأثّرت في الكتابات واللغات الشمالية الأخرى كالثمودية واللحيانية وغيرها.

  

وعلى الرغم من انتشارها وتوسعها في تلك الفترة، فإنها اندثرت بعد تسرب عربية الشمال قبيل ظهور الإسلام، حيث يرجع ذلك إلى عوامل يتداخل فيها الديني مع الاجتماعي بالجغرافي والسياسي، حيث كُتب النصر في الأخير للهجة قريش الفصحى، فطغت على جميع اللهجات واستأثرت بميادين الأدب والشعر والخطابة بين القبائل العربية، وقد تم لها ذلك قبل بعثة النبي محمد[3].

 

اللغة اليمنية القديمة واللغة العربية الفصحى.. أي علاقة؟

إن العلاقة بين اللغة اليمنية القديمة والعربية الفصحى هي مثار جدل وخلاف، ولم تكن منحصرة في صفحات التاريخ، بل ما زالت رحاها دائرة حتى يومنا كما أشرنا في بداية التقرير، ولعل النقاش الذي يدور اليوم في الفضاء الاجتماعي والثقافي اليمني حول إعادة إحياء اليمنية القديمة وانفصالها عن العربية الفصحى يعطينا انطباعا بعدم هامشية هذه القضية، بل باعتبارها متجذرة في الأذهان، حيث ما تلبث أن تخفت حدة حضورها على الساحة، حتى تدفع التغيرات السياسية والصراعات وما يتصل بعلاقات الهيمنة لإعادة بعثها كأداة تعريف هوياتي في مقابل الآخر.

 

ساد في تاريخ العرب القديم تداخلات لغوية عديدة تتضح لنا من خلال الكثير من الدراسات؛ حيث يتحدث بعضهم حول الصراع اللغوي الذي يؤدي في معظم الأحيان إلى انتصار لغة على أخرى، وبالتالي هيمنتها الثقافية، وهو ما تجلّى مثلا في لغة قريش بتغلّبها على بقية اللهجات، بحيث أصبحت هي اللغة الفصحى لاعتبارات متعددة من قبيل قربهم من البيت العتيق بجوار السلطة الروحية والدينية، وكذلك احتكاكها في تلك الفترة مع بقية اللهجات، إضافة إلى اعتبار قبائل العرب في تلك الفترة أفصح العرب وأصفاهم، لتحصل بذلك الغلبة للعربية، والتي وصلت أوجها مع بداية الرسالة واعتمادها لغة للوحي والقرآن[4].

   

   

وفق ما سبق، يبرز لنا اتجاهان منفصلان يتناولان العلاقة بين اللغتين وعلاقات التأثر والتأثير بينهما، فهناك من يعتبر اليمنية القديمة لهجة من لهجات العربية الكثيرة وجزءا منها، وهناك من يعتبرها لغة لا تمت للعربية بصلة، وهي لغة منفصلة بحد ذاتها تعرضت للابتلاع من العربية الفصحى لأسباب تتعلق بعلاقات القوى والهيمنة التي كانت سائدة في تلك الفترة، وما تحمله من صلات دينية.

 

يعتبر الاتجاه الأول اللغة اليمنية القديمة لهجة من لهجات العربية، حيث إن العربية بحسب هذا الاتجاه مرت بتطور إلى أن أصبحت عربية فصيحة بصيغتها التي طغت، أي إنها وإن قامت في مرحلة تكوينها على أساس لهجة قريش، فإنها استمدت كثيرا من خصائصها من اللهجات العربية المختلفة ومنها اليمنية القديمة، واستمرت على هذا الوجه تنمو وتزدهر إلى أن تكّون إطارها العام وأصبح لها كيان مستقل يعيش إلى جانب اللهجات المختلفة[5]. ويعد أهم من تبنى هذا الرأي المؤرخ العراقي المعروف جواد علي صاحب كتاب "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، حيث يعتقد جواد علي أن كل لغات العرب عربية وإن اختلفت وتباينت، وما اللغة التي نزل بها القرآن الكريم إلا لغة واحدة من تلك اللغات، ميزت من غيرها واكتسبت شرف التقدم والتصدر بفضل الإسلام وبفضل نزول الكتاب بها، فصارت اللغة العربية الفصحى ولغة العرب أجمعين، مقسما إياها إلى ثلاث مجموعات حسب أداة التعريف المستخدمة، المجموعة الأولى هي مجموعة "أل" وتشمل ما اصطلح على تسميته العربية الشمالية، أداة التعريف في أول الاسم، والمجموعة الثانية هي مجموعة "ن" أو "ان" وتشمل ما اصطلح على تسميته العربية الجنوبية، أداة التعريف في آخر الاسم، والمجموعة الثالثة هي مجموعة "ه" أو "ها" وتشمل ما اصطلح على تسميته اللحيانية والثمودية والصفوية، أداة التعريف في أول الاسم[6].

  

وبحسب جعفر دك الباب في بحثه عن أسرار اللسان العربي، فإن هناك اختلافات في نمط البنية القواعدية والصرفية والنحوية لهذه المجموعات اللغوية الثلاث من اللسان العربي، كما أن هذه الاختلافات تعكس بالضرورة أطوارا مختلفة من مسار التطور التاريخي للسان العربي الواحد في أحقاب زمنية متباعدة، فمجموعة اللهجات العربية الجنوبية التي استخدمت أداة التعريف "ان" تُمثّل الطور القديم الأول من أطوار اللسان العربي، بينما تُمثّل أداة التعريف "أل" الطور الثالث وهو الأكثر فصاحة وإبانة. وبالتالي فإن لغة القرآن ليست في الواقع لغة لهجة واحدة، بل هي عبارة عن مجموعة اللغات اللهجات العربية[7].

 

وهذا الاتجاه اليوم لا يُمثّله فقط متخصصو اللغة كما سبق تناوله، بل الكثير من معارضي تيار القومية اليمنية اليوم، ذلك على اعتبار أن القول بعدم عربية اللغة اليمنية القديمة أو إخراجها من سياق تطور اللسان العربي معناه نفي صفة العروبة ونفي للمعتقد السائد حول اعتبار اليمن موطن العرب الأول لا سيما مع إجماع الكثير من المراجع التاريخية حول هذا الأمر، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يصل بمعارضي القومية اليمنية إلى القول إن مسألة إعادة إحياء هذه اللغة وعرض مظلوميتها بهذا الشكل الغرض منه هو معاداة اللغة العربية ولغة الوحي والقرآن، وقد وصل ببعضهم إلى وصمهم بالملحدين والمراهقين.

   

   

أما الاتجاه الآخر الذي يتبنى منطق اختلاف اليمنية عن العربية، فهو ينطلق من واقع النقوش المكتشفة والتي يتضح من خلالها عدم قدرتنا على فهم الألفاظ والتراكيب بمقارنتها مع العربية، وهو ما يعني انقطاعا عن العربية، فضلا عن كونها مجرد نقوش كتابية لا يمكن الاستدلال بلغتها المنطوقة الأدبية وعملية تطورها. وهناك مجموعة من التناولات التي تشير إلى أن اللغات اليمنية القديمة تختلف كثيرا عن اللغة العربية الشمالية، وأنها مستقلة عنها، حيث إن اللغة اليمنية القديمة تؤلف مع اللغة الحبشية الشُعبة السامية الجنوبية، فصلات القرابة التي تربط بين هذين الفرعين أقوى بكثير من صلات القرابة التي تربطها بشعبة اللغات السامية الشمالية كما يبدو من الموازنة بينها في أصول الكلمات والأصوات والقواعد[8]. ولعل أبرز من يتفقون مع هذا الاتجاه طه حسين، حيث يرى أن هناك خلافا جوهريا وقويا بين لغة حمير (العاربة) ولغة عدنان (المستعربة) من خلال النقوش والنصوص، وبشكل قد مكن من إثبات هذا الخلاف في اللفظ والقواعد والنحو والتصريف[9]. وبخصوص البدايات الأولى لهذا التباين وظهوره، فإن للدوافع السياسية التي كانت سائدة أيام الدولة الأموية والعباسية دورها في بعث مسألة الصراع القبلي (الأنساب) بين اليمنية (القحطانية) والمضرية (العدنانية) والتي بدورها جعلت التنافس بين الفريقين في كل شيء حتى تعداه إلى إنكار عربية كل طرف للآخر واحتكارها لنفسه مقسمين العرب إلى عرب عاربة وعرب مستعربة[10].

 

ومسألة العرب العاربة والعرب المستعربة القحطانية والعدنانية تعود اليوم من جديد في النقاش الدائر، فالهاشميون في اليمن يفخرون بانتسابهم إلى الهاشمية والنسب العدناني، ويستخدمونها في إضفاء طابع خاص بهم لتحقيق مكاسب سياسية واجتماعية كمسألة الانتساب إلى آل البيت، في الوقت الذي يحاول القوميون اليمنيون إبراز انتسابهم وافتخارهم بالقحطانية باعتبارها الأصل والفصل في مواجهة النزعة الهاشمية العدنانية، ووفقا لهذا المنطق، فإن إحياء القحطانية بكل ما يتعلق بها من تاريخ ولغة خاصة هي عودة إلى الذات اليمنية لاستئناف عملية النشاط الوطني التاريخي عبر مشروع وطني ليس إحياء اللغة اليمنية القديمة سوى أحد أركان هذا المشروع.

  

لغات ومفردات يمانية تقاوم الفناء

تُصنّف اللغة اليمنية القديمة اليوم ضمن اللغات الميتة التي دخلت في صراع مع اللغات واللهجات الأخرى وتم القضاء عليها، حيث أخذت تتخلى عن مكانتها بالتدريج على المستوى الرسمي لمصلحة اللغة العربية الفصحى وذلك مع أواخر القرن السادس الميلادي. ومع دخول اليمنيين الإسلام أصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية، وتحوّلت اليمنية القديمة لتُستخدم كلغة ضمن اللهجات العامية، وهو الأمر الذي ما زال يمكن ملاحظته ورصده كمادة لغوية قديمة تستخدم حتى اليوم، محافظة على بنائها الصوتي والدلالي كما كانت عليه من قبل، وفي المقابل أيضا يمكن إيجاد مادة لغوية قديمة غزيرة في لهجات اليمن دخلت على اللغة العربية بدليل الإشارات الكثيرة في مصادر التراث العربي التي تحيل مجموعة من الكلمات والألفاظ إلى أصلها بقولهم إنها من لغة أهل اليمن أو لغة يمانية أو من لغة حمير للدلالة على ما عُرف عن أهل اليمن[11].

  

وقياسا على ذلك، يمكننا القول إن اللغة اليمنية القديمة ما زالت حية في بعض جوانبها، فاللغة المهرية والسقطرية هما امتداد باقٍ للغة اليمنية القديمة وما زالت تسود في مناطق المهرة وجزيرة سقطرى في جنوب اليمن وبعض المناطق المجاورة لليمن، محافظة على بنيتها ولغتها ومفرداتها المتداولة شفاهيا، وتزخر المنتديات العديدة فيها بإلقاء القصائد الشعرية واستخدام مفرداتها وكلماتها، مما يشير إلى حيويتها وإمكانية كتابتها بأبجدية مقننة خاصة بها، لو توفر الاهتمام اللازم.

   

      

كما أن الكثير من الكلمات والقواعد النحوية الخاصة باللغة اليمنية القديمة ما زالت متداولة وموجودة اليوم في اليمن، فلفظة (أن) لا تزال تستخدم كأداة للتعريف في لهجة منطقة جبل رازح في مدينة صعدة وهي تقابل (أل) أداة التعريف في اللغة العربية الفصحى، أيضا ما زالت العديد من المناطق اليمنية تستخدم أداة التعريف (أم) الواردة في كتب التراث العربي كأداة تعريف خاصة بلغة أهل اليمن وقد وردت في العديد من النقوش اليمانية القديمة. بالإضافة إلى ذلك، فما زال هناك استخدام مجموعة من الأفعال في المناطق اليمنية مثل فعل "بسل أو يبسل" الذي يعني نضج أو ينضج، كما أن كلمة محوى التي تعني القرية المؤلفة من مجموعة من مساكن القش المحاطة بحاجز من أغصان الأشجار المشوكة لحمايتها ما زالت تستخدم حتى اليوم، فهذا المصطلح وإن كان مشتقا من أصل مشترك بين العربية الفصحى وعربية أهل اليمن فأصحاب المعاجم العربية يذكرون أن محوى بهذا المدلول من لغة أهل اليمن[12]، وهناك أيضا مفردات حافظت على استخدامها مثل: درب (رمى)، ربخ (استراح)، رزم (ضغط)، أسى (وجد)، همس (ضغط)، نكف (دعوة القبائل للنصرة)، فيد (نهب حق الغير).

  

لقد عُني العديد من الباحثين والمهتمين بدراسة اللغة اليمنية القديمة وتفكيك نقوش خط المسند، ولعل أبرز من اهتم بذلك هو مطهر علي الإرياني صاحب "المعجم اليمني في اللغة والتراث"، حيث حرص في هذا المعجم على جمع المفردات اللغوية الخاصة مما هو غير موجود في القواميس العربية، مع الشرح، والمقارنة اللغوية، وإضافة بعض الاستطرادات التراثية، ويُعد هذا الكتاب مساهمة أولية ودعوة سابقة في عملية إعادة النظر إلى التراث اليمني، وهو ينطلق من نقطة تتعلق بأن العربية الفصحى هي امتداد للغة اليمنية القديمة.

    

اللغة اليمنية القديمة والقرآن الكريم

عُني جزء آخر من الباحثين بمحاولة إثبات استفادة وتأثر العربية الفصحى من اليمنية القديمة، حيث يشير بعضهم إلى أن القرآن الذي نزل بالعربية الفصحى قد أخذ الكثير من الألفاظ اليمنية واللغة القديمة، فيرصد مثلا إبراهيم أنيس في كتابه "اللهجات العربية" مئة وسبعة وستين لفظا اعتمد في نقلها من اللسان، كما أجرى الباحث السامرائي بحثا عن اللغة اليمانية في القرآن، فأورد ألفاظا للغة اليمانية وردت في القـرآن الكريم كما عند السيوطي في "الإتقان" وعددها اثنا عشر لفظـا، هـي: "سـامدون"، "الأرائك"، "ولو ألقى معاذيره"، "لا وزر"، "وزوجناهم بحور"، "لو أردنا أن نتخذ لهوًا"، "أتدعون بعلًا"، "المرجان"، "الصواع"، "فنقبوا"، "سيل العرم"، "مسطورا".

 

وساق القاضي الأكوع ما يقرب من خمسين لفظا من القرآن الكريم باعتبارها من اللغة اليمنية القديمة، إذ يلاحظ من خلال تتبع الكثير من الألفاظ المذكورة في القرآن الكريم بأنها تنتمي أكثر إلى المناطق الجنوبية الغربية في اليمن (قتبانية ثم أشعرية) في صيغها وتراكيبـها ودلالتها ومعانيها وأصالتها، مثل: "كُبّار"، "كِذّاب"، "زحزح"، "يرتع"، "عرجون"، "تثريب"، "خرّ"، "فتح"، "عقم"، "صبغ"، "مرج"، "صريم"، "تني"، "زهد"، "عقر"، "زجى"، "باد"، "تل"، "دع"، "روح"، "سرح"، "رتق"، "فتق"، "ذرع"، "كر"، إلخ[13]. كما أن عملية رسم المصحف الشريف من قِبل الصحابة قد اعتمدت على القاعدة الحميرية في النقوش والخاصة بحذف حروف العلة في وسط الاسم مثل الرحمن والسموات وإسحق وغيرها الكثير [14].

   

      

وهكذا، فإن اللغة اليمنية كما يبدو هي لغة لها لهجاتها ومفرداتها المختلفة، لكن ذلك لا يعني بأي حال غياب التأثير والتواصل بين اللغات واللهجات، خصوصا حين يتعلق الأمر باللغات السامية التي تتقارب في مستويات عدة، ويبقى السؤال المهم في هذا السياق هو: هل هناك إمكانية لإعادة إحياء اللغة اليمنية القديمة من جديد في سياق لغوي هوياتي، أم أن ما يدور في هذه الأثناء هو تنفيس في وجه الظرف السياسي الذي تعيشه اليمن اليوم، ومحاولة لتوظيف اللغة كإحدى أدوات الصراع، لا باعتبارها إرثا حضاريا ثريا؟

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار