ذا فويس كيدز.. اكتشاف للموهبة أم متاجرة بالطفولة؟

وراء الكواليس، يقف محمد ذو التسع سنوات مع أبويه مرتبكا، ليس وقتا مناسبا للتوتر، فالنداء سيستدعيه للصعود أمام الجماهير، لحظات فقط، ليتقدم من أجل الصعود على خشبة المسرح، جمع غفير يشاهد، وعدسات الكاميرا تحيط القاعة، وكراسي لجنة التحكيم تعطيه ظهرها، يبدأ بالغناء مرتبكا، وآثار الاهتزاز بادية على صوته، إلا أن محمد يعلم أنها فرصته الوحيدة للخروج من عنق الزجاجة لرحابة الشهرة كما أملاه والداه، لذلك هو بحاجة للتماسك.
خلف هذا المشهد، كرنفال تسويقي، معلنون يتهافتون لترويج بضاعتهم من خلال البرنامج ووقت عرضه. بالتوازي مع مشهد يصارع فيه الأطفال لتحقيق حلم الشهرة، تدور الأموال دورتها، ويساق الطفل لمشهد، ولا شك، سيؤثر على سلوكه مستقبلا دون اختياره، حيث يعرض الطفل كبضاعة تسويقية تمر عبر مراحل التقييم، فلا يشترط أن يكون صوتك جيدا لتفوز، لكن عليك أن تقنع الجمهور بالتصويت لك، والإقناع لا يشترط فيه موهبة الصوت، فهل هذه المسابقات تسعى للكشف عن المواهب، أم هي متاجرة بالأطفال عبر منطق يحكمه السوق؟
ينطبق ما سبق على برنامج "ذا فويس كيدز"، وهو برنامج تلفزيوني يجلس فيه ثلاثة من مشاهير الغناء، يعطون ظهورهم للمواهب الصغيرة في إشارة للاهتمام بالصوت فقط، دون الاحتفاء بالمظهر، وهو السلوك المهني الذي قد يبدو إنسانيا في البرنامج. يصعد الأطفال إلى المسرح للغناء على أمل أن تدور الكراسي لهم، وهو ما لا يحدث بشكل دائم؛ لأن الصوت الذي يغني في هذه الحالة ليس ما يبحث عنه المدربون، في درس مبكر للطفل بأن الحياة درب من خيبة الأمل وأن التفاؤل ليس دائما في محله؛ يكون السبب على لسان المدربين "أن أحدهم اقترب فريقه على الاكتمال ويريد الانتقاء بعناية، والآخر قد اختار هذا اللون الغنائي مسبقا في فريقه، والثالث لا يفضل هذا اللون"، وبالتالي فإن المنافسة قد لا تعتمد بشكل أساسي على إبراز مواهب الأطفال فقط، وإنما تضع أصحاب الكراسي من الفنانين أنفسهم في منافسة فيما بينهم تدفعهم إلى التعامل مع المواهب كأسلحة -كما على لسان أحد المدربين- يمكنهم أن يفوزوا من خلالها هم الآخرون باللقب. (1)

وعلق الفنان جورج وسوف في فيديو آخر ساخرا:"كل شوية يطلعولنا ببرنامج أحلى صوت وأحلى شغلة بالوجود"، واستكمل برسالة إلى لجان تحكيم برامج المسابقات الغنائية "مين عم بيقيّم مين؟ روحوا انتوا اعملوا فن الأول"، معتبرا باقي أفراد لجان التحكيم -بعد أن استثنى منهم كاظم الساهر وراغب علامة- بأنهم مغنون موهوبون في الغناء فقط، ولكن لا يصلحون لإعطاء آرائهم. (3)
واعتبر وسوف أن الفن لا يمكن تقييمه بهذه الطريقة، وأنه لا يمكن أن يفوز صوت على صوت أو أن يكون هناك فائز وخاسر، معتبرا أن الحكم على المطرب لا يمكن أن يكون شيئا سهلا، فضلا عن كونه ممكنا، فكل ما يتم البناء عليه من اختيارات هو مجرد تفضيلات شخصية، لذلك فإن مقاييس الفوز لا تعتمد بالضرورة على منهج ثابت، خصوصا في المستويات المتقدمة من البرنامج، والتي تصبح فيها كل الأصوات المتبقية جميلة بحق، ولكنها تعتمد على مدى شعبية هذا الصوت؛ فالمدرب قد يبحث عن الصوت الذي سيحبه عدد أكبر من الناس ويصوتون له، ويفعل ذلك من خلال استحسانه الشخصي لهذا الصوت، لذلك فإن الخسارة أو الفوز في البرنامج يمكن أن لا يعتمد على أساس واضح.
"الموسم اللي فات تامر وعد عشر أشخاص أنهم هيمثلوا معاه وما شفنا منهم ولا حدا"
(كاظم الساهر)

في برنامج "The voice kids" أيضا، من غير المحبب أن يخرج الأطفال فيه عن النص، حيث يتم التأكيد على الأطفال مرارا بأنه ليس من الجيد أن تحزنوا إذا لم يتم اختياركم، ليس من الجيد أن تعترضوا على الأغنية التي اختارها المدرب، إذا فاز زميلك في الفريق فمن الجيد أن تبتسم وأن تصفق بروح رياضية، لأنك قوي ولأنك مهذب، ويمكن أيضا لأن هناك كاميرات، ولأن هناك مظهرا عاما يجب أن يخرج به البرنامج.(5)
فمثلا، في لعبة الشطرنج إذا كان لديك اثنان من أذكى العقول في العالم، يجلس كل منهما على إحدى جهتي الرقعة ويتنافسان على مباراة بطل العالم، نعم لديك عقول فذة ومنافسة حقيقية لكن ليس هناك مظاهر واضحة للألم، الاثنان يجلسان في هدوء، كل شيء محسوب، والخاسر يعرف أن موقفه استحال قبل انتهاء المباراة عمليا، ليس هناك عرق ولا ارتباك واضح، والأهم من ذلك ليس هناك مفاجأة، وبالتالي، وبرغم ما تحتويه اللعبة من إستراتيجيات قوية فهي من أقل الألعاب شعبية، لذلك فإن المعاناة والفرحة البالغتين هما شرطان أساسيان في شعبية أي مسابقة، بالإضافة إلى العامل الأهم وهو إمكانية حدوث مفاجأة من أي نوع.
وقد أجابت أخصائية نفسية المراهقين "د. ياسمين علي" حين قمنا بسؤالها في ميدان عما يمكن أن تسفر عنه تجربة الشهرة لدى نفسية المراهق: إن المشكلة في هذا النوع من البرامج أن القبول لدى الطفل يترجم إلى عدد المشاهدات والتفاعل، وإن الضوء الذي يتم تسليطه على الأطفال نتيجة الشهرة المبكرة قد لا يساعد الطفل في النضج والنمو بطريقة سليمة؛ إذ إن أساس الاضطرابات النفسية هو عبارة عن إدراك خاطئ للذات، سواء كان هذا الإدراك عن طريق إعطاء الذات قدرا أكبر أو أقل من قدرها، أو فهم الذات والحياة بصورة مختلفة.
كما أنه من الجيد تعليم الأطفال تقبل الهزيمة، وأن يحيي الطرف الآخر كما يحدث فعليا في برنامج "ذا فويس كيدز"، ولكن يمكن للكم الكبير من الشهرة المبكرة أن لا يسمح للطفل بتفهم هذه المعاني بشكل حقيقي وثابت، عكس ما يتم دفع الطفل إلى التصرف به من سلوك لائق، والحال ليس كما هو عند الشخص البالغ الذي يستطيع فصل ذاته وقيمته عن الشهرة والشعبية، أما في مرحلة الطفولة؛ فهذا الوقت بالتحديد هو ما ينبغي أن يتعلم فيه الطفل بأن قيمته منفصلة عن أي شيء آخر كـ"أنت لست درجاتك في الامتحان" و"أنت لست مظهرك" و"أنت لست مادياتك" وإنما أنت شخص ذو قيمة ومستقل عن كل تلك الأشياء التي لا ينبغي أن تستمد منها القبول والثقة بالنفس.
وأضافت د. ياسمين علي: "إن نضوج الذات يلزمه بيئة هادئة وغير مشحونة بالضغوطات أو الاهتمام المبالغ فيه، وإن هذا الزخم الذي تحدثه الشهرة المبكرة في حياة المراهق قد تدفعه إلى إدمان الاهتمام المثار حوله وفهم نفسه من خلال هذا الاهتمام وعدم تصورها بدونه، كما أنه ليس من حق الوالدين أن يقمحما طفلهما الصغير الذي لم يبلغ سن الرشد في تجربة بهذه الكثافة في سن لا يمكنه فيه أخذ قرار كبير كهذا بشأن حياته".

"قيمة الفنان في مشواره وليس في نجاحه"
(محمد عبد الوهاب)
إنه من الجيد أن يتم خلق مساحة للأطفال في المجال العام للمشاركة في الأنشطة الفنية، فالأطفال لديهم القدرة على التعلم أضعاف ما يمكن أن يتعلمه الكبار، كما أنه من الجيد أن يكون للأطفال تجارب ناجحة ومُرضية خلال عمر الطفولة بدون الضغط المكثف ودون الدوران في فلك الفوز والخسارة، ولكن في المقابل من المؤسف في هذا السن تحديدا أن تكون تلك الأنشطة مرادفا للمنافسة الشديدة التي لا تعتمد على أساس واضح، فالاستعداد للتنافس يتأثر بتأثر النمو العقلي والعاطفي، بالإضافة إلى النضج الذي يصل إليه الإنسان إذا نشأ على أساس جيد من الدعم والثقة واحترام الذات التي لا يمكن أن تؤثر عليها عواصف الفوز والخسارة. (8)
إن التركيز على الجهد بدلا من الفوز هو ما يجب أن يتم تعليمه للأطفال، وهو ما يجب إعطاؤه الأولوية بنفس القدر الذي يقوم به البرنامج بالاهتمام بعرض منتجات الشركات الراعية، وعدم تفويت الفرصة في وضع منتجات الألبان أو علب المياة الغازية في أيدي المتسابقين الصغار من وقت لآخر لإرضاء الشركات الراعية والحصول على الأموال.