انضم إلينا
اغلاق
الإسلاميات السوريات من جيل الثمانينيات.. غربة نفسية وشتات عربي

الإسلاميات السوريات من جيل الثمانينيات.. غربة نفسية وشتات عربي

فاطمة علاء

محررة
  • ض
  • ض
 
 
في عام 1982، وفي مدينة حماة السورية تحديدا، اندلعت أحداث دامية، عُرفت بـ "مجزرة حماة"، وهي الأحداث التي قطّعت أوصال المجتمع السوري -بصيغته الحديثة- وتركت فيه جراحا بالغة امتدت آثارها وندوبها في نسيج المجتمع حتى يومنا. فبجانب عشرات القتلى الذين دُفنوا في مقابر جماعية، فقد دُفنت فوقهم أحياء عمرانية بأكملها، ونُكِّل بكثير من العائلات، قُتِل بعضُ أبنائها، واعتُقل آخرون، واختفى البعض الآخر، فيما تمكَّن الأكثر حظا منهم من الفرار خارج البلاد، ليبدأوا فصلا جديدا من التشرّد والغربة التي لا تقلّ عذابا وألما عما فروا هربا منه. أما عن قطبيّ تلك الأحداث، فهما: النّظام السوريّ، وجماعة الإخوان المسلمين السورية. 

   

وعلى الرغم من أنّ أبناء الجيل الأول من الجماعة عانوا أشدّ المعاناة من تهجير وتصفيةٍ وتعذيب واعتقال، فإنّ أبناء الجيل الثاني والثالث لم ينجوا هم أيضا من التبعات التاريخية، فقد نالوا نصيبهم من المعاناة في المَهجر. ووفق السياق الاستبدادي المركّب الذي طال أجيال "الفئات المعارضة" بمختلف شرائحها، فإن الفئة الأكثر تضررا من طبقات الاستبداد تلك، هن فتيات الإخوان المسلمين، أو الفتيات اللاتي جئن إلى الدنيا فوجدن آباءهن أو أحدا من عائلتهن منضما، أو كان منضما، لجماعة الإخوان المسلمين. الأمر الذي ترتّب عليه تُهما، وًلدن بها، وسط صراع سياسيّ أُقحِمنَ فيه يعود إلى أحداث الثمانينيات الدامية التي وقعت في سوريا والتي ما زالت آثارها قائمة حتى اللحظة، لتطول كل وليد سوريّ يأتي إلى الحياة من تلك الفئة، وليجدوا أنفسهم مدرجين بأسمائهم، دون جُرم أو جُنحة قاموا بها، في القائمة السوداء للنظام السوري.

      

    

فوفقا للقانون الشهير رقم 49 الذي أصدره النظام السوري عام [1]1980، فإن مجرد الزيارة لهؤلاء المًدرجة أسماؤهم، فإن ذلك يعني اعتقالهم وإعدامهم، والأمر سيّان للذكور والإناث. أما فيما يتصل بالفتيات، فربما كنّ أكثر حظا إن اختُطفن وأُطلِق سراحهنّ مقابل فدية، وهو الحال الذي لا يعني بأي صورةٍ ضمان عودتهنّ سالمات من أيّ تعذيب أو إساءة أو انتهاك جنسي[2].

  

ربّما لم يعاصر كثير من هؤلاء الفتيات، أحداث الثمانينيات، ولم يشاهدنها عيانا، ولم يخضعن لملاحقة أمنيّة، لكنّ الأكيد، وفق عدد من المقابلة الحيّة التي أجريناها في "ميدان"، أن صدى تلك الأحداث ما زال مُلقٍ بظلاله الثقيلة، وحكاياها ماثلة في الذاكرة، ومشاهدها تمرّ عيانًا، ورمزا، إما عبر نظرات والديها وعائلتها ونقوش الندوب التي ما زالت حاضرة حديثا وفعلا، أو عبر سلوك الحذر الدائم الذي يشكل شخصيّتها، وعدم الثقة الذي يرزح بثقله على مشاعرها.

  

نروي هنا أربع حكايات، أبطالها خمس فتيات؛ مها، وسماح، وهالة، وجمانة وسارة، وهؤلاء لا ينتمين رسميا لجماعة الإخوان السورية، على عكس أولئك اللاتي انخرطن في الأعمال الإغاثية بعد قيام الثورة السورية، وعُيِّن عدد منهنّ في مجلس شورى جماعة الإخوان مؤخرا[3]، بل ليس لهن أي نشاط سياسي ولا يتذكّرن من سوريا غير عدة صورة مُشوَّشة، تلاحقهم بالقدر الذي يهربون منها.

    

       

مها، خوف ملازم لا يرحل مع مرور الوقت

"ما عمري حسيت إنّي سورية. وما قدرت أحصل على وثائق شخصية كاملة حتى تزوجت من أردنيّ. وُلدت في الأردن ودرست وتزوجت فيها. بحس إني أردنية وبحب الأردن وأهل الأردن"

   

هكذا بدأت مها حديثها لـ "ميدان" عن حياتها كسورية في الغربة؛ وُلِدت مها في الأردن وعاشت فيها وما زالت حتى هذه اللحظة، تقول مها:

"بحس إنو وطني تخلى عني، حتى ما معي وراقي الثبوتية الي بتثبت إني سورية. وما بقدر روح لسوريا أنا وأهلي منخاف يعتقلونا ويعذبونا، وقرايبنا ما بيقدروا يسافروا يشوفونا"

 

وعن طفولتها تقول مها:

"ما تهنيت بطفولتي متل باقي الأطفال. كنت حس دايماً بخوف وقلق لإني بحس إننا ما عايشين بأمان، وإنو أهلي والسوريين دايماً خايفين من ملاحقة النظام إلن ولعائلاتن. كانا بابا يقلي ما تحكي لحدي شو بشتغل، وبابا عضو بجماعة الإخوان"

 

  

   

لدى مها سبعة أعمام، اعتُقِلَ أحدهم لأن والدها كان مطلوبا لدى النظام السوري، وتلقّفته داعش فورَ خروجِه من السجن، ثم تمكَّن من الهرب إلى تركيا، وعلى الرغم من تغيِّر الأوضاع بعد قيام الثورة السورية، تقول مها:

"نحن ما نتواصل مع قرايبنا حتى لا نسببلن أذى النظام السوري، هنه من دون ما يشوفونا بيطلب النظام التحقيق معن كل فترة وبسألون عنا وعن أخبارنا"

 

وعن معاناتها في عدم الحصول على الوثائق الشخصية تقول:

"الحكومة السورية ما بتعترف بزواج أهلي وبتعتبر إني ما موجودة أنا وإخواتي، ولهيك ما قدرنا نطلع جوازات سورية. أهلي ما ثبتوا عقد الزواج هنه تزوجوا برا سوريا وما قدروا يرجعوا ويثبتوه".

 

وبعد الانتهاء من الدراسة الثانوية، درست مها تخصص اللغة العربية الذي اختارته في جامعة حكومية ذات سمعة راقية.وبعد أن تخرجت في الجامعة حاملة بكالوريوس تخصص اللغة العربية، بدأت فصلا جديدا من معاناتها في البحث عن عمل، وحول هذا تقول:

"بدأت معاناتي لما بديت دورت عشغل، وما لقيت وظيفة قابتة، فاشتغلت معلمة بديلة أو مؤقتة بمدرسة خاصة، وهاي الوظيفة ما بتأمنلي دخل دائم".

 

وعبّرت مها في النهاية عن ارتياحها وتنفست الصعداء، وعدّلت جلستها وعاد إلى وجنتيها شيء من التورّد، وارتاحت قسماتها، وارتخت عيناها، وأردفت قائلة إنّ مرحلة جديدة من حياتها بدأت:

"لما ارتبطت بزوجي الأردني، انزاح هم تقيل عني وصار عندي وثائق رسمية كاملة، صرت حس إني عندي وطن بيعترف فيني وبعيش فيه بأمان، صرت بقدر سافر بسهولة وظروفي المعيشية تحسنت كتير، فزوجي بيشتغل وعنده تأمين صحي. وصرت أحس إني أردنية فعلا".

   

       

الأختان سماح وهالة، صدمة زيارة الوطن
سماح وهالة أختان، تُشبه تجربتهما إلى حدٍّ كبير تجربة مها، فهما سوريتان وُلِدتا في الأردن وما زالتا تُقيمان فيه، تقول سماح:

 "منحس إننا مننتمي للأردن وإنا بتحمينا،عشنا فيا طفولتنا وإلنا رفقات فيا بالمدرسة والجامعة"

 

لكن على خلاف مها التي لم تشعر بتقدير حقيقيّ لها كسورية في طفولتها، شعرت الأختان بترحيب كبير بهما في الأردن، تقول هالة:

 "كانوا رفقاتنا ومعلماتنا يمزحوا معنا وينبسطوا بحكينا السوري. كنا نطبخلن وندوقن أكلنا ونشرحلن معاني كلمات سورية سمعوا بالمسلسلات السورية، كل أهل الأردن بحبوا وبشوفوا المسلسلات السورية"

     

وعن طفولتها في الأردن قالت هالة:

"كنت دايما حسّ بالفخر إني سورية وحسّ إني مميزة، رفقاتي بالمدرسة يحبّوني كتير وينبسطوا على حكيي السوري"

    

وتُعلِّق أختها سماح:

"شربنا من مية الأردن وأكلنا من أكلها وعشنا مع أهلها وما عشنا في سورية"

    

ويشاء القدر أن تزور سماح وهالة سوريا زيارة مُقتضَبة برفقة الوالدة تعرّفتا فيها على مسقط رأس والديهما في حمص وجسر الشغور. قالت سماح:

"كنت كتير مبسوطة لما شفت  حمص بلد أمي ، وهي تسمع الجميع يتحدث اللهجة الحمصية، وكأنه حلم يتحقق أخيرا، وكم كانت سعادتها غامرة حين تنسمت هواء بلادها ورأت بعينيها مكان نشأة والديها وأهلهما"

      

سماح وهالة شكَّلتا هوية مزدوجة، إحداهما تنسجم مع المجتمع الأردني الذي ترعرعا وعاشا في كنفه، والأخرى تتلاقى مع المجتمع السوري المصغّر

 الأوروبية
   

ورغم ما لقيتاه من ترحيب كبير وسعادتهما الغامرة بزيارة سوريا، الوطن الذي لطالما كانتا تحلمان بالعودة لأحضانه، تحتميان به من صقيع الغربة وهجيرها، تقول سماح:

"خاب أملنا كتير لما زرنا سوريا، وكنا خيفانين طول الوقت. خاصة لإنو طلبونا للمراكز الأمنية أكتر من مرة، وكنا كل ما ندخل المركز نشوف رجال الأمن عم يطلعوا علينا بنظرات مخيفة. وضلينا خيفانين حتى دخلنا الأردن. واتطمننا لما قالولنا رجال أمن الأردنيين: يا هلا فيكم يا هلا".

       

من خلال حديث سماح وهالة يتضح أنهما شكَّلتا هوية مزدوجة، إحداهما تنسجم مع المجتمع الأردني الذي ترعرعا وعاشا في كنفه، والأخرى تتلاقى مع المجتمع السوري المصغّر. وعن المجتمع السوري تقول هالة:

"منحضر دروس دينية وتربوية مع رفقاتنا السوريات ومنطلع رحلات ومنشارك في بازارات. منحس إنوا رفقاتنا السوريين بخففوا عنا الغربة وبيفهموا علينا".

    

جُمانة، وجه باسم رغم عبوس الأيام

بوجه ضحوك وثغر لا تفارقه البسمة، شرعت جمانة بالحديث. كان أول ما رأته عيناها سماء الإمارات العربية المتحدة حين ولدت عام 1990. تقول جمانة "أنا ما بتذكر شي من الإمارات. ولا شي. عشت بس تلت سنين مع عيلتي وسافرنا بعد ما فنشوا بابا من الشغل هوه وكتير سوريين"

   

فارقت جمانة دولة الإمارات في سن الثالثة، السنّ الذي يتفتح فيها خيال الطفل ويبدأ فيه باستكشاف البيئة المحيطة وخلق روابط بالمجتمع المحيط، ورحلت جمانة خالية الوفاض من أي ذكريات دافئة تذكرها بمسقط رأسها، وهي التي لا تعرف شيئاً عن بلدها الأم. حيث تقول "ما شفت حدا من أقاربي لهلأ. منخاف النظام يلاحقن لما يشوفونا"

   

حتى اللحظة لم تر جمانة أقاربها وذلك بسبب تخوفها وتخوف أقاربها من أن يطالهم أذى النظام السوري.ثم حطت رحال جمانة وعائلتها في الأردن عام 1993، واستقر بهم المقام فيها، لتكون الوطن البديل الثاني لها بعد الإمارات. وأكملت تعليمها بشتى المراحل حتى أنهت المرحلة الثانوية.

     

"كنت كتير مبسوطة بالمدرسة.. رفقاتي والمعلمات بحبوا حكيي السوري والأكل السوري ويقولولي إعميلينا كبة، ولو ما كنت ببلدي بس كنت مبسوطة بالحياة وما في ببالي هموم"

   

لا تنسى جمانة أنها تعيش ظروفاً صعبةً في بلد غريبٍ عنها، وتواجه تحدياتٍ مضاعفةً لا يلاقيها أبناء البلد.. لكنها تقول:  

"تربينا بالأردن وتعودنا عالحياة فيا، وصحيح عانينا وعم نعاني من ظروف صعبة، بس نحن طلعنا من سوريا برسالة وهدف مشان ديننا، وهادا شي بيستحق التعب والمعاناة الي منمر فيا"

    

ووجدت جمانة ضالتها في مراكز تحفيظ القرآن الكريم الرسمية، وتقول:

"حفظت القرآن الكريم كاملاً الحمد لله وبداوم على مراكز تحفيظ القرآن الرسمية لمراجعة القرآن. وباخد عندن دورات تجويد. وكمان بحضر دروس دين مع السوريين"

 

لكن المجتمع السوري كان الملاذ الآمن والأهم الذي تلوذ به للدعم النفسي والاجتماعي، وتقول على الرغم من أنها شكلت صداقات مع المجتمع المضيف، إلا أن علاقاتها مع السوريين من أبناء الثمانينات أشد عرىً وقوةً.

    

"السوريين اللي إجوا بالأحداث بيفهموني منيح وبيفهموا معاناتي وظروفي، لإنن مروا بنفس الظروف بسوريا وبرا سوريا وبالأردن. وبلتقى فين في لقاءات القرآن والرحلات. بلا هالمجتمع بحس حال يتيمة غريبة مالي حدي، ومعن بحس إني قريبة من بلدي وأهلي بسوريا"

      

كذلك، انخرطت جمانة بالدراسة الجامعية.. كانت سعيدة بقبولها في جامعة حكومية ذات سمعة أكاديمية راقية وفي تخصص الأدب الإنجليزي الذي اختارته دون أن تتحمل تكاليفاً باهظة الثمن.

       

لكن ما إن تخرجت حتى بدأت مرحلة العذاب الحقيقي. حيث تعمل جمانة مدرسة في اللغة الإنجليزية. وتعاني من صعوبة الحصول على عمل ومن ضياع حقوقها لعدم قدرتها على الحصول على تصريح عمل، وهو ما يدفع المدارس إلى الامتناع عن توظيفها، وحتى إن حصلت على وظيفة، فإنها تخشى من خسارة الوظيفة في أي لحظة.

  

"أكبر معاناة عندي هي بالشغل. بتعب كتير بالتحضير والالتزام بالواجبات الي عليي، ومع هيك ما بحصل على ضمان ولا حقوق ولا عقد عمل. اشتغلت في أربع مدارس لحد الآن"

      

وعلى الرغم من كل ما مرت به من مصاعب، تحافظ جمانة على رباطة جأشها وابتسامتها الفياضة، وتقول بسعادة أن مديرتها السابقة أشادت بها وساعدتها في الحصول على الوظيفة الجديدة.

 

وختمت كلامها بصلابة يندر أن نجدها بين المهجرين ونبرة تتحدى كافة الظروف الصعبة قائلةً:

"إذا كان السوري مجتهد وأخلاقه عالية وصبور بلاقي شغل، وبيقدر ينافس الأردنيين كمان. نحن ما ببلدنا ولذلك لازم نتعب كتير ونجتهد لنقدر نشتغل ونعيش"

  

سارة.. روح مرحة هاربة من جحيم الحروب

تتذكَّر سارة فتضحك وتقول شاردة عينيها في اللاشيء:

"كل بلد كنت فيه صار فيه حرب أو ثورة، ولدت في العراق وصار فيها حرب، وعشت في اليمن وليبيا وصار فيهم حرب!"

    

ما بين الحصار المُطبِق على العراق والثورات في ليبيا واليمن، عانت سارة الأَمَرَّين كسورية لفظتها بلادها وعجزت عن احتوائها البلاد الأخرى.

"ولدت وعشت بالعراق ودرست الجامعة وتزوجت. العراق هو وطني الحقيقي ولو ما أخدت جنسيتو، عشنا فيه حياة حلوة كتير. جوزي اشتغل محاضر بجامعة حكومية وظروف شغلو ممتازة متل ظروف شغل المواطنين"

   

لكن الحرب على العراق عام 2007 أعلنت بدء فصل جديد في الاغتراب، تقول:

"عشت بعدين كم سنة في اليمن وبعدا انتقلنا لليبيا.. وآخر شي استقرينا بتركيا. كتير حسيت بوحضة بليبيا واليمن، بأي لحظة كان ممكن يفصلوا جوزي من الشغل إذا ما جدد جوازه السوري وبأي لحظة ممكن يفصلوه من الشغل"

 

وختمت حديثها قائلةً:

"أنا مقيمة بتركيا كلاجئة. الحياة بتركيا ما سهلة . بس أهم شي إني بحس  بالأمان، وإنو في فرص كويسة للشغل والمعيشة للناس الي بتدور وبتصبر"

 

فتيات العائلات السورية اللاتي تربطهن علاقة من قريب أو من بعيد بتيار الإسلام السياسي يُعايشنَ أزمة وجودية حقيقية

رويترز
       
انقطاع الصلة بكل ما يربطهنّ بالوطن

عانت الفتيات "الإسلاميات" أو اللاتي تربطهن علاقة قديمة بجماعة الإخوان المسلمين بسوريا من غربة شديدة، زاد منها انقطاع كل صلة لهنّ بوطنهنّ، فالحرمان من زيارة الوطن الأم يُلغي أي حميمية بين الفتاة وبين بلدها الأصلي سوريا، البلد الذي تنتمي له اسما لكنها محرومة من زيارته ومن التمتع بخيراته.

    

وزاد من هذه الغربة سياسة النظام السوري البوليسية، التي كانت سيفا مُسلَّطا على رقاب الفتيات وعائلاتهن وأقاربهن في سوريا حرمهنّ من التواصل مع الأقارب عبر الهاتف أو البريد، وكان معظم السوريين لا يغادر البلاد إلا بحجة تلقي العلاج أو أداء الحج والعمرة، وقد يتمكّن من لقاء الأحباب والأقارب في المهجر.

   

لكن حتى هذا لم يكن يعفيهم من التردد على المراكز الأمنية في سوريا والتعرض لاستجواب عن هوية مَن قابلوهم في الخارج وعن أخبار معارفهم ممن غادر سوريا في الثمانينيات. وزاد من غربة الفتيات السوريات امتناع النظام السوري عن إصدار جوازات سفر لعائلاتهن حتى وقت قريب، إمعانا في الأذية والتضييق عليهم، وكان يشترط عليهم جميعا السفر إلى سوريا ومراجعة المراكز الأمنية. وهذا يُعمِّق من القطيعة النفسية ما بين الفتاة السورية وبين بلدها، التي لا تعترف بها، فكان لهذا تأثير كبير على صعوبة تنقّل السوريين وسفرهم، وصعوبة تسيير معاملاتهم في كثير من الدول.

       

  

الشعور بالانتماء لمجتمع سوريّ مُصغّر

يُشكِّل المُهجَّرون عادة مجتمعات صغيرة يجمعها الذكريات الأليمة والمعاناة في الغربة[4]، فتصبح هذه المجتمعات حائط صدّ أمام مختلف التحديات التي يواجهها المُهجَّرون في غربتهم. فهم يصلون إلى دول لا يعرفون عنها شيئا وليس لهم فيها أقارب، يغادرون البلاد تاركين وراءهم منازلهم وأموالهم وممتلكاتهم، وما عادوا يملكون سوى ما يرتدونه، كما لم يتلقوا أيّ دعم مادّي من مؤسسات إغاثية دولية أو محلية، خلا بعض المساعدات الفردية من بعض الأفراد. فضلا عن الآلام النفسية التي عانتها العائلات السورية المُهجّرة إثر ما تعرضت له منذ الثمانينيات من اعتقال ومُلاحقة، وما شهدوه من جرائم ذبح واغتصاب وإعدام ميداني، فكان وجودها في جماعات مترابطة متكافلة ضمادا وبلسما لجروحها النازفة والمُحتقنة[5].

     

   

وهذا ما كان يجمع عائلات الإخوان السوريين، فجميع أفرادها منقطعون عن أقاربهم داخل سوريا، ويواجهون الصعوبات ذاتها في الغربة، وجميعهم تضرّروا في أحداث الثمانينيات بشكل مباشر أو غير مباشر، فمعاناة الفتيات، جزء من غيمة سوداء كثيفة من معاناة الشعب السوري. ولهذا قالت سارة لـ"ميدان" إنها وجدت عزاء لدى العائلات السورية الأخرى التي عايشت تجارب مماثلة لما مرت به، وأصبحت تربطهم علاقات تفوق علاقات الدم متانة تمنحهم الشعور بالأمان، وحضور لقاءات دينية دورية في العقيدة والقرآن والحديث والتزكية، وتدريبهنّ على إعطاء دروس في القرآن للأطفال والمراهقين السوريين، إلى جانب العمل التطوعي في إغاثة اللاجئين السوريين بعد اندلاع الثورة السورية.

  

وطن واحد وتعريفات مختلفة

على الرغم من أن الكثير من السوريين يعانون من الغربة والفقر، فإنّ فتيات العائلات السورية اللاتي تربطهن علاقة من قريب أو من بعيد بتيار الإسلام السياسي يُعايشنَ أزمة وجودية حقيقية منذ ولادتهنّ وحتى هذه اللحظة. فمعاناتهنّ تنبع من تجاذب الهويان لعدة عوالم وجوانب، ما بين مكان لم يعد يرحّب بإحداهنّ، وبين مسقط رأس الوالدين الذي لم تره بعضهن، وبين بلد فتح للفتاة ذراعيه ووفّر لها المأكل والمشرب والعمل والدراسة، وبين بلد آخر لا يعترف بها ولا يمنحها أدنى حقوقِها لكنّه يجمعها بأحبابها ومَن يُعايشون تجربتها نفسها ويحميها من بطش وهلاك مؤكّد يتوعّدها به مَن يملكون زمام أمر وطنها الأمّ.

   

  

ورغم هذا الواقع، وتلك المعاناة، والتي تزيد الاضطرابات السياسية المستمرة من وطئتها، فإنّ الفتيات ليس لديهنّ أيّ اهتمام بالسياسة، وربّما فضّلن الابتعاد عنها تماما قراءة وممارسة، بحثا عن بعض الراحة وسعيا للتأقلم والتعايش مع الظروف الصعبة التي فُرِضت عليهن في المَهجر. لكن، هل يمكن بأي حال الفصل ما بين المعاناة الإنسانية في العالم العربي بوجه العموم وفي سوريا على وجه الخصوص دون التطرق للسياسة وما يرتبط بها من صراعات وتحالفات ومعادلات؟ وهل يعني اعتزال الإسلاميات السوريات السياسة أنّ السياسة ستتركهنّ في سلام؟ أم أن الأمر كما قال السياسي اليوناني بيرسلس: "لا تظنّ أن اعتزال السياسة سيُريحك وأن السياسة ستدعكَ وشأنَك".

  

قد يكون الوطن حيث العمل والدراسة، أو الدولة حيث تتزوج الفتاة وتتمكَّن من الاستقرار فيها بالحصول على جنسية أخرى، أو المكان حيث تتمكَّن من الاجتماع بعائلتها وأصدقائها من مجتمع المغتربين المُصغّر عند أخرى، أو هو ببساطة الملاذ الآمن والمستقرّ الذي لا تشعر فيه الفتاة بخطر التعرض للخطف والقتل والاعتقال، لكن ربما يبقى الوطن كما قال غسان كنفاني ذات مرة: "الوطن ألا يحدث ذلك كله!".

-----------------------------------------------------------------------

الهوامش:

- وُضِعَت أسماء مستعارة حفاظا على خصوصية الفتيات اللواتي تم إجراء مقابلة معهنّ.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار