هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
لماذا قررت أن أعيش بلا هاتف محمول؟

لماذا قررت أن أعيش بلا هاتف محمول؟

  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة
من منا نسي هاتفه الخلوي في المنزل وهو متوجهٌ إلى عمله فشعر وكأنه ترك جزءاً من روحه وراءه، بعضنا قد يعود للمنزل لإحضار الهاتف دون الاكتراث حتى لفكرة التأخر عن العمل. تخيّل لو مقابلة شخصٍ لا يمتلك هاتفاً خلوياً، لا أظن أني التقيت بأحد كذلك من سنوات فحتى جارتنا ذات التاسعة والتسعون عاماً تمتلك هاتفاً خلوياً -رغم أنه ليس ذكياً. أضحينا في زمنٍ نستهجن فيه فكرة عدم امتلاك أحدهم لحسابٍ على الفيسبوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي، فكيف سننظر لشخصٍ لا يمتلك هاتفاً خلوياً... مهلاً، فلترَ كيف ينظر هو لنا؟ في نهاية المقال أدركت أنه شخصٌ محظوظٌ جداً ولا شك أنه يمتلك إرادة وقرارات حاسمة.

     

نص التقرير

 يعتبر التمسّك بالهاتف المحمول ذا الأزرار وعدم امتلاك هاتفاً ذكياً أمراً غريباً وهداماً إلى حدٍ ما، ويُنظَر إلى رفض كلا النوعين على أنه مسٌ من الجنون وخاصةً إذا كان الشخص الرافض لامتلاك هاتفٍ محمولٍ قد وُلِد بعد منتصف السبعينات. لكني لم أمتلك هاتفاً محمولاً مطلقاً ولن أشترٍعلى واحداً، فلدي أسبابي وأخبركم من الآن؛ إنها أسبابٌ جيدة.

 

أحد الأسباب هو التكلفة؛ فعدم وجود هاتفٍ محمولٍ يعني عدم وجود فاتورةٍ شهريةٍ أو إمكانية لترقية شبكة الاتصال أو ضرائب ولا حتى رسوم التجوال -أياً كانت هذه الأمور. من اللافت للنظر أنه في عصرٍ من الأجور الراكدة وتفاوت الدخل المتزايد ينفق الناس 75 دولاراً أو أكثر شهرياً على شيءٍ كنا بالكاد نعلم بوجوده قبل خمسة عشر عاماً ، ناهيك عن اعتباره غرضاً ضرورياً.

     

  

أما السبب الثاني فهو الاهتمام بالبيئة، إن صناعة الهواتف النقالة -بما في ذلك الاستحواذ على المواد الخام- والطاقة التي تستهلكها والطاقة المستخدمة لنقل المكالمات والوصول إلى الإنترنت كلها تنتج انبعاثات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون. تنتشر فكرة أن الهواتف الخلوية جيدة فقط لبضع سنوات، مما يزيد من عدد الهواتف التي ينتهي بها المطاف في مدافن النفايات التي تؤدي إلى تسرّب المعادن الثقيلة السامة مثل النحاس والرصاص إلى التربة والمياه الجوفية.

 

مع ذلك فإن السبب الحاسم لرفضي اقتناء هاتفٍ محمولٍ هو ذاته السبب الذي يحمل الجميع على امتلاك واحدٍ؛ أنا لا أريد القدرة على التواصل مع أي شخص غائب. تضع الهواتف المحمولة مستخدميها باستمرار تحت الطلب وتجعلهم متاحين باستمرار، وبقدر ما يمكن أن يكون محرراً ومريحاً، فقد يكون عبئاً كبيراً أيضاً. يأتي هذا العبء في صورة الشعور بالتزام تجاه الأفراد والأحداث قائمة في أماكن أخرى. أي شخص فحص هاتفه أثناء محادثة وجهاً لوجه مع شخص آخرٍ يفهم الإغراء، وأي شخص كان يتحدث إلى شخصٍ ما  وفحص الشخص الجالس مقابله هاتفه يفهم ما هو الخطأ في ذلك.

 

التواصل مع شخصٍ ليس حاضراً مادياً يعمل على عزل الشخص عن محيطه الفيزيائي، مما يجبر العقل على الانفصال عن الجسد. نرى هذا في المخاطر المعروفة والموجودة في كل مكان مثل كتابة رسائل نصية أثناء القيادة، ولكن نراه أيضاً في تجارب أكثر دنيوية: الأصدقاء أو العشاق الذين يتجاهلون وجود بعضهم البعض لفحص المنشورات على الفيسبوك؛ فالناس ينشرون أنشطةٍ يقومون بها ووجبات طعامهم وأفكارهم العابرة؛ فتجد أباً يسجّل أداء ابنته وهي ترقص الباليه باستخدام هاتفه المحمول بدلاً من مشاهدتها مباشرةً -يركّز على تصويرها بدلاً من الاستمتاع بمشاهدتها؛ أو ترى أشخاصاً يسيرون في الشارع وهم يتحدثون مع أنفسهم ويظهر عليهم أنهم أشخاصٌ أصحاءٌ فتكتشف أنهم يتحدثون عبر البلوتوث الخاص بهم. يدخل الهاتف الخلوي عنوةً إلى مجالات الحياة العامة والخاصة مما يحول دون مشاركتنا الشاملة بما يحيط بنا. الهواتف الذكيّة فقط تكمّل قدرة سابقتها بالتطفّل بإحكام.

     

  

ينطوي على تأثيرات الهاتف الخلوي المتطفلة والمتداخلة انعكاساتٍ كبيرةً على علاقتنا بذاتنا وبالآخرين. إن معرفة الآخرين وفهمهم بشكل حقيقي يتطلب الصبر والمخاطرة والتعاطف والعاطفة؛ وجميعها مقيدة بالهواتف المحمولة. كما تحدّ الهواتف المحمولة من العزلة والتأمل الذاتي والتأمل -أو اجترار الأفكار المعروف سابقاً باسم "الانتظار" و "الملل"- وهي أمورٌ أعتقد أنها ضرورية لعيش حياة جيدة.

 

قبل وقت طويل من الهواتف الخلوية، كان البشر جيدون في صرف أنفسهم عن الانتباه المنضبط. ولاحظ الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال في القرن السابع عشر "السبب الوحيد لتعاسة الإنسان هو أنه لا يعرف كيف يبقى بهدوء في غرفته". وقد تم تأكيد هذا الميل للابتعاد عن الهدوء والعزلة والتأمل في دراسة حديثة حيث فضل الأشخاص الخاضعون للدراسة إعطاء أنفسهم صدمات كهربائية بدلاً من الجلوس مع أنفسهم للتفكير بمواضيع خاصة بهم  لمدة خمسة عشر دقيقة.

 

آمن باسكال أن ذروة كرامة الإنسان في فكره وأن ترتيب الأفكار يبدأ من الشخص نفسه وثم يفكر في خالقه ونهايته، وربط هذا النوع من الفكر ارتباطاً وثيقاً بالراحة والسعادة الحقيقية. إن عدم اقتناء هاتف خلويٍ يوفر لي مساحةً للتفكير مما يمكنني من اتباع أسلوب حياةٍ أكثر ثراءً وإشباعاً. بامتلاك عددٍ أقل من المهام لتأديتها وتفضيلات لإرضائها، تتباطؤ الحياة لوتيرةٍ تتوافق مع التأمل والامتنان.

  

   

لا تساعد الحياة الخالية من الهواتف الخلوية فقط على تحرير العقل وإنما الجسم أيضاً. يقدم الفيلسوف اليوناني القديم أناكسوغوراس وجهة نظر مختلفة للطبيعة البشرية عن باسكال: "يعتبر الإنسان أكثر الحيوانات ذكاءً بسبب يديه". يمكننا أن نكون على يقين أن أناكسوغوراس لم يكن يتوقع ظهور الهواتف الذكية؛ فرفض الهاتف الخلوي يمكّن المرء من استخدام يديه للقيام بأنشطة ذات معنى -كالعزف على البيانو والبستنة وقراءة كتاب- بطريقة تأخذ المرء بالكامل وتجعله يندمج في تلك الأنشطة بحيث تصل إلى ذروة مفهومها.

    

بدون هاتف محمول، من الأسهل التركيز على ما هو أمامي: زوجتي وأولادي وعملي والعشاء والذهاب في نزهة على الأقدام. أحاول اختيار أنشطتي بعناية، لذلك عندما أفعل شيئاً، لا أريد أن أكون في مكان آخر. ما يطلق عليه مستخدمو الهاتف الخلوي "تعدد المهام" لا يهمني ولا يثير إعجابي.

 

بالطبع، يمكن استخدام الهواتف الخلوية بشكل مسؤول؛ يمكننا إيقاف تشغيلها أو ببساطة تجاهل الرسالة الواردة، لكن يتطلب هذا التصرف قوة إرادة غير عادية. ووفقاً لاستطلاع حديث أجراه مركز بيو Pew للأبحاث، فإن 82% من الأمريكيين يعتقدون أن استخدام الهواتف المحمولة في المواقف الاجتماعية يؤدي في كثير من الأحيان إلى ضرر أكثر من المساعدة في المحادثة، إلا أن 89% من مقتني الهواتف الخلوية لا يزالون يستخدمون هواتفهم في تلك المواقف. إن رفض الهاتف المحمول يضمن أنني لن استخدمه عندما لا يجدر بي فعل ذلك.

   

  

سيصّر بعض الناس على أنه إذا رغبت في رفض هاتف خلوي، ينبغي علي أيضاً رفض الهاتف العادي. صحيح أن استخدام الهاتف الأرضي يقدم خبرات متشابهة مماثلة للهواتف المحمولة. ولكن كانت هناك دائماً حدوداً طبيعيةً وماديةً فُرِضَت على استخدام الهاتف العادي، وهو واضح من اسم "الهاتف الأرضي/الثابت". تقدم قابلية التنقل عبر الهاتف المحمول شكلاً راديكالياً من التواصل من خلال جعل تأثيراته المنفصلة منتشرة. أريد حماية ما تبقّى من تجارب لدي بلا تأثير ظروفٍ معينةٍ.

  

يشير المعنى الأصلي لـ "الاتصال" إلى علاقة مادية وهي ربط أو جمع أمران أو شخصان معاً. نطبق هذه الكلمة على اتصالات الهاتف المحمول لدينا الآن فقط كمجاز. إن "الاتصالات" روحانية حيث تصل كلماتنا وأفكارنا إلى المناطق العليا من الفضاء المجاورة لبرج الهواتف الخلوية -الذي توضع فيه الهوائيات ومعدات الاتصال الالكترونية- فقط لتبقى هناك، لأن أجهزتنا تفصلنا عن أولئك الذين نتقاسم معهم مساحةً ما. على الرغم من امتلاكنا يدين، لإني موقنٌ أنه لا يمكنك الإمساك بالهاتف الخلوي في يدٍ ويد شخصٍ آخر في اليد الأخرى في آنٍ معاً.

 _______________

 

مترجم عن (أيون)

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار