انضم إلينا
اغلاق
من فاروق إلى السيسي.. قصة امبراطورية البوليس التي يجهلها الكثيرون

من فاروق إلى السيسي.. قصة امبراطورية البوليس التي يجهلها الكثيرون

  • ض
  • ض

في صبيحة يوم 25 يناير/كانون الثاني، وتحديدا في الساعة السادسة صباحا، رفض 800 جندي وضابط مصري من قوات الشرطة بقسم مدينة الإسماعيلية القريبة من منطقة قناة السويس أن يسلموا أسلحتهم، وبادروا في وقت مبكر من الصباح بإطلاق النار من بنادقهم البدائية على القوات المحتشدة خارج القسم، متورطين في معركة غير متكافئة بالمرة انتهت بهزيمتهم واعتقال كل من بقي منهم حيا بعد المعركة.

  

فيما بعد، أصبح ذلك اليوم، يوم 25 يناير/كانون الثاني، عيدا للشرطة، تخليدا لتلك الحادثة، حين ضاقت القوات البريطانية المتمركزة بمنطقة القنال بالعمليات الفدائية التي شارك فيها شباب ورجال من جميع القوى السياسية المصرية بتواطؤ واضح من قسم شرطة الإسماعيلية الذي لم يستطع رجاله السيطرة على انفعالهم مع الشعور الوطني المتزايد في البلاد، فقامت القوات البريطانية في فجر يوم 25 يناير/كانون الثاني 1952 بمحاصرة مبنى القسم وطلبت من الجنود والضباط تسليم أنفسهم وأسلحتهم، فرفض الجنود والضباط واشتعلت المعركة واشتد إطلاق الرصاص بين بنادق بدائية ورشاشات إنجليزية تختبئ وراء المدرعات والدبابات، وانتهت المعركة بمقتل ثلاثة جنود بريطانيين واستشهاد خمسين من رجال الشرطة المصرية واستسلام الباقين واعتقالهم تمهيدا لمحاكمتهم عسكريا.(1)

  

    

وفي اليوم التالي للحادثة، 26 يناير/كانون الثاني 1952، اشتعلت المظاهرات في قلب القاهرة احتجاجا على اعتقال ومحاكمة رجال الشرطة المصرية، الأمر الذي انتهى بحريق القاهرة، واضعا البلاد المصرية على إناء ساخن، فارت ماؤه بحركة الجيش في 23 يوليو/تموز 1952، إلا أن فوران الماء قد أطفأ النار، وبعد نحو ستين سنة من تلك الحادثة، بدا الأمر في شوارع مصر مقلوبا تماما، فقد خرجت تظاهرات الشباب هذه المرة تهتف بسقوط نظام الظلم والاستبداد والفساد، النظام الذي يحميه رجال الشرطة، الذين عاثوا في البلاد ظلما وتعذيبا وقتلا وفسادا وإفسادا، فاقدين لأي شعور وطني أو حتى ضمير أخلاقي.(1)

  

واليوم، بعد مرور ثماني سنوات ونيف من ثورة يناير، ما زال الأمر كما هو، وما زالت الشرطة على طرف نقيض لذلك الذي كانت عليه في ٢٥ يناير/كانون الثاني ١٩٥٢. طرف يصعب فيه أن يتخذ جنودها، الذين صاروا يتعلمون الانضباط العسكري، قرارا شجاعا بمواجهة وطنية، أو أن يتخذ ضباطها مبادرة مسؤولة دون انتظار الأوامر. طرف يصعب أن تتفق الشرطة فيه مع الشارع وحركته إذا خالفت تلك الحركة ما تراه السلطات، حتى وإن كانت حركة الشارع تنطلق من الإيمان بمبادئ العدالة والسيادة الوطنية والحقوق الإنسانية للجميع. فكيف تحوّلت الشرطة لهذا الطرف النقيض، لتصبح عصا في يد السلطات تبطش بها أجساد الشعب المظلوم؟

  

زفاف الشرطة والنظام السياسي.. هل الشرطة مؤسسة مسيسة؟

يطرح المؤرخ خالد فهمي سؤالا عن "تسييس" مؤسسة الشرطة: هل كانت الشرطة تدافع عن النظام الملكي أو تعمل لحسابه؟ ثم يذهب إلى أن هذا السؤال ليس صحيحا، فمؤسسة الشرطة المصرية قبل قيام حركة يوليو كان يرأسها وزراء مدنيون، فـ"النظام لم يسع لحماية نفسه قبل حركة الجيش عبر قوات من الشرطة، وإنما تنامى الاتجاه لعسكرة الشرطة عقب يوليو. الشرطة لم تكن تحمي الملك أو نظامه وهي بهذا المعنى غير مسيسة. هي إن كانت مسيسة قبل يوليو؛ فهذا يتصل بكون أفرادها أنفسهم مسيسين، ربما بشكل غير مؤسسي أو منهجي، ليس من الضرورة أن يكونوا منخرطين في جماعات أو أحزاب سياسية، ولكن قرارهم باتخاذ التحرك والعمل ومواجهة دبابات ورصاصات الاحتلال دون انتظار أوامر؛ هو في ذاته قرار سياسي. وهو ما لم يعد واردا تكراره عقب الانقلاب العسكري في يوليو ١٩٥٢".(1)

   

   

ويوضح فهمي أن قبل حركة الجيش كانت السياسة موجودة بالشارع، مع وجود الأحزاب والقوى السياسية الأخرى كمصر الفتاة والإخوان المسلمين مع وجود البرلمان ونخبة سياسية مدنية، لكن ما قررته النخبة العسكرية الجديدة والتي قامت بحركة يوليو بناء على مبدأ في منتهى البساطة والاختزال لكنه يُمثّل غطاء شرعيا للحكم العسكري حتى الآن، وهو: "الحياة السياسية فاسدة وأفسدت حال البلد، فيجب أن يتدخل الجيش ليُنهي السياسة وفسادها، لكنه قد يسبب فشلا اقتصاديا، فيجب بقاء الحكم العسكري كي يُعيد الانضباط الذي قد يصنعه الاحتجاج السياسي"، وهكذا تظل الدولة في دائرة مفرغة مضمونها الأساسي هو إزالة السياسة من الشارع، وبالتالي إزالتها من صفوف الجيش والشرطة كي لا تتكرر حالات الانقلاب العسكري.

    

فبعدما قام الضباط الأحرار بانقلابهم العسكري في ٢٣ يوليو/تموز ١٩٥٢؛ "أراد الضباط القائمون بتلك الحركة ضمان بقائهم في الحكم ومنع أي احتمالات مستقبلية لتكرار ما صنعوه. والسبيل الوحيد والناجح لذلك -وفقا لرؤيتهم- كان نزع السياسة من كافة مؤسسات الدولة ومن الشارع. لهذا أسسوا أجهزة أمنية وأجهزة استخبارات تتولى مراقبة أفراد الجيش والشرطة، وليس فقط مراقبة الشعب. كان لا بد من التحكم في العمل السياسي و"تأمين الجيش"، لهذا جاء تعيين عبد الحكيم عامر لولائه المضمون قائدا على رأس الجيش لضمان "التأمين" وهو ما قاد لاحقا لهزيمة ١٩٦٧".(1)

 

هل هذا يعني أن مؤسسة الشرطة المصرية كانت وطنية في الأصل تدافع عن حقوق المصريين، ولم ترتكب أي جرائم في حق الشخصيات السياسية الوطنية والمقاومة للاحتلال الإنجليزي؟ يؤرخ المفكر تيموثي ميتشل في كتابه "استعمار مصر" لبداية تأسيس الشرطة المصرية، فيقول: "كان على الريف المصري أن يصبح، حيثما كان ذلك ممكنا، مثل قاعة الدراسة والمدينة، مكانا للإشراف والسيطرة الدائمَين، للتذاكر وأوراق التسجيل، للمراقبة والتفتيش. وعلاوة على الإشراف الخاص على الحقول، والمصانع، والسكك الحديدية، ومجموعات العمال، رغبت الحكومة في إقامة نظام عام للبوليس يكون ذكيا وفعالا وموجودا في كل مكان".(2)

   

عبدالحكيم عامر، أحد رجال ثورة يوليو 1952 في مصر (مواقع التواصل)

     

فكان الأمر في البداية، عقب انهيار الحكومة عام 1882، عبارة عن نظام معادل لفرض الأحكام العرفية، وهو في الحقيقة معدل لقانون الطوارئ الحديث، وقد أُطلق عليه اسم "لجان قطع الطريق" التي حاول الإنجليز أن يسحقوا بها الجماعات المسلحة المحلية التي تقاوم القوات الإنجليزية في الريف المصري، واستخدم الإنجليز كل التقنيات التي أصبحت مألوفة فيما بعد في دولة يوليو مثل: الغارات العسكرية، والبوليس السري والمرشدين، والاستخدام المنهجي للتعذيب، والسجن الجماعي. وقد امتلأت سجون البلاد بأربعة أضعاف طاقتها.(2)

 

وكانت الأمثلة على التعذيب المستخدم لانتزاع الاعترافات من المشتبه فيهم تتضمن تعليق الناس في أطواق حديدية، وحرق الجسم بمسامير حديدية محماة. وبعد عقد من الزمن من إدخال "لجان قطع الطريق" استُبدل بها نظام "بوليس" أكثر انضباطا وانتشارا واستمرارية. وعُيّن الكولونيل كتشنر، أحد الضباط البريطانيين في الجيش المصري، مفتشا عاما للبوليس المصري، وقد حوّل الأساليب الحديثة للتفتيش والاتصال والانضباط إلى عملية متصلة بالسلطة السياسية.(2)

  

وبالإضافة إلى تنظيم قوة البوليس، تمت إقامة نظام شامل للتفتيش الإنجليزي (2)، في إطار وزارة الداخلية، التي كانت تعبر عن البيروقراطية الجديدة المنظمة للشؤون الداخلية في مصر، فكان على تلك الشؤون الداخلية للحياة القروية المصرية أن تخضع للإشراف المستمر. وللمساعدة على ذلك رُتّبت لخفراء القرى المحليين، وعددهم 50 ألفا، مرتبات حكومية، فيما بعد، أُحضروا إلى المراكز الإقليمية لتلقي التدريب العسكري وزُوّدوا بالأسلحة.

   

   

وكان على هؤلاء الخفراء أن يعاونوا في المراقبة البوليسية للمجرمين والأشخاص المشتبه فيهم ولكل "الشخصيات السيئة المعروفة" أو المناوئة لسلطة الإنجليز (2)، وأخيرا تم إدخال سلسلة من اللوائح الحكومية بهدف قمع أي "اضطراب داخلي" بما في ذلك منع حمل السلاح على الجميع باستثناء "المسؤولين الحكوميين والمحليين، أو ملاك الأراضي والتجار ذوي الحيثية". وكانت مناهج السيطرة الجديدة عظيمة النجاح، فقد حطمت جماعات المقاومة الريفية، وقُتل زعماؤها بالرصاص أو اعتُقلوا، ووضعت نهاية للهجمات على ملكيات الإنجليز.

 

وبحلول عام 1895 أنشأ الإنجليز وزارة الداخلية في مصر، وفي عام 1911 ظهر ما يسمى القسم الخاص، وهو القسم المكلف بأعمال الرقابة الداخلية، الذي يُعد السلف الأول لجهاز مباحث أمن الدولة والمباحث العامة. وتحددت الجرائم السياسية في عام 1937، وعُرّفت بأنها أي تعبير يُقصد به إهانة الحكومة أو احتقارها.(3)

  

يحكي ميتشيل (4) واقعة حصلت في مديرية بني سويف توضح الدور الرقابي والضبطي الذي لعبته الشرطة تحت إشراف الإنجليز، حيث كتب اللورد كرومر في تقرير أرسله لوزارة الخارجية بلندن أن ضابط التفتيش الإنجليزي كان لديه من الأسباب ما يكفي ليقتنع أن هناك عددا كبيرا من البالغين والأطفال لم يُسجلوا في دفاتر عزبة تخص أحد الأثرياء المصريين، وقد أقر الشيخ المسؤول بأنه ليس في القرية الواقعة في عزبة ذلك الثري أحد صالح للتجنيد الإلزامي أو تجنيد العمل غير مسجل، فقام ضابط التفتيش بمعاونة قوة من الشرطة والخفراء بتطويق القرية ليلا، وفي الصباح وجدوا ما يربو على 400 غير مسجلين اعتُقلوا جميعا، وتعرض الشيخ لمحاكمة عسكرية.

 

وفي الثلاثينيات من القرن العشرين (5) توسعت السجون لتشمل معسكرات اعتقال في الصحراء وخارج المدن، منها طرة وأبو زعبل والقناطر والواحات، وفي أثناء الحرب العالمية الثانية أُودع 4000 معتقل في المعسكرات، وفي بداية الخمسينيات بلغ عدد المعتقلين 25 ألف معتقل، وهو العدد الذي سيبلغ مئة ألف في عهد عبد الناصر.

  

 قفز الضباط الأحرار على عرش الدولة المصرية كزرع شيطاني ليس له جذور

مواقع التواصل الاجتماعي
  

إذن كان السبب الأساسي لإنشاء جهاز الشرطة ليس هو إقامة العدالة أو حفظ الأمن، بل ضبط الريف والمدن المصرية لتتلاءم والسلطة الإنجليزية وأهدافها التجارية والرأسمالية، وكانت مهمة رجال الشرطة والخفراء هو تدمير وسحق أي حركة مقاومة ضد الاحتلال الإنجليزي، وما حدث في قسم شرطة الإسماعيلية 1952 كان هو الاستثناء نتيجة تنامي الشعور الوطني، بجانب ازدهار النخب السياسية والقانونية منذ ثورة 1919 وصعودها لقمة المناصب السياسية والوزارية في العهد الملكي.(6) وكان ما حدث بعد انقلاب يونيو/حزيران هو معاداة ذلك الاستثناء في تاريخ الشرطة وإعادة الأمور لأوضاعها العادية، وعودة جهاز الشرطة لممارسة مهمته الطبيعية منذ نشأته.

  

شرطة الدولة الناصرية.. وبزوغ فجر دولة البطش

قفز الضباط الأحرار على عرش الدولة المصرية كزرع شيطاني ليس له جذور، فلم يكن لحركة يوليو أي تنظيم سياسي جماهيري تحركه أيديولوجية سياسية واضحة لتتسلم به السلطة، مما دفع جمال عبد الناصر للاعتماد على المؤسسات القائمة، وهي المؤسسات ذات التصميم الإنجليزي القديم والتي عملت منذ عام 1882 على خدمة مصالح الإنجليز وخدمهم في مصر.

 

وفي ظل عدم وجود صراع سياسي بعدما نجح جمال عبد الناصر في هزيمة جميع خصومه بداية من محمد نجيب وعبد الرازق السنهوري وحتى الإخوان المسلمين والشيوعيين وبعض عمال المصانع، تحول جوهر سياسة "عبد الناصر" وجوهر ما ادّعاه من تطهير البلد من أذناب الاستعمار إلى مجرد مجموعة من المشكلات الإدارية، التي تحتاج فقط إلى إعادة ترتيب وتنظيم مع رفع مستوى الأداء، دون تطرق إلى الخيارات والأولويات نفسها.(7)

 

 

ولأن النظام الجديد يفتقر لأي تنظيم سياسي جماهيري فقد اعتبر الموظفين الموجودين من الأصل في النظام الإداري هم تنظيمه الأساسي، ولم تطل قوانين التطهير لسنة 1952 سوى الأجهزة المتصلة بالأمن والسياسة، كالجيش والبوليس ووزارة الخارجية. واقترن ذلك مع إلغاء السياسة باعتبارها شرا مطلقا وتفريغ ذلك النظام الإداري بأكمله بما فيه مؤسسة الجيش والشرطة بالأساس من أي توجهات سياسية (7)، وتوازى ذلك مع إلغاء الأحزاب وأي قوى سياسية قديمة أو جديدة، ليبقى الزعيم الكاريزمي الخالد وحيدا على عرش من قصب.

 

وقد لخّص المستشار طارق البشري هذا الأمر بدقة فقال: "مع دمج السلطات لصالح جهاز الحكومة، ومع السلطة الفردية، تبدو السمة الثالثة للنظام السياسي الذي أقامته ثورة 23 يوليو، وهي استغناء التنظيم السياسي للدولة والمجتمع عن مبدأ الحزبية في عمومه، ...لقد فرضت الضرورات السياسية نفسها على الضباط وحركتهم، فصار جهاز الدولة معهم هو الجهاز السياسي والإداري معا. ولم يوجد من بعد تنظيم سياسي حزبي له ذاتيته المتميزة عن الدولة، وتركزت فيه الوظائف السياسية المختلفة... إن الظاهرة التنظيمية التي تميزت بها ثورة 23 يوليو، وهي اندماج الوظيفة السياسية في الأجهزة الإدارية… ما لبثت أن تخصصت وآلت على وجه الخصوص إلى اندماج الوظيفة السياسية في أجهزة الأمن، وكادت أجهزة الأمن أن تصير قوامة على ما من شأن الأحزاب والتنظيمات السياسية أن تقوم به من وظائف… وقد تولد عن ذلك ما يمكن تسميته بالنزوع الأمني الإعلامي، وهو اعتبار كل معارضة سياسية مؤامرة أو خبيئا لجريمة تهدد أمن الجماعة والنظام، وتهدد الأهداف العليا للوطن في استقلاله ونهضته ورخائه".(8)

 

على الجانب الآخر أصبحت تلك المؤسسات الإدارية وفي قلبها الشرطة تابعة سياسيا للنظام الناصري، وفي الوقت نفسه أصبح ممنوعا على أفراد الشرطة أن يكون لهم رأي سياسي، فعقيدتهم هي الولاء الكامل للنظام، ويضيف خالد فهمي قائلا: "هذا الخوف من تسييس الجيش أو تسييس الشرطة والشارع هو ما أدّى إلى مصادرة المجال السياسي". فأسس زكريا محيي الدين الأمن الداخلي (9) عبر إعادة ترميم جهاز الشرطة بالنظام نفسه الذي أسسه الإنجليز مع فصل كل العناصر المشكوك في ولائها، وحوّل القسم السري في الشرطة إلى إدارة المباحث العامة التي تحوّل اسمها في عام 1971 إلى مباحث أمن الدولة.

 

  

وكان أكبر مثال على ذلك هو الضابط "ممدوح سالم" الذي كان ضابطا للبوليس السياسي في عهد الملك ثم استمر في العمل داخل مباحث أمن الدولة في مرحلة ما بعد يوليو 1952، حيث أصبح مدير مباحث الإسكندرية بعد انقلاب يوليو، ولاحقا عيّنه السادات وزيرا للداخلية بدلا من شعراوي جمعة.

 

ويعد مدير المباحث مسؤولا أمام وزير الداخلية ونائب الوزير لشؤون أمن الدولة. أما إدارات الأقاليم في المباحث فمسؤولية مباشرة أمام القيادة في القاهرة، لا أمام أي سلطات محلية من أي نوع، وتجند تلك الإدارات شبكة واسعة من المخبرين، بعضهم يظهر في العلن، وبعضهم يتخفى لجمع الأسرار، والباقي يُوزّع بشكل سري داخل المؤسسات والجمعيات والشركات والقوى السياسية المختلفة.(9)

 

ثم تأسست هيئة المخابرات العامة في ديسمبر/كانون الأول 1953، وكان رئيسها الأول خالد محيي الدين، ويشير المفكر عزمي بشارة إلى أن هناك عدة تقارير تشير إلى أن الولايات المتحدة دفعت بعد انقلاب 1952 مباشرة مبلغا قدره مليون دولار ثمنا لمعدات مراقبة وتنصت للشرطة وأدوات لمكافحة الشغب. كما قامت الاستخبارات الأميركية بأعمال التخطيط والتدريب، وكان حسن التهامي رجل الاتصال بين النظام الجديد والاستخبارات الأميركية.(9)

  

ويحكي صلاح نصر أنه قد درس تنظيمات الاستخبارات حول العالم ثم توصل إلى شكل مناسب لتنظيم الاستخبارات يصلح لأوضاع مصر، وكان هذا التنظيم أقرب إلى تنظيم الاستخبارات الأميركية، فيقول: "كانت المهمة المحددة لجهاز المخابرات العامة أن يكون نظام مخابرات سياسية اقتصادية… وفُصلت المخابرات الحربية وأصبحت تتبع القائد العام للقوات المسلحة، أما المباحث العامة فتتبع وزير الداخلية وواجبها يتصل بالداخل ويختص بالجماعات والنشاط الحزبي والعمالي والصحفي والطلابي وغيرها، أي إن نشاطها يتعلق بالداخل، أي الأمن السياسي الداخلي".(9)

    

المؤرخ المصري خالد فهمي (مواقع التواصل)

  

ويعلق المؤرخ خالد فهمي: "ورافق هذا اتجاه متنامٍ لعسكرة الشرطة والقضاء على صفتها المدنية، حتى وإن لم تتبع الجيش رسميا. ضباط الشرطة في أكاديميتهم لا يتعلمون القانون؛ قدر ما يتلقون تدريبات ذات صبغة عسكرية، ويتعلمون التكتيكات العسكرية الخاصة بتشكيل الجموع (الأمن المركزي) ومواجهة المظاهرات. وهذا ما أفرز لاحقا واحدة من أكبر المشكلات والأزمات للشرطة وللشعب معا، وهو صدور القانون ١٢٧ لسنة ١٩٨٠، المعروف بقانون الخدمة العسكرية والوطنية. وهو القانون الذي أسس وقنن لمبدأ قضاء المواطنين المصريين لخدمتهم العسكرية ضمن قوات الأمن المركزي، فصار هناك عشرات الآلاف سنويا يدفعون من أعمارهم ثلاث سنوات لحماية النظام، لا حماية الدولة وحدودها. وصار العدو هو أبناء الوطن في الداخل، هؤلاء الآن هم من يواجههم المجند خلال خدمته العسكرية".(10)

 

ولم يترك الزعيم السلطة إلا محمولا على ظهره، تاركا خلفه إمبراطورية تحكمها المباحث العامة وأمن الدولة والمخابرات العامة، وأربعة عشر ألف أمر اعتقال مع مئة ألف مواطن مصري قد دخلوا المعتقلات بشكل عام، مع حصيلة غير معلومة من جرائم التعذيب والقتل الممنهج والاغتيالات السياسية ودولة تقبع تحت حكم الحديد والنار.

  

الشرطة تعلن الحرب على الشعب.. شروق شمس الحرس الجديد

قبل أن تخرج روح الزعيم من جسده، وبعد نكسة 1967 والهزيمة المذلة للجيش المصري والمشروع الناصري، وتحديدا في 3 مارس/آذار 1969، ألقى عبد الناصر خطابا أعلن فيه سقوط دولة الاستخبارات، فتُرك المجال الداخلي لعمل أجهزة الأمن الداخلية والمباحث، بمعنى أن توجه أجهزة الاستخبارات عملها نحو الخارج، وتتسلم أجهزة مباحث أمن الدولة عملية الرقابة والتضييق على الحريات، وتقلص عدد الضباط في الحكومة من 66% في عام 1967 إلى 21% في عام 1970، وسيطر الاتحاد الاشتراكي العربي على التعيينات في 367 شركة عامة كان عبد الحكيم عامر يتحكم بها من خلال تعيين عسكريين في قمة هرمها.(11)

  

   

وفي عام 1969، أُنشئت قوات الأمن المركزي لوضع قطاع من المجندين في الجيش تحت إمرة وزارة الداخلية، بهدف إبقاء الجيش في منأى عن مهمات قمع الشعب في الاحتجاجات، وبلغ عدد أفراد هذه القوات في عام 1970 عشرة آلاف جندي، تحولوا لجيش كامل العتاد ومستقل التسليح والإدارة بعد موت عبد الناصر. ومع تولي السادات لرئاسة مصر، تعزز نفوذ وزراء الداخلية وأجهزتهم الأمنية، وتعززت قوة المنصب بالنسبة للنظام السياسي، وبرز ممدوح سالم والنبوي إسماعيل اللذان تحوّلا من ضابطَيْ شرطة إلى وزيرَيْ داخلية، ومع أحداث الانتفاضة الشعبية في عام 1977، ورغم فشل الشرطة في احتواء الموقف واللجوء إلى الجيش لفرض حظر التجول، تحوّل وزير الداخلية بعد يناير/كانون الثاني 1977 إلى الرجل القوي في مصر بعد رئيس الدولة مباشرة، "أي إن الدولة تحوّلت إلى دولة أمن".(11)

    

وتضاعف عدد الأمن المركزي ثلاث مرات، رغم أن تلك القوات كانت محدودة التكلفة، حيث لم يكن يتجاوز راتب المجند فيها ستة جنيهات شهريا.(11) ثم تصاعدت التوترات السياسية المصاحبة لسياسات الانفتاح الجديدة والسلام مع إسرائيل، حتى انتهت باغتيال السادات، تاركا خلفه جحافل الأمن المركزي وبلدا تغلي على صفيح ساخن، في تلك الأجواء تشكلت الدولة الأمنية في عهد مبارك والتي خرجت انتفاضة يناير مطالبة بسقوطها، بينما عاد الحكم العسكري ليرممها من جديد.

 

في ظهيرة جمهورية الرعب الثالثة

جاء مبارك في وقت ضمت فيه القوى السياسية حشودا جديدة من معارضي النظام الغاضبين من تنكيس دولة يوليو بوعودها، وخاصة تغيير السياسات الاقتصادية والسلام مع إسرائيل، وتزايد الشعور الوطني المعادي لتلك السياسات، فحاول مبارك استيعاب القوى السياسية الغاضبة، فأفرج عن معتقلي سبتمبر/أيلول 1981 ضمن قضايا اغتيال السادات، وحاول أن يبدو متسامحا وأكثر اعتدالا، لكن أحداث التمرد التي حدثت في قلب معسكرات الأمن المركزي ثم في صعيد مصر أعادت النظام لوجهه الأمني الحقيقي، ليصل لذروة بطشه الأمني.

  

       

جاءت المفاجأة التي هزت دولة يوليو في عهد مبارك في يومي 25 و26 فبراير/شباط 1986، حين خرج عشرات الآلاف من جنود الأمن المركزي الغاضبين في تظاهرات احتجاجية تطالب بتحسين أوضاعهم المعيشية، ومثلما حدث في يناير/كانون الثاني 1952 في قسم شرطة الإسماعيلية، بدأت الأحداث هذه المرة بالقرب من العاصمة القاهرة، وبدأ التمرد من معسكرين للأمن المركزي: الأول على طريق القاهرة - الفيوم، والثاني على طريق القاهرة - الإسكندرية، حيث اندفع الجنود إلى الشوارع بعد تردد شائعات عن صدور قرار يمدد فترة التجنيد الإجباري لأفراد الأمن المركزي من ثلاثة أعوام إلى أربعة أعوام، بجانب خفض الحكومة قليلا من مرتبات الجنود لسداد الديون.(11)

    

أما أخطر تحرك لقوات الأمن المركزي فكان في منطقة طرة، حيث اشتدت المواجهات بينها وبين قوات الجيش الذي استخدم طائرات مروحية، وقام بقنص عدد منهم بالرصاص، ليخرج آلاف منهم فارين إلى الشوارع يحملون أسلحتهم، مما زاد من تمركز الجيش والتعامل معهم بشكل عنيف، حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن الأحداث قد أسفرت عن مقتل 107 فرد من جنود الأمن المركزي، منهم 104 في القاهرة وثلاثة في أسيوط، علاوة على 719 جريحا، بينما ذهبت بعض التقديرات إلى حساب الضحايا بالآلاف (11)، كما تم اعتقال الآلاف من جنود الأمن المركزي من مواقع الحوادث، وسُرّح نحو 21 ألف جندي من الخدمة.

 

على خلفية تلك الأحداث حدثت تغييرات مهمة في الجهاز الأمني، كان أبرزها تعيين زكي بدر محافظ مدينة أسيوط وزيرا للداخلية، الأمر الذي شكّل تحولا تصاعديا نحو العنف، فقد قام زكي بدر بتطبيق سياسات الأمن المعمول بها في صعيد مصر، فتحوّلت مصر لساحة حرب مفتوحة بين النظام السياسي والتيارات الإسلامية.

  

عُرف زكي بدر بمنهجه العنيف بالتعامل مع المعارضين عامة والإسلاميين خاصة، وإعدامهم ميدانيا خارج المحاكمة، كما قام بتشديد إجراءات قانون الطوارئ، وتضخمت قوة الجهاز الأمني وبلغت أوجها في فترة حكم مبارك، "حيث جرى عمليا تهميش الجيوش في مقابل قطاعات الأمن الداخلي، خصوصا قوات الأمن المركزي التي شهدت طفرة في نوعية التسليح وحتى الطعام واللباس بعد تمرد 1986، كما زادت قوة الشرطة من مئة ألف فرد في عام 1974 إلى مليون فرد في عام 2002، لتُشكّل في عهد وزير الداخلية زكي بدر نحو 21% من مجمل قوة العمل في قطاع الدولة. وصار المعدل نحو 25 رجل أمن لكل ألف مواطن، وهو من أعلى المعدلات في العالم"، وارتفعت ميزانية وزارة الداخلية من 3.5% إلى 6% من مجمل الدخل المحلي بين عامي 1987 و2000، وارتفعت رواتب القوى العاملة في الشرطة من 819 مليون جنيه في عام 1992 إلى 3 مليارات جنيه في عام 2002.(11)

   

زكي بدر وزير الداخلية المصري السابق (مواقع التواصل)

  

وبعد محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا في 26 يوليو/تموز 1995، زاد تعويل النظام السياسي على أجهزة الأمن، من استخبارات ومباحث أمن دولة، كما زاد نفوذ الشرطة بعد تحوّلها لمؤسسة للترقي الاجتماعي، حيث يذكر عبد اللطيف المناوي، الذي أصبح أحد أركان إعلام نظام مبارك بصفته مديرا لقطاع الأخبار، "أن هناك من أصبح مستعدا لدفع رشاوى تصل إلى 200 ألف جنيه لقبول أبنائهم في كليات الشرطة، فوظيفة الضابط تؤمن سلما اجتماعيا اقتصاديا تتوق لامتلاكه أي عائلة متوسطة لتحسين وضعها الاجتماعي".

 

ومع دخول مصر القرن الحادي والعشرين، أصبحت مؤسسة الشرطة في مصر مؤسسة مسيسة بالكامل لصالح النظام السياسي (12)، غير أنها انفصلت تماما عن أي قواعد قانونية، وأصبحت الممارسات القاسية من تعذيب وقتل هي السلوك الأساسي، بجانب الاستعانة بالمجرمين السابقين والمحكوم عليهم بالإعدام أو المؤبد ليكونوا مثل كلاب صيد أو بلطجية تحت طوع ضباط الشرطة، "وشوهد هؤلاء بمديريات الأمن ومقار الشرطة يجالسون رتبا قيادية مقابل أدائهم لتكليفات، حتى أصبح لهم سطوة ونفوذ مستمر بمناطقهم لسنوات".(12)

   

العقلية الأمنية تحكم مصر

في 25 يناير/كانون الثاني من عام 1989، أجرت مجلة الشرطة استطلاعا للرأي تدعو فيه القراء إلى إبراز السلبيات التي يرونها في جهاز الشرطة المصري، وكانت المؤسسة الأمنية الأقوى حينذاك تتوقع مديحا في أدائها، وقد شمل الاستطلاع ثلاثة وثلاثين اسما لشخصيات معروفة في ذاك الوقت، ينتمون إلى تيارات فكرية مختلفة، فجاءت نتائجه بمنزلة انعكاس صادم للواقع.

  

    

فقد ذكر ما يقرب من ثلثهم أن كبرى سلبيات جهاز الشرطة هي "المعاملة السيئة التي يلقاها المواطن العادي، أي من غير المعارضين السياسيين، من رجال الأمن في الشارع والأقسام، وذكر ما يقرب من ستة أو سبعة كُتّاب أن عدم احترام الشرطة للقوانين هو المأخذ الأول، وتوزعت آراء الباقين بين اهتمام الشرطة بالأمن السياسي على حساب الأمن الجنائي، وسوء المظهر العام لأفرادها.. وذكر بعض من استُطلعت آراؤهم وقائع شَهِدوها بأنفسهم حملت انتهاكات لفظية ومعنوية لكرامة المواطنين، وعنفا واعتداء ماديا على أجسامهم".(13)

  

فمثلا وصف الكاتب الساخر محمود السعدني موقفا لضابط "تعطلت سيارته في الشارع، فما كان منه إلا أن قام بضرب شاب من المارة رفض أن يطيع أمره وأن يساعد الجنود في دفعها، ثم مشهدا آخر لمواطن تلقى ضربات بالكفوف والقبضات في أثناء إلقاء القبض عليه في الشارع بغير أن يبدي أي مقاومة لأفراد الشرطة، وثالثا لضابط استخدم ألفاظا بذيئة في سب عدد من العمال والفلاحين البسطاء المسافرين إلى العراق دون أي سبب مفهوم".

  

وعبّرت الكاتبة سكينة فؤاد عن استيائها من سلوك الشرطة فكتبت: "وكأن الشرطة لم تعد في خدمة الشعب، وأنها على خلاف معه"، وذكر يوسف القعيد أنه يرى في تصرفات الكثير من رجال الشرطة ما يشير إلى أن الشرطة أصبحت في خدمة الدولة لا الشعب، وفي السياق نفسه استنكر وزير الداخلية حينذاك زكي بدر دفاع نشطاء حقوق الإنسان عن حق المواطن في أن ينال معاملة إنسانية كريمة بلا عنف وبلا إساءة، فقال: "الذي أتحفظ عليه هو أن المنادين بحقوق الإنسان يعدون الإنسان صاحب الحقوق هو الإرهابي واللص وتجار المخدرات ومن على شاكلتهم".(13)

  

إلا أن هذا الاستطلاع وتلك الحرية في كتابة الآراء والنقاش قد انتهت للأبد، وكان ذلك آخر استطلاع تجريه الحكومة المصرية عن أي شيء يخص أي شيء، ولم يأت عام 2002 إلا بفاتورة ضخمة من التعذيب والعنف والقتل الذي مارسته الشرطة المصرية، فورد إحصاء بأقسام الشرطة التي أبلغ مواطنون عن تعرضهم للتعذيب فيها وبلغ عددها ثمانية وثلاثين قسما، أما في الفترة ما بين العام 2003 و2006 فقد بلغ العدد ما يزيد على الثمانية والثمانين قسما للشرطة، مورس فيهم العنف والتعذيب.(13) فقد أصبح التعذيب والإهانة والعنف نمطا شائعا ومعتادا ضد أي شخص من قِبل أفراد الشرطة، وقد تضاعف عدد من تعرضوا للعنف والتعذيب أكثر من ثلاث مرات بين عامي 2000 و2008، ثم تضاعف بعد ذلك إلى ما شاء الله في عهد الجنرال.

    

 يقسم العقل الأمني مصر إلى ثلاثة أقسام منفصلة لها حدود واهنة يمكن عبورها أو تغييرها بسهولة: قسم الأصدقاء، قسم الأعداء، ثم قسم يضم كل هؤلاء الذين لم يتم تصنيفهم

رويترز
  

خلال فترة حكم مبارك، نضج العقل الأمني للنظام السياسي في مصر، وبعد المواجهات المتكررة مع خصومه الإسلاميين في عامي 1954 و1965، ثم مواجهة احتجاجات 1968 و1972، ثم احتجاجات 1977، ثم مواجهة تمرد الأمن المركزي 1986، والحرب على التيارات الإسلامية خلال فترة التسعينيات، تكوّن العقل الجمعي للجهاز الأمني في مصر، عقل يتسم أولا بالولاء الكامل للنظام السياسي التابع لدولة يوليو ومعادٍ لأي اتجاه سياسي خارجها، وثانيا يعتبر الإسلاميين هم الخصم الأول لذلك النظام السياسي، وأي مظهر من مظاهر التدين هو اتجاه للتطرف الذي قد يُشكّل تهديدا للنظام السياسي وبالضرورة للجهاز الأمني، فلا يرى الجهاز الأمني الإسلاميين إلا شياطين تريد سرقة السلطة منهم.(14)

  

وفي ضوء ذلك يقسم العقل الأمني (15) مصر إلى ثلاثة أقسام منفصلة لها حدود واهنة يمكن عبورها أو تغييرها بسهولة: قسم الأصدقاء، قسم الأعداء، ثم قسم يضم كل هؤلاء الذين لم يتم تصنيفهم، أي "المتعايشين مع الأوضاع". يُصعد النظام إلى خانة الأصدقاء من يُسند إليهم الوظائف العليا والقيادية، ويصطفيهم إلى الدوائر المقربة، ويضع في أيديهم مفردات السلطة ويسلط عليهم الأضواء، أما خانة الأعداء، فتتوجه إليها اليد الباطشة للنظام لفرض السيطرة الكاملة عليها، ولتؤكد أن هؤلاء الاشرار ليسوا بمأمن وليسوا بعيدين عن المنال، وأن مصلحة النظام تعلو فوق الجميع وفوق القانون.

  

أما الخانة الثالثة، فيعتبرها النظام خانة المهمشين الذين لا ينتمون لأي فصيل سياسي أو اتجاه فكري واضح، ولا يهتمون سوى بالحياة العادية ومتطلباتها، لكنّهم مرشحون دائما من قِبل الأمن كقائمة احتياطية لخانة الأعداء، فطالما بقوا دون أي تذمر حتى لو أن الأمر يهدد حياتهم فعليهم الموت بصمت، وإلا تضيفهم الشرطة فورا لخانة الأعداء، حتى اتسعت تلك الخانة في نهاية حكم مبارك والحكم الحالي لتسع الكتلة الهائلة من جمهور الشعب.(15)

  

 أدّت كل الأحداث السياسية السابقة والتغيرات في عقل الأمن إلى تفشي الواسطة والمحسوبية

رويترز

   

ويلخّص هادي العلوي الأمر قائلا: "ينشأ لدى أركان النظام حافز الاستحواذ على السلطة كونها قيمة مستقلة عن وظيفة الدولة الاجتماعية، تُمكّنها من تحقيق مصالح خاصة، ومن الاستئثار بالمزايا التي توفرها قيادة الدولة، التي تنتج بدورها عن امتلاك أداة للقمع وعن التمتع بالقدرة على توجيه الآخرين وتسيير المجتمع، وحينما تتعدد حوافز القمع، فإنها تخرج بممارسة العنف عن الغرض السياسي المحض لتصبح جزءا من السلوك اليومي، أي نزوعا يتم التعامل به مع سائر فئات المجتمع على اختلاف مواقعها".(15)

  

الشرطة المصرية مرتع الفساد والاستبداد

أدّت كل الأحداث السياسية السابقة والتغيرات في عقل الأمن وتحوّل الجهاز الأمني لملكية خاصة للنظام السياسي إلى تفشي الواسطة والمحسوبية، وسعى كل لواء أو رجل مهم إلى إلحاق نجله بكلية الشرطة بهدف قضاء فترة التجنيد أو لضمان وظيفة برعاية والده بعد التخرج، أو للعبور منها للالتحاق بسلك النيابة والقضاء.

  

ويذهب الاقتصادي عبد الخالق فاروق إلى أن جهاز الأمن المصري من أضخم أجهزة الأمن في العالم، من حيث الحجم والعدد، فقد زاد عدد أفراد وزارة الداخلية من 214 ألفا في عام 1970 إلى أكثر من 1.5 مليون بما فيهم من شبكات للتجسس والمرشدين والمخبرين عشية ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011. ويضيف فاروق أن هذا الحجم الضخم لمؤسسة الأمن قد امتلأ بالفساد الإداري الذي يبدأ من الاختيار الفاسد لأغلب قيادات الوزارة ومناصبها المهمة مثل: "أمن الدولة - مصلحة السجون - مديريات الأمن"، ويمتد لصلات القرابة لقيادة الوزارة أو المتحلقين حولهم.

  

"كما استعمل الوزير الرخصة التي أتى بها بتعديلات قانون هيئة الشرطة في شأن التجديد للقيادات العليا والمتوسطة، بدءا من رتبة العقيد وحتى اللواء، وإقصاء كل من تُثار عليه الشكوك حول ولائه أو عدم انصياعه للأوامر.. فمثلا بالنسبة لوحدة مباحث القسم فكان يتم اختيار بعض رؤساء مباحث القسم بمواصفات محددة، منها أن لديه القدرة على تزوير الانتخابات وترويض البلطجية في دائرته لقمع المعارضين السياسيين وقمع الناخبين، وكذلك قدرته على عمل شبكة علاقات مع التجار والمقاولين في دائرته ليتكسب بطريقة غير مشروعة من شقق وأراض وب يزنس، وهذا لا يتم إلا بترضية قياداته حتى ينعم بهذا الفساد".(16)

 

    

"كذلك يتم اختياره بناء على قدرته على الاهتمام ببلاغات الكبار والأثرياء، وهذا بفضل الإحصائية الشهرية التي تطلب من ضباط المباحث، هذا فضلا عن أمناء الشرطة أو الأفراد الذين تولوا أعمال بلوكامين المباحث، والذين أثروا من عملهم بفرض إتاوات على المجرمين والمتهمين، بالإضافة إلى تلقي رُشًى من سائقي الميكروباصات وسيارات النقل والأجرة في مزلقانات القطارات، ومواقف الميكروباصات نهارا جهارا بالطريق العام، نظير التغاضي عن تحرير المخالفات، أما مأمور المركز أو القسم فكان يتم اختياره بمواصفات القيادات نفسها، مطيع لقياداته في تنفيذ التعليمات ولو ضد القانون، وطالما له ملف يكون أداة في يد مدير الأمن ينفذ أي شيء من أجل البقاء والصعود للمناصب الأعلى".

 

ولا يكتمل مستنقع الفساد الذي تغرق فيه مؤسسة الشرطة إلا بكشف تورط وزارة الداخلية بأكملها في أنشطة تجارية واقتصادية، تصل لتورط بعض كبار رجال الأمن في شبكات لتهريب الآثار وبيع المخدرات وغسيل الأموال، والاستيلاء على أراضٍ وأموال عامة. وتنفق الوزارة الملايين على شراء شاليهات ووحدات سكنية، واستخدم رجال الأمن نفوذهم في تأسيس مشروعات تجارية كبرى دون تكاليف وبتسهيلات حصلوا عليها بصفتهم الوظيفية، ثم تولي مناصب حكومية مثل منصب المحافظ بعد خروجهم على المعاش.(16)

 

وأدّى تغول مباحث أمن الدولة المعروفة حاليا بـ "الأمن الوطني" في مفاصل الدولة لدرجة طلب كشوف بأسماء المتقدمين للوظائف الحكومية وبعض الشركات الكبرى خاصة شركات الطاقة والبترول، والكشف على سجلهم السياسي، وإبداء الموافقة أو الرفض بناء على رأي مباحث الأمن الوطني.(16)

    

في ضوء كل ذلك، يتضح كيف أصبحت الشرطة تقف على الطرف النقيض لما حدث يوم 25 يناير/كانون الثاني 1952، ونفهم لماذا يصعب على رجال الشرطة أن يتخذوا موقفا سياسيا شجاعا أو أن يقفوا في صف العدالة أو حتى الضمير الإنساني، وننتهي إلى أن الشرطة تحتاج إلى تغييرات جذرية في هيكلها الإداري والبنيوي كي تعود لمهمة حفظ الأمن وإقامة العدل وليس أداة قمع في يد النظام الحاكم.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار